الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 88 سنة 7 ق – جلسة 05 /05 /1938 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 343

جلسة 5 مايو سنة 1938

برياسة حضرة محمد فهمي حسين بك المستشار وبحضور حضرات: حامد فهمي بك وعبد الفتاح السيد بك وعلي حيدر حجازي بك وأحمد مختار بك المستشارين.


القضية رقم 88 سنة 7 القضائية

وقف. وقف المريض مرض الموت. الفصل فيه من اختصاص المحاكم الشرعية لا من اختصاص المحاكم الأهلية. (المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية)
إن النزاع في حصول الوقف في مرض الموت هو نزاع في مسألة تتعلق بأصل الوقف على كل حال، سواء فسر أصل الوقف بأنه وثيقة الوقف، أم فسر بحقيقته الشرعية وبالأوصاف والأحكام التي أعطاها الشارع للأحباس، أم فسر بما يتوقف عليه وجود الوقف وبما هو مقابل لشرائط الواقفين. فالفصل في هذا النزاع هو – بمقتضى المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية – ليس مما تنظر فيه هذه المحاكم بل إن النظر فيه هو من اختصاص المحاكم الشرعية.


المحكمة (1)

ومن حيث إن الدعوى الحالية بنيت على أن المرحوم محمد بك أبو وافيه أوقف الأعيان المبينة بورقة التكليف بالحضور على زوجته الست وهيبة محمد عبد القادر وعلى ابنته منها الست نبوية، وذلك بكتاب وقفه الصادر في 16 يناير سنة 1919. ويقول المستأنف عليهم أولاد الواقف المذكور إن هذا الوقف صدر في مرض موت مورّثهم هذا، وطلبوا لهذا السبب الحكم ببطلان الوقف المذكور، والحكم لهم بنصيبهم الشرعي في الأعيان المذكورة. وقد صدر الحكم المستأنف ببطلان عقد الوقف لصدوره في مرض موت المورّث وبالنصيب الشرعي.
ومن حيث إن المستأنفتين دفعتا الدعوى أمام هذه المحكمة بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظرها بعلة أن دعوى بطلان وقف المريض مرض الموت من اختصاص المحاكم الشرعية دون غيرها، واعتمدتا في ذلك على المادة 16 من لائحة المحاكم الأهلية.
ومن حيث إن ما اشتملت عليه المادة 16 المذكورة خاصاً بالوقف هو النص التالي "ليس لهذه المحاكم – أي المحاكم الأهلية – أن تنظر في المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف".
ومن حيث إن قول المادة المذكورة "أصل الأوقاف" قول مؤلف من مضاف هو "أصل" ومضاف إليه هو "الأوقاف". ومن البديهيات المنطقية أنه لن يعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الأوقاف أوّلاً ثم معنى الأصل ثانياً.
أما الأوقاف فجمع وقف، والوقف عند الفقهاء اسم معين لعقد من عقود الإسقاطات (التبرعات) يفيد حبس العين عن تملكها لأحد من العباد، والتصدّق بالمنفعة على الفقراء ولو في الجملة أو على وجه من وجوه البر. فكلمة "وقف" إذن في عرف المتشرعين هي عقده كما إذا قلت "البيع" فهو في العرف الفقهي عقده وجمعه بيوع. وبناء على هذا يكون قول المادة 16 المذكورة "أصل الوقف" يساوي بالضبط "أصل عقد الوقف". أما كلمة أصل فإن أصل كل شيء هو ما يستند تحقيق ذلك الشيء إليه، ويكون حينئذ أصل عقد الوقف هو أركان هذا العقد. ذلك لأنه من المسائل الأوّلية في الشرع والقانون أن كل عقد يستند في تحقيق وجوده على أركانه وتوافر شروط هذه الأركان. وتكون النتيجة المنطقية لما تقدّم أن قول "أصل الوقف" يساوي بالضبط "أركان عقد الوقف".
ومن حيث إنه يتبين من هذا القياس المنطقي أنه إذا منعت المادة 16 المحاكم الأهلية من نظر المسائل (المنازعات) المتعلقة بأصل الوقف، فإن معنى ذلك أن الممنوع فقط هو نظر المنازعات المتعلقة فقط بأركان عقد الوقف وما يتبعها من شروط الصحة. وما لا يتعلق بهذه الأركان وبما يتبعها من شروط الصحة غير داخل في هذا المنع، وتكون المحاكم الأهلية مختصة بنظره دون غيرها.
