الطعن رقم 12 سنة 8 ق – جلسة 26 /05 /1938
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 383
جلسة 26 مايو سنة 1938
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك وأحمد مختار بك المستشارين.
القضية رقم 12 سنة 8 القضائية
صورية. صورية العقد. صورية الثمن. اختلافهما في الحكم. تصرف. النزاع
حول صورية الثمن. القضاء ببطلان التصرف حتى مع التسليم بصورية الثمن دون بحث فيما إذا
كان هذا التصرف قد أعسر المدين. غير صحيح.
إن الصورية المتعلقة بالثمن المذكور في ورقة العقد يختلف حكمها عن الصورية المتعلقة
بذات العقد. ففي دعوى بطلان التصرف إذا كانت الصورية التي دار حولها النزاع بين نازع
الملكية والمتصرف لها هي الصورية فيما رواه العقد المطلوب إبطاله من أن المدين باع
لابنته العين المتنازع على استحقاقها مقابل ما كان لها بذمته من معجل صداقها الذي قبضه،
وكان نازع الملكية لم يدعِ الصورية فيما يتعلق بمعجل الصداق المذكور ولم ينازع في أن
والد الزوجة هو الذي قبضه بصفته وكيلاً عنها في مجلس عقد الزواج، وقال، وهو يدلل على
أن التصرف كان بغير مقابل وأنه قد أعسر مدينه عن وفاء ديونه، إن المتصرف لها قد زفت
قبل حصول التصرف لها، وإن والدها يكون بالطبع قد جهزها من مقدّم الصداق، وكانت المتصرف
لها قد ردّت على ذلك القول بما ينفيه، ثم قضى الحكم المطعون فيه ببطلان التصرف دون
أن يكلف مدعي الصورية بإثباتها رغم قيام المتصرف لها بتقديم ما من شأنه أن يدل على
أن التصرف لها، حتى ولو كان قد حصل بغير ثمن، لم يكن ليعجز المدين عن سداد دينه مما
بقي لديه من الأموال، فهذا الحكم يكون متعيناً نقضه مع إعادة القضية للفصل فيها على
أساس بحث التصرف الصادر للمتصرف لها هل هو – مع التسليم بصورية الثمن – قد أعسر المدين
عن الوفاء بدين نازع الملكية أو أنه قد بقي بعده للمدين ما يفي بسداد الدين.
الوقائع
تتلخص وقائع الدعوى – على ما جاء بالحكم المطعون فيه والمستندات
المقدّمة من طرفي الخصومة لهذه المحكمة وكانت مقدّمة من قبل لمحكمة الاستئناف – في
أن الطاعنة (الست عطيات محمد صدقي) ادعت في دعوى رفعتها على ورثة والدها المرحوم الدكتور
محمد صدقي وهم زوجته الست زبيدة محمد أحمد عابدين وأولادها المرزوقين لها منه القصر
المشمولين بوصايتها وهم: لطفية ورسمية وكمال الدين ونور الدين وابنته البالغة الست
حياة محمد صدقي وعلى الست بهية محمد خالد أمام محكمة بني سويف الابتدائية قالت فيها
إن الست بهية المذكورة لدين لها على ورثة والدها المذكورين شرعت في نزع ملكيتهم من
4 فدادين و17 قيراطاً ورثوها عن والدهم بناحية باها بمركز بني سويف مع أنها تملك من
هذا القدر 3 فدادين و17 قيراطاً مبينة الحدود والمعالم بصحيفة افتتاح الدعوى وذلك بعقد
البيع الصادر لها من والدها بتاريخ 11 مايو سنة 1932 المسجل في 12 مايو سنة 1932 وذلك
بثمن قدره 250 جنيهاً أقرّ البائع بقبضه بأكمله يوم 22 يناير سنة 1931 بموجب وثيقة
زواجها. ولذلك طلبت الحكم بتثبيت ملكيتها إلى الأطيان المذكورة وإلغاء التسجيلات الموقعة
عليها بناءً على طلب الست بهية المذكورة وإلزام هذه المدّعى عليها بالمصاريف والأتعاب
بحكم مشمول بالنفاذ المعجل وبلا كفالة. وبتاريخ 2 من أكتوبر سنة 1932 حكمت المحكمة
الابتدائية غيابياً بطلبات المدّعية. وبتاريخ 14 و15 من أكتوبر سنة 1932 عارضت الست
بهية محمد خالد في هذا الحكم طالبة إلغاءه والقضاء برفض الدعوى. وقد بنت معارضتها على
أن الدكتور محمد صدقي كان مديناً لها بسند تاريخه 7 مايو سنة 1930، وأعلنته ببرتستو
عنه في 20 مايو سنة 1931، ثم رفعت عليه دعوى المطالبة بهذا الدين في 20 فبراير سنة
1932، فحكم لها عليه بتاريخ 28 من مايو سنة 1932 وأنه أصدر لابنته عقد البيع الذي استندت
إليه المدّعية في دعواها بغير ثمن وذلك تهريباً لملكه من ديونه. وبتاريخ 15 من إبريل
سنة 1936 حكمت المحكمة الابتدائية في تلك المعارضة بقبولها شكلاً وبرفضها موضوعاً وتأييد
الحكم الغيابي المعارض فيه مع إلزام المعارضة بالمصاريف وبمبلغ 200 قرش أتعاب محاماة
للست عطيات محمد صدقي المعارض ضدّها. وبتاريخ 2 من ديسمبر سنة 1936 استأنفت الست بهية
المحكوم عليها هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر طالبة إلغاءه ورفض دعوى المستأنف عليها
إلى آخر الطلبات. وبتاريخ 14 من ديسمبر سنة 1937 حكمت محكمة الاستئناف حضورياً للمستأنفة
والمستأنف عليها عطيات محمد صدقي وفي غيبة باقي المستأنف عليهم بقبول الاستئناف شكلاً
وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف عليها الأولى الخ.
أعلن هذا الحكم إلى الطاعنة في 10 من يناير سنة 1938 فطعن فيه وكيلها بطريق النقض في
8 من فبراير سنة 1938 الخ.
المحكمة
ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف حين ألغت الحكم المستأنف
القاضي بتثبيت ملكية الطاعنة لما باعه لها والدها بالعقد المؤرّخ في 11 مايو سنة 1932
وبإلغاء إجراءات نزع الملكية التي سارت فيها الست بهية محمد خالد ومحو ما أوقعته هذه
الدائنة على العين المبيعة من التسجيلات باعتبارها مملوكة إلى مدينها والد الطاعنة
الدكتور محمد صدقي معتمدة في قضائها هذا على أن البيع المذكور قد أصدره البائع لابنته
الطاعنة إضراراً بهذه الدائنة وبغيرها من الدائنين قد خالفت المعروف قانوناً من أحكام
الدعوى البوليصية، فضلاً عن تأسيسها حكمها المطعون فيه على واقعة افترضتها ولا دليل
عليها، وعن عدم قيامها بالرد على الحكم المستأنف، مما يجعل حكمها باطلاً لقصور أسبابه.
وحيث إن النزاع بين الطاعنة وبين نازعة الملكية قد دار أمام المحكمة الابتدائية وأمام
محكمة الاستئناف حول ما إذا كان البيع الصادر من المرحوم الدكتور محمد صدقي لابنته
الطاعنة قد وقع بغير ثمن وإضراراً بالدائنة أو وقع بثمن هو مقدّم الصداق الذي قبضه
بصفته وكيلاً عن ابنته حين عقد زواجها، وحول ما إذا كان قد توافر في هذا العقد الشروط
التي يجب توافرها لنجاح ما دفعت به الدائنة المذكورة من بطلانه. فكانت هذه الدائنة
تدّعي في دفع دعوى الاستحقاق أن العقد المذكور هو عقد تبرع أصدره مدينها لابنته تهريباً
لبعض ملكه بغير ثمن، كما أصدر بباقيه عقوداً أخرى لغيرها تهريباً وإضراراً لدائنيه.
وكانت تستند في ذلك إلى أن ما جاء بالعقد الصادر للطاعنة من والدها من أن الثمن هو
مقدّم صداقها الذي قبضه هو غير صحيح، وقد انقضى بين عقد الزواج وعقد البيع سنة وخمسة
شهور تقريباً، ووقع البيع بعد دخول ابنته على زوجها، ولا بد أن تكون قد جهزت طبعاً
من مقدّم صداقها. خصوصاً وقد كانت سنها عند عقد زواجها أقل من ست عشرة سنة وكانت قاصرة
حين جعلها والدها مشترية منه. وكانت الطاعنة تنفي هذه الصورية المخالفة لقسيمة الزواج
وعقد البيع وتؤكده بما جرى به العرف من أن الفتاة في مثل بيئتها تعدّ جهازها في بيت
والدها حتى إذا دفع المهر خلص لها، وتزيد تأكيداً بما قالته من أن ظروف تجهيزها وانتقالها
لمنزل الزوجية كانت محل حوار وجدل تدخل في شأنه رجل كبير هو الأستاذ فلان رئيس النيابة،
وقد انتهى الأمر فيه بهذه التسوية أي بالبيع المذكور.