ومن حيث إن الذي يؤكد هذا النظر أن النص الفرنسي للمادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية جاء مطابقاً كل المطابقة للتفسير المتقدّم بيانه. ومعلوم أن واضعي هذه اللائحة من الأجانب الذين وضعوه باللغة الفرنسية فهي الأصل وما النص العربي إلا ترجمة له. فقد جاء النص الفرنسي المقابل "للمسائل المتعلقة بأصل الوقف" هكذا: (Contestations relatives à la Constitution des Wakfs) والترجمة الحرفية لذلك "المنازعات المتعلقة بالتكوين الأساسي للأوقاف من حيث مكوّناتها الأساسية" إذ أن كلمة (Constitution) اسم مصدر مشتق من فعل (Constituer) ومعناه "كوّن الشيء من عناصره الأساسية". ولا شك في أن هذا التكوين الأساسي للوقف على هذا النحو لا يكون إلا بتوافر عناصره الأساسية. ومما لا يقبل المجادلة أن هذه العناصر الأساسية لا تكون إلا أركان عقده الشرعية وما يتصل بها من شرائط صحته، لأنه إذا لم يوجد ركن منها فلا وقف، ويبطل بعدم قيام شرط من شروط الصحة الأساسية.
ومن حيث إن الذي يزيد هذا النظر حجة أن المتفق عليه في كتب الفقهاء أن أصل الوقف هو ما يبتنى عليه صحته وتتوقف عليه (راجع في ذلك صحيفة 190 من الأصول القضائية للشيخ علي قراعة و135 من كتاب مباحث الوقف للشيخ زيد والمادة 567 من كتاب العدل والإنصاف لقدري باشا وغير ذلك من كتب الفقه الإسلامي). وقد قالوا – بلا خلاف بينهم – إن ما يبتنى عليه صحة الوقف ويتوقف عليه هو أركان عقده وشروط صحته وهي المتعلقة بالواقف وبالصيغة التي ينعقد بها الوقف وبالعين الموقوفة وبالجهة الموقوف عليها. ويتبين من ذلك أن تعريف أصل الوقف حسب أقوال فقهاء الشرع يطابق التعريف المتقدّم بيانه المستخلص من مفهوم النص الصريح للمادة 16 من لائحة المحاكم الأهلية.
ومن حيث إنه لما تقدّم تكون المحاكم الأهلية مختصة بالفصل في منازعات الوقف إلا ما كان منها متعلقاً بأركان عقده وما تتصل به من شروط صحته. فالمنازعات المتعلقة بعقد الوقف من أي ناحية أخرى خلاف الناحية المتعلقة بأركانه وشروط صحته الأساسية هي من صميم اختصاص المحاكم الأهلية دون غيرها.
ومن حيث إن مسألة صدور الوقف في مرض موت الواقف لا تتعلق بركن الوقف ولا بأي شرط من شروط صحته، إذ قد صح إجماع أهل الشرع على أن التصرف الحاصل في مرض موت المتصرف هو عقد وتصرف صحيح لازم، ولكنه موقوف. ويترتب على صحة عقد الرهن الصادر في مرض الموت أن مرض الموت هذا لا يتصل بالوقف من حيث ركنه وشروط صحته. وما دام الأمر كذلك فالطعن على الوقف بصدوره في مرض موت الواقف هو نزاع لا يتصل بأي شرط من شروط انعقاده وصحته فهو إذن نزاع لا يتعلق بأصل الوقف تطبيقاً لما تقدّم بيانه، وتكون المحاكم الأهلية مختصة بنظر هذا النزاع دون غيرها.
ومن حيث إن المستأنفتين استندتا في الدفع بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى إلى حكم صادر من محكمة النقض بتاريخ 16 مايو سنة 1935.
ومن حيث إن محكمة النقض المذكورة اعتمدت في التدليل على أن المحاكم الأهلية ممنوعة من نظر النزاع الخاص بمرض موت الواقف على ما قالته في العبارة التالية الواردة في حكمها وهي بنصها: "إن دعوى الوارث بطلان وقف مورّثه لحصوله في مرض الموت هي دعوى تثير نزاعاً في مسألة أهلية هذا الواقف للتبرع لوارثه وعدم أهليته، أو مسألة تعلق حق الوارث بالعين الموقوفة فلا يملكها الواقف ملكاً خالصاً حتى يسوغ له حبسها عن وارثه. وأية المسألتين متعلقة بصميم أصل الوقف من جهة صحته وبطلانه. فالمحاكم الأهلية لا اختصاص لها أصلاً بنظرها. والقول بغير ذلك لا سند له من القانون ولا من المنطق الصحيح".
وحيث إنه يفهم من عبارة محكمة النقض "صميم أصل الوقف من جهة صحته وبطلانه" أن مراد المحكمة منها هو أركان عقد الوقف وشروطه المقررة شرعاً لصحته. ويفهم حينئذٍ مما ذكر أن محكمة النقض قررت أن النزاع الخاص بمرض موت الواقف متعلق بأركان عقد الوقف وشروط صحته، وأنه لهذا الارتباط قضت بأن المحاكم الأهلية غير مختصة بالنظر في هذا النزاع.
ومن حيث إن هذه النتيجة الأخيرة التي استخلصتها محكمة النقض تكون صحيحة لو كانت مقدّمتها صحيحة. ولا يكفي للاقتناع بصحة هذه المقدّمة مجرّد قولها إنها ثابتة بداهة، أو إن القول بغير ذلك لا سند له من القانون ولا من المنطق الصحيح.
ومن حيث إن الصواب أن هذه المقدّمة التي ساقتها محكمة النقض وهي قولها "إن الواقف يكون فاقد الأهلية شرعاً عند إنشاء وقفه في مرض موته" – هذه المقدّمة غير صحيحة قانوناً لمخالفتها للقواعد الشرعية وغير الشرعية للأسباب الآتية:
(أوّلاً) إن القانون نص على أن الحكم في الأهلية للتصرف في جميع العقود (ومنها عقود الإسقاط كالوقف) يكون على مقتضى أحكام الأحوال الشخصية. والمراد هنا بالأهلية أهلية الأداء.
وما نظن أن هناك خلافاً في أن أحكام الأحوال الشخصية المقتضى مراعاتها في أهلية الواقف هي أحكام الشريعة الإسلامية. ومن المجمع عليه عند الفقهاء وغير الفقهاء أن أسباب فقد الأهلية الذي يشوب صحة التصرف فقداناً تاماً أو ناقصاً محدّدة وليس من بينها مرض الموت. وفضلاً عن هذا فليس من بين شرائط صحة عقد الوقف المقررة شرعاً أن لا يكون الواقف مريضاً، بل بالعكس إن المقرر في جميع المراجع الفقهية، كما سبق بيانه، أن عقد الوقف الصادر في مرض الموت صحيح. ولا يكون العقد صحيحاً إلا إذا كان صادراً من ذي الأهلية المعتبرة شرعاً. فقول محكمة النقض إن الشارع جعل الواقف غير ذي أهلية للتبرع في وقت مرض موته لا سند له من الشرع أو القانون بل قول مخالف لما قضي به في هذا الشأن.
وبما أن هذا القول الذي ثبت عدم صحته لمخالفته للشرع والقانون قد جعلته محكمة النقض مقدّمة للنتيجة التي ذكرتها من أن دعوى بطلان الوقف لصدوره في مرض الوارث نزاع متعلق بشرط من شروط صحة الوقف وهو الخاص بأهلية الواقف، فوجب إذاً الحكم بأن هذه النتيجة غير صحيحة لعدم صحة مقدّمتها.
(ثانياً) إن الذي يزيد المسألة وضوحاً وجلاء هو أن الشريعة الإسلامية قررت قدسية حق الوارث في تركة مورّثه ومنعت أياً كان ولو كان المورّث نفسه من المساس بهذا الحق والتعدّي عليه بحرمان صاحبه منه وبأي تصرف قصد به ذلك إلا في الحدود المقررة لذلك شرعاً وقانوناً.
يستفاد كل هذا من أقوال الفقهاء عند بحثهم في باب الوصية، وفي الكلام على مرض الموت، إذ قالوا إن البطلان فيهما لم يتقرر شرعاً إلا لأنهما يدلان على نية المورّث في الإضرار بمورّثيه، وهو ما يمنعه الشرع.
فحق الوارث هذا هو حق قائم بذاته يستمدّه من الأمر الشرعي أو بعبارة أخرى من القانون.
ومن المبادئ القانونية أنه تقوم بجانب كل حق معترف به قانوناً دعوى يملكها صاحب هذا الحق لاستخلاصه كاملاً ومنع كل تعرّض له فيه. فالوارث إذاً له حق في رفع الدعوى في حالة تصرف مورّثه تصرفاً قصد به حرمانه من حقه في ميراثه. ومن الميسور فهمه إذاً أن موضع هذه الدعوى الأصلي هو في الحقيقة طلب استرداد حق هذا الوارث في ميراثه الذي اعتدى عليه بهذا التصرف ومنع التعرّض له فيه، ولا يحصل منع التعرّض إلا بإزالة سببه ومحو أصله، ولا يتأتى ذلك إلا بإبطال التصرف الذي هو أداة هذا التعرّض وأصله.