وحيث إن المحكمة الابتدائية بعد أن أثبتت في صدر حكمها المؤرّخ في 15 إبريل سنة 1936
وقائع هذا النزاع قالت:
"وحيث إنه تبين من الاطلاع على عقد البيع صحة هذا القول (أي قول المدعية الطاعنة)،
كما تبين من الاطلاع على وثيقة زواجها رقم 199250 المؤرّخة في 23 يناير سنة 1931 أن
والدها كان وكيلاً عنها في الزواج، وأنه قبض بهذه الصفة مقدّم الصداق وقدره 250 جنيهاً
من زوجها مصطفى أفندي هلال رجب. وحيث إنه مما يؤيد ذلك… … … وحيث إن ما تقوله
السيدة المعارضة من أن البيع باطل عملاً بالمادة 143 مدني لا سند له من القانون ولا
من الواقع، لأنه يشترط لتطبيق هذه المادة قصد الضرر وعدم كفاية أموال المدين الباقية
وقت التصرف لوفاء ديونه. وكلا الشرطين غير متوفر، فإن الست عطيات (الطاعنة) كدائنة
(أي بمقدّم الصداق) قد احتاطت فبادرت بتسجيل عقدها (في 12 مايو سنة 1932) فكانت أكثر
حرصاً من السيدة المعارضة التي لم تسجل اختصاصها كدائنة أخرى للبائع إلا بعد تسجيل
عقد البيع. ولا شك أن الست عطيات لم تقصد بالشراء إلحاق الضرر بغيرها من الدائنين،
بل قصدت الحصول على حقوقها فلا يبطل البيع في هذه الحالة. أما أن البائع لم يتجرّد
من أملاكه حين البيع، فإن الثابت من أوراق هذه الدعوى وغيرها من الدعاوى التي حكم فيها
اليوم أن كان للبائع بعد البيع المطعون فيه 10 فدادين و10 أسهم رهنها لعبد الخالق أفندي
الزعيري بتاريخ 13 مايو سنة 1932 وفدان و6 قراريط باعها لفانوس أفندي جرجس بتاريخ 24
مايو سنة 1932. وحيث إن مجرّد كون الست عطيات كريمة البائع لا يسلمها حقاً ثابتاً لها
بل تستوي وغيرها من الدائنين في الحماية القانونية، فمن فرط في حفظ حقه فهو أولى بالخسارة".
أما الحكم المطعون فيه فبعد أن حصر النزاع فيما إذا كان العقد الصادر للمستأنف عليها
الأولى (الطاعنة) من والدها هو عقد صحيح أو صوري قصد به مع غيره من العقود الصادرة
من هذا الوالد الإضرار بالمستأنفة وغيرها من الدائنين، وبعد أن ذكر تاريخ دين المستأنفة
وتاريخ رفعها الدعوى به (20 من فبراير سنة 1932) وتاريخ الحكم الصادر لها به (28 مايو
سنة 1932)، وبعد أن قال إن المرحوم الدكتور محمد صدقي والد المستأنف عليها الأولى (الطاعنة)
قد تصرف في تواريخ متقاربة جداً قبل صدور حكم الدين في أملاكه بعدّة تصرفات، فباع في
11 مايو سنة 1932 نصف وابور طحين إلى أمينة شقيقة زوجته، ورهن في 13 مايو سنة 1932
عشرة أفدنة وكسراً إلى عبد الخالق الزعيري أفندي ابن الست أمينة المذكورة مما يشعر
بصورية هذه العقود – بعد ذلك قال "وبما أن استشعار الدكتور محمد أفندي صدقي بصورية
العقد المذكور الصادر منه لابنته جعله يتلمس إظهاره بمظهر العقد الجدّي من كل طريق
فعمد إلى المغالاة في سنّ ابنته المذكورة، فذكر في العقد أنها بالغة رشيدة ليصح لها
أن تقبل التصرفات بنفسها ظاناً بأن هذا أبلغ مما إذا كان يتعاقد معها بصفته ولياً لها،
وليتمشى مع ما قرّره في قسيمة الزواج من أن سنها 18 سنة، وذكر أيضاً أنها مقيمة بالمنصورة
(محل إقامة زوجها) مما يبرر حقها في المطالبة بما لها من صداق طرف والدها الذي تبرع
طبعاً بتجهيزها من ماله الخاص، وفاته أن حالته المالية التي تنم عنها تصرفاته والقضايا
المضمومة لهذه الدعوى لا تساعد على الاعتقاد بأنه كان في سعة مالية تسمح له بتجهيز
ابنته بغير صداقها… ولذا ترى بأن العقد موضوع النزاع هو عقد صوري، ولذا يتعين إلغاء
الحكم المستأنف".