فأنت ترى من هذا التصوير الشرعي القانوني أن طلب البطلان في هذه الحالة من الوارث لم يبنَ على عيب في أركان أو شروط صحة التصرف الحاصل من المورّث بقصد إضرار الوارث أو على أي سبب آخر يمت إلى هذا العقد بصلة ذاتية. إذ الواقع من هذا التصوير المتقدّم للمسألة أن الوارث لم يجعل طلب بطلان العقد طلباً أصلياً في دعواه، فهو لم يطلب اعتبار العقد باطلاً لذاته لبطلان الحق بأركانه وصحته، وإنما هو يطلب إبطال هذا العقد كطلب تبعي لازم اقتضته دعواه الأصلية، وهي المطالبة بحقه في حصته الميراثية وتثبيته فيه. لأنه، كما تقدّم بيانه، لا يتحقق تثبيت هذا الحق إلا بإلغاء هذا التصرف سواء كان صحيحاً في ذاته أو باطلاً أو فاسداً. فالبطلان هنا معناه استبعاد عقد التصرف واعتباره كأن لم يكن بالنسبة للوارث لا غير. فالدعوى إذن في هذه الحالة بشقيها الأصلي والتبعي لا تتعلق بأصل الوقف سواء اعتبر أصل الوقف بالمعنى السابق إيضاحه في صدر هذه الأسباب أي من ناحية صحته وبطلانه أو بمعنى آخر شامل لأي نزاع متعلق بعقد الوقف أي من جميع النواحي سواء منها ما كان من ناحية صحته وبطلانه أو من أي ناحية أخرى.
ومن حيث إنه من جهة أخرى فلو سلم جدلاً بأن بطلان العقد في هذه الدعوى هو بطلان نسبي بالمعنى القانوني فإنه من المقرّر علماً وعملاً أنه لا يكون بطلان في العقود إلا بالنسبة للعاقد أو المتعاقدين ولمن يكون في مصلحته هذا البطلان من المتعاقدين. ويترتب على ذلك أن العقد لا يوصف بالصحة أو بالبطلان بالنسبة للغير، إنما يكون هذا العقد بالنسبة له غير سارٍ عليه (inopposable) أو غير نافذ في حقه كما يقول الفقهاء. ولهذا فلا حاجة به إلى أن يتمسك ببطلان هذا العقد ولا بصحته، لأن العقد غير نافذ في حقه حتى ولو كان في ذاته صحيحاً. ويستخلص من هذا أنه إذا طلب هذا الغير إبطال هذا العقد فليس الغرض منه البطلان (nullite) النسبي للعقد المعروف قانوناً، إنما الغرض هو عدم سريان هذا العقد عليه (inopposibilite)، فالبطلان هنا معناه عدم نفاذه في حق هذا الغير من غير التعرّض لهذا العقد في ذاته. فطلب البطلان في هذه الحالة هو ما يسمى في كتب الشراح الفرنسيين (demande en révocation). ومعناه دعوى الرد أو الإسقاط.
ولا يطلق هذا المعنى إلا في العقود التي تكون صحيحة ويطلب عدم اعتبارها والأخذ بها كما هو الحال في بعض مسائل خاصة بالوصية أو الهبة لأسباب خارجة عن عقدهما في ذاته، ومنها ما يقرب من موضوع الدعوى الحالية.
فالنزاع الذي موضعه عدم نفاذ العقد (عدم سريانه) على من لم يكن طرفاً فيه وعلى اعتبار أنه أضر بحق له مشروع هو نزاع خارج عن هذا العقد بالمرة سواء من ناحية أصل هذا العقد أي أركانه وشروط صحته أو من أي ناحية أخرى من نواحيه.
ومن حيث إنه تطبيقاً لما تقدّم بيانه، ولما كان من المقرر فقهاً وقضاءً أن الوارث هو من الغير بالنسبة للعقود التي تصدر من مورّثه بقصد الإضرار بحقه، يكون نزاع الوارث المتعلق بالطعن في تصرف المورّث بالوقف بقصد الإضرار بحق هذا الوارث في الميراث نزاعاً قائماً بذاته لا يمت بشيء إلى أصل الوقف أي من حيث صحته وبطلانه ولا من حيث نواحي العقد الأخرى لأن ذلك كله لا يدخل في موضوع هذا النزاع وبحثه كما سبق بيانه.
ومن حيث إنه عن مرض الموت في ذاته فإنه في الحقيقة المستخلصة من أقوال الفقهاء ليس عاملاً أساسياً له أثر في صحة تصرف المورّث الحاصل في فترة المرض المذكور. ذلك لأنه بعد أن قرر الشارع الإسلامي قاعدة عامة هي بطلان (والمراد بالبطلان هنا عدم النفاذ بالنسبة للوارث) كل تصرف من المورّث ثبت أنه حصل بقصد الإضرار بوارثه – بعد أن قرر الشارع هذه القاعدة رسم الطريق الشرعي الموصل إلى إثبات أن هذا التصرف حصل بقصد حرمانه (الوارث) من الميراث. فقرر (أوّلاً) أن هذا الإثبات يتم في حالة الوصية من نفس عقدها، فهو دال بنفسه على ثبوت أن هذا حصل بنية الإضرار بالمورّث الذي لم يشمله هذا التصرف سواء حصل في مرض الموت أو لم يحصل فيه. (وثانياً) أنه قرر أيضاً أن حصول التصرفات الأخرى في فترة مرض الموت دليل إثبات قاطع على أن قصد المورّث من هذه التصرفات هو حرمان الورثة من الميراث. وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم "إنه الاحتمال الناشئ عن دليل". فمتى أثبت هؤلاء الورثة بأن التصرف حصل من المورّث في مرض موته كان هذا دليلاً على قصد المورّث في الحرمان، وأنه لا موجب لإقامة دليل آخر خلاف دليل مرض الموت للتدليل على قصد الإضرار من المورّث طبقاً للقاعدة الشرعية القائلة "لا حجية مع الاحتمال الناشئ عن دليل". (راجع المادة 72 من مجلة القوانين الشرعية والأحكام العدلية).
فيتبين من هذا أن مرض الموت عند ثبوته لا يعدو أن يكون أداة قاطعة لإثبات أن نية الوارث الذي تصرف في فترته كانت بقصد الإضرار بالمورّث، وأن الأثر الذي رتبه الشرع لمثل هذا التصرف وهو البطلان المراد به عدم السريان لم يأتِ من ناحية مرض الموت إنما جاء نتيجة لثبوت نية المورّث في الإضرار بالوارث. وعلى هذا الاعتبار الشرعي لا يجوز القول بأن مرض الموت يجعل المتصرف في فترته عديم الأهلية.
ومن حيث إن محكمة النقض قد عرضت لتفسير عبارة أصل الوقف المبينة بالمادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية وقرّرت بأن "أصل الوقف" يساوي بالضبط "عقد الوقف". واستخلصت من هذا أن كل مسألة متعلقة بعقد الوقف من أي ناحية يكون هذا التعلق أي سواء أكان من ناحية صحته وبطلانه أم كان من أي ناحية أخرى فإن هذه المسألة تعتبر أنها متعلقة بأصل الوقف، ويكون النزاع فيها خارجاً عن اختصاص المحاكم الأهلية.
ومن حيث إن محكمة النقض ما كانت في حاجة للخوض في هذا التفسير مطلقاً ما دام أنها بنت حكمها بعدم الاختصاص على أن النزاع الخاص بمرض موت الواقف هو نزاع يتعلق بشروط صحة عقد الوقف، وما دام أنها مسلمة بأن أركان عقد الوقف وشروط صحته هي من أصل الوقف وصميمه، وما دام أنه لا نزاع في الدعوى الحالية ولم يقم نزاع من عهد إنشاء المحاكم لغاية الآن في أن أركان عقد الوقف وشروط صحته من أصل الوقف الموجب عدم اختصاص المحاكم الأهلية. وقد يكون بحث محكمة النقض لتفسير عبارة أصل الوقف على النحو السابق ذكره له محل لو أنها قالت بأن موضوع الدعوى، وهو مسألة مرض موت الواقف، تتعلق بعقد الوقف من ناحية أخرى غير ناحية الأركان وشروط الصحة. وهي لم تقل ذلك، وما كانت لتقوله صراحة، لأنه متعارض مع قولها واقتناعها بأن المسألة تتعلق بشروط الصحة التي لا خلاف على أنها من أصل الوقف.
ومن حيث إنه مع هذا فترى المحكمة استكمالاً لبحث الموضوع من جميع نواحيه مناقشة هذا التفسير لكيلا يتسرب الظن إلى أن عبارة "أصل الوقف" تشمل كل ما يتعلق بعقد الوقف بأي صلة غير أركانه وشروط صحته كما ذهبت إليه محكمة النقض فلا يكون هناك مجال للتشكك في صحة اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى ببطلان عقد الوقف لصدوره في مرض الموت.
ومن حيث إن محكمة النقض بعد أن قالت إن "أصل الوقف" الوارد في المادة 16 المذكورة هو ذات عقد الوقف بجميع ما يتعلق به من جميع النواحي المتعدّدة ذكرت أن حجتها في هذا التفسير هو أن نص هذه المادة عام لا تخصيص فيه، ومطلق لا قيد فيه، وأنه بعمومه وإطلاقه يقتضي حتماً أن كل مسألة متعلقة بعقد الوقف من أي ناحية كانت يجعل المحاكم الأهلية غير مختصة بنظر هذه المسألة.