وحيث إنه متى لوحظ أن الصورية التي دار حولها النزاع كشرط لنجاح ما دفعت به نازعة الملكية
من بطلان العقد الصادر للطاعنة من والدها لصدوره إضراراً بدائنيه هي الصورية فيما رواه
هذا العقد من أن المدين باع لابنته العين المتنازع على استحقاقها مقابل ما كان لها
بذمته من معجل صداقها الذي قبضه، ومتى لوحظ أن نازعة الملكية نفسها لم تدع صورية معجل
الصداق المذكور ولم تنازع في أن والد الزوجة هو الذي قبضه في مجلس عقد الزواج بصفته
وكيلاً عنها فيه، وأنها هي التي ذكرت في دفاعها، في سياق استدلالها على أن التصرف كان
بغير مقابل وقد أعسر مدينها عن وفاء ديونه، أن الطاعنة قد زفت إلى زوجها قبل صدور البيع
لها، وأن والدها يكون طبعاً قد جهزها من مقدّم الصداق، وأنها قد أرسلت قولها هذا بغير
دليل، ولوحظ أيضاً أن الطاعنة مع ذلك قد قالت في إحدى مذكراتها "إنها على فرض أنها
قد زفت قبل البيع ولكن الأمر على خلاف ذلك إذ الثابت أن ظروف تجهيزها وانتقالها لمنزل
الزوجية كانت محل حوار وجدل تدخل في شأنه رجل كبير هو الأستاذ… … … … … رئيس
النيابة وانتهى الأمر بشأنه إلى التسوية الحالية (تريد البيع)" – إنه متى لوحظ هذا،
ولوحظ أن جل ما اعتمد عليه الحكم المطعون فيه هو قوله: "إن والد الطاعنة لم يكن ليتبرع
طبعاً بتجهيز ابنته من ماله الخاص لأن حالته المالية التي تنم عنها تصرفاته لا تساعد
على الاعتقاد بأنه كان في سعة مالية تسمح له بتجهيز ابنته بغير صداقها" – إنه متى لوحظ
كل هذا، ولوحظ أن ما قضى به الحكم المطعون فيه من أن تصرفات المدين الأخرى لمن لم يكن
خصماً في الدعوى هي تصرفات صورية أيضاً، وذلك بغير دليل أيضاً، يكون الحكم المطعون
فيه أخطأ إذ حكم بصورية الثمن مرتكناً على براءة ذمة الدكتور محمد صدقي من معجل صداق
ابنته ومرتكناً في هذه البراءة على مجرّد القول من الدائنة بأن مدينها يكون طبعاً قد
جهز ابنته من معجل الصداق الذي قبضه قبل زفافها إلى زوجها وقبل البيع الصادر لها من
والدها – ذلك القول المجرّد عن الدليل والمردود عليه من الطاعنة لما سبق ذكره مما كان
ينبغي تكليف مدعية الصورية بإثباته لو كان الفصل في الدعوى محتاجاً إلى إثبات هذه الصورية
بعد تقديم الطاعنة للمحكمة ما يدل على أن شراءها، حتى لو كان بغير ثمن، لم يكن من شأنه
أن يعجز الدائنة عن استيفاء دينها مما بقي لمدينها من الأموال التي قيل إنه تصرف فيها
بعد التصرف لابنته كما أثبت ذلك الحكم المستأنف. ولذلك يتعين نقض الحكم المطعون فيه
وإعادة القضية لمحكمة استئناف مصر للفصل فيها من جديد على أساس أنه حتى لو كانت الصورية
المدعاة في الثمن ثابتة فإنه يكون على المحكمة أن تقصر البحث عما إذا كان البيع الصادر
للطاعنة قد أعسر المدين عن الوفاء بدين نازعة الملكية أو لم يعسره لبقاء مال لهذا المدين
كان يفي بتسديد الدين المذكور.