ومن حيث إن القول بعموم وإطلاق المادة 16 المذكورة غير مقبول وعلى خلاف أصول التفسير لمخالفته لنص هذه المادة إذ هي دالة بذاتها على التخصيص والتقييد لأنها قررت أن مناط عدم الاختصاص هو "أصل الوقف". فهذا النص كما ترى قد قيد الوقف وخصصه بأصله الذي جعله مناط عدم الاختصاص فيجب مراعاة هذا التخصيص. ولا يصح الاعتراض على هذا التخصيص الذي أراده الشارع بأنه فيه قسمة للمسائل المتعلقة بموضوع واحد (وهو الوقف هنا) وجعل بعضها من اختصاص محكمة والبعض الآخر من اختصاص محكمة أخرى، لأن هذا من حق الشارع. وقد قالوا إن القضاء يتقيد بالتخصيص وهو أمر ليس بغريب أو جديد في نظام القضاء الحالي في مصر.
أما مجرّد إبدال نص المادة بوضع عبارة "عقد" بدل كلمة "أصل" للوصول بعد هذا الإبدال إلى القول بأن نص المادة عام فلا يصح قبوله، لأن نص المادة الأصلية هو الواجب مراعاته من غير تعديل.
ومن حيث إن محكمة النقض عندما فسرت كلمة أصل الوقف لم تسند تفسيرها هذا إلى أي دليل لغوي أو فقهي، وهذا التفسير المجرّد غير مقنع لعدم قيام الدليل عليه. والصحيح هو التفسير الذي تصدرت به أسباب هذا الحكم لاستناده إلى الدليل اللغوي والفقهي، وهذا التفسير قصر أصل الوقف على أركان عقده وشروط صحته الأساسية فلا يرجع إلى ذلك مرة أخرى.
ومن حيث إن محكمة النقض عرضت لمسائل كثيرة كالاستحقاق والنظر وغير ذلك مما له تعلق بالوقف، وأسهبت في بيانها، وقالت إنها غير متعلقة بأركان عقد الوقف وشروط صحته، ومع ذلك فهي من اختصاص المحاكم الشرعية بنص لائحة ترتيبها، واستنتجت من ذلك أن أصل الوقف المانع من اختصاص المحاكم الأهلية يشمل أيضاً جميع المسائل الأخرى التي لا تتعلق بأركان الوقف وشروط صحته.
ومن حيث إن هذا الذي قالته محكمة النقض لا يفيد شيئاً في تفسير عبارة "أصل الوقف" على الوجه الذي أرادته. وبعكس هذا إن حقيقة الأمر في هذه المسائل تؤيد منطقياً التفسير الذي جاء بصدر هذه الأسباب. ذلك لأن المحاكم الشرعية كانت مختصة بمسائل الأوقاف من جميع نواحيها، فلما أنشئت المحاكم الأهلية نص في المادة 16 من لائحة المحاكم الأهلية على أن هذه المحاكم مختصة بمسائل الأوقاف إلا ما كان منها متعلقاً بأصل الوقف، ومعنى هذا أن المسائل التي تتعلق بأصل الوقف هي فقط التي تبقى كما كانت من اختصاص المحاكم الشرعية وما عداها فمن اختصاص المحاكم الأهلية. فإذا جاء الشارع بعد ذلك وذكر في لائحة المحاكم الشرعية مسائل عينها بالذات ومتعلقة بعقد الوقف كالاستحقاق والنظر وغيره وجعلها من اختصاص هذه المحاكم بجانب اختصاصها الأوّل المتعلق بأصل الوقف فقط فهذا النص الجديد يدل على أن هذه المسائل ما كانت من اختصاصها من قبل وأنها لم تكن من أصل الوقف الذي هو مناط اختصاصها من قبل دون غيره. كما يدل أيضاً على أن هذه المسائل كانت قبل هذا التشريع الجديد من اختصاص المحاكم الأهلية. وهذا بديهي لأنه لو كانت هذه المسائل في عرف الشارع هي من أصل الوقف لما كان في حاجة للنص بتشريع جديد على إدخال هذه المسائل في اختصاص المحاكم الشرعية بعد أن كان قد قرر من قبل باختصاصها دون غيرها بما هو متعلق بأصل الوقف وإلا كان هذا العمل من تحصيل الحاصل، وهو ما يتنزه عنه الشارع.
ومن حيث إنه يتبين مما تقدّم أن المسائل المتقدّمة كانت قبل نص لائحة المحاكم الشرعية عليها من اختصاص المحاكم الأهلية، وما كانت لتكون من اختصاص هذه المحاكم إلا إذا كانت متعلقة بغير أصل الوقف كنص المادة 16 من لائحة ترتيبها. وهذه المسائل، حتى باعتراف محكمة النقض، من المسائل التي لا تتعلق بأركان عقد الوقف ولا بشروط صحته. فيستخلص من ذلك أن جميع المنازعات التي لا تتعلق بأركان عقد الوقف ولا بشروط صحته الأساسية لا تدخل في أصل الوقف وهي التي تكون من اختصاص المحاكم الأهلية إلا ما نزعت من اختصاصها بنص صريح.
ومن حيث إن محكمة النقض قالت بأن واضعي القانون الأهلي جعلوا الوقف الأهلي هو ترتيب حق انتفاع مستندة في ذلك إلى المادة 17 من القانون المدني. ثم قالت بعد ذلك "إنه ما دام أن القانون المدني جعل التنصيص على المستحقين في ترتيب حق الانتفاع (Constitution d'usufruit) ركناً جوهرياً لا يتصوّر العقل إمكان قيام هذا الترتيب بدونه، فلا يتصوّر العقل في الوقف الأهلي إمكان قيام الـ (Constitutions des Wakfs) بدونه". بعد أن قررت محكمة النقض ما تقدّم خلصت منه إلى قولها "فإذا كان واضعوا القانون ذكروا في النص الفرنسي للمادة 16 من لائحة الترتيب أنهم منعوا المحاكم من النظر في الـ (Contestation relatives à la constitution des Wakfs) فقد منعوها حتماً من النظر في أي نزاع يقوم على شيء من قسم الوقفيات الخاص بإنشاء الوقف" أي المنازعات المتعلقة بالاستحقاق والمستحقين مع أنه ليس أي من هذه المنازعات نزاعاً في أصل الوقف. وكانت النتيجة النهائية التي استخلصتها محكمة النقض من هذه المقدّمات "أن مراد واضع القانون بالمسائل المتعلقة بأصل الوقف ليس المسائل المتعلقة بأصل الوقف أي بعقد الوقف ذاته بل المسائل المتعلقة بكل نظام الوقف وترتيبه خلافاً لظاهر نص المادة 16 المذكورة".
ومن حيث إنه بصرف النظر عن الطريقة التي اتبعتها المحكمة المذكورة في الاستنتاج ومع عدم البحث في قيمة المقدّمات التي ارتكنت عليها من حيث الوصول إلى ما أرادته من نتيجة، فإن المادة 17 من القانون المدني مع ما فيها من عيب في الصياغة والتركيب تضيق عن أن تتسع لهذا التفسير الذي ذهبت إليه المحكمة، وهو بعيد كل البعد عن غرض واضعي هذه المادة.
ذلك لأن الحقيقة في أمر المادة 17 المذكورة هي أنها لا تقرّر قواعد في مسائل الأوقاف، إنما وضعت هذه المادة في باب حق الانتفاع لمجرّد استكمال البيان لا غير من غير أن يقصد من ورائها هذه الفكرة التي أسندتها محكمة النقض لواضعي القانون، إذ كل ما أرادوه في هذه المادة هو التنويه إلى وجود نوع خاص (sui generis) من حقوق الانتفاع وهو حق المستحقين في الوقف. وليس في نص المادة المذكورة ما يجوز معه، ولو من بعد، أن يفهم منه أن الشارع أراد أن يكون الوقف الأهلي هو ترتيب حق انتفاع، إنما الذي أراده الشارع هو اعتبار حق المستحقين في الوقف هو حق انتفاع. وهذا صحيح من حيث المبدأ من بعض النواحي؛ والخلاف كبير بين الوقف في ذاته وحق المستحقين.
على أن عبارة المادة 17 قد جاءت مشوّشة وبها بعض الخطأ الغير المقصود بدليل نص المادة 7 من القانون المدني الذي وضع الأمور في نصابها خاصاً بالمستحقين، فلا يجب اتخاذ هذا الخطأ الغير المقصود لأن ينبني عليه أمور لم يقصدها واضعوها ولم يؤّدِ إليها النص المشوّش.
ومن حيث إنه حتى مع الفرض بأن مراد واضعي القانون هو أن عقد الوقف الأهلي هو عقد ترتيب حق ارتفاق، فإن العقل، بعد إجهاد النظر، لم يقبل أن يؤمن بما استخلصته محكمة النقض من أن مرادهم هذا يستلزم أنهم أرادوا عند ذكرهم أصل الوقف (Constitutions des Wakfs) في المادة 16 من لائحة الترتيب أنه يشمل جميع المسائل المتعلقة بكل نظام الوقف وترتيبه من جميع النواحي لأن هذا لا يستلزم ذاك.
ومن حيث إنه حتى بصرف النظر عن جميع ما تقدّم فإنه لو كان معنى عبارة "أصل الوقف" بالمعنى الشامل الذي تريده محكمة النقض فلا يكون للمحاكم الأهلية أي اختصاص ما بمسائل الوقف جميعها ومن أي ناحية كانت ولأي سبب كان. وهذا أمر غير معقول لتنافيه مع ما يفهم من صيغة المادة 16 من لائحة الترتيب، لأن وضع هذه الصيغة وما يفهم منها يدل على أن الشارع أراد أن يجعل للمحاكم الأهلية اختصاصاً في شيء من مسائل الأوقاف. وهذا يتنافى مع قول محكمة النقض بأنه لا اختصاص لها في شيء منها.
ومن حيث إنه لما تقدّم جميعه يكون النزاع القائم في الدعوى الحالية لا يتعلق بأصل الوقف وتكون المحاكم الأهلية هي المختصة بنظره.
وهذا هو حكم محكمة النقض الذي يرد على حكم محكمة الاستئناف:
المحكمة
وحيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف بقضائها باختصاص المحاكم الأهلية بدعاوى بطلان الوقف لصدوره في مرض الواقف قد خالفت نص المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية وما جرت عليه محكمة النقض من تقرير الاختصاص في هذه الدعاوى للمحاكم الشرعية.
وحيث إن محكمة الاستئناف قد استهلت حكمها المطعون فيه بأن المحاكم الأهلية ليس لها بحسب ما جاء بالمادة 16 من لائحة ترتيبها أن تنظر في المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف. ثم أخذت تبحث عن معنى "أصل الأوقاف" فقالت إن هذا القول مؤلف من مضاف ومضاف إليه، والأوقاف جمع وقف، والوقف معناه كذا، وأصل كل شيء هو ما يستند تحقيق ذلك الشيء إليه، فأصل الوقف يساوي بالضبط أركان عقد الوقف، والممنوع نظره على المحاكم الأهلية هو إذن المنازعات المتعلقة فقط بأركان عقد الوقف وما يتبعها من شروط صحته. ثم ذهبت تؤكد هذا النظر بالترجمة الحرفية لعبارة "المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف" في الأصل الفرنسي فقالت إن ترجمة العبارة الفرنسية(les contestations relatives à la constitutions des Wakfs) هي "المنازعات المتعلقة بالتكوين الأساسي للأوقاف من حيث مكوّناتها الأساسية أي عناصرها الأساسية. وهذه العناصر لا تكون إلا أركانها الشرعية وما يتصل بها من شرائط صحتها". ثم قالت "والذي يزيد هذا النظر حجة أن المتفق عليه في كتب الفقهاء أن أصل الوقف هو ما يبنى عليه صحته وتتوقف عليه". وذكرت من المراجع في ذلك الأصول القضائية للشيخ علي قراعة وكتاب مباحث الوقف للشيخ زيد بك والمادة 567 من كتاب العدل والإنصاف لقدري باشا.
ولما طاب لها هذا التفسير أخذت في البحث عما إذا كانت مسألة صدور الوقف في مرض موت الواقف تتعلق أو لا تتعلق بأركان الوقف وبشروط صحته، فقالت "إنه قد صح إجماع أهل الشرع على أن التصرف الحاصل في مرض موت المتصرف هو تصرف صحيح لازم ولكنه موقوف. ويترتب على صحة الوقف الصادر في مرض الموت أن مرض الموت هذا لا يتصل بالوقف من حيث ركنه وشروط صحته. وما دام الأمر كذلك فالطعن على الوقف بصدوره في مرض موت الواقف هو نزاع لا يتصل بأي شرط من شروط انعقاده وصحته، فهو إذن نزاع لا يتعلق بأصل الوقف تطبيقاً لما تقدّم بيانه، وتكون المحاكم الأهلية مختصة بنظره دون غيرها". ثم أخذت تعترض على ما جاء بحكم هذه المحكمة الصادر بتاريخ 16 مايو سنة 1935 من قوله "إن دعوى الوارث بطلان وقف مورّثه لحصوله في مرض الموت هي دعوى تثير نزاعاً في مسألة أهلية هذا الواقف للتبرع لوارثه وعدم أهليته أو مسألة تعلق حق الوارث بالعين الموقوفة فلا يملكها الواقف ملكاً خالصاً حتى يسوغ له حبسها عن وارثه، وأية المسألتين متعلقة بصميم أصل الوقف من جهة صحته وبطلانه، فالمحاكم الأهلية لا اختصاص لها أصلاً بنظرها" فقالت إن قول محكمة النقض هذا مخالف للقواعد الشرعية "لأن المجمع عليه شرعاً أن أسباب فقد الأهلية الذي يشوب صحة التصرف فقداناً تاماً أو ناقصاً محدودة وليس من بينها مرض الموت. وفضلاً عن هذا فليس من بين شرائط صحة عقد الوقف المقرّرة شرعاً أن لا يكون الواقف مريضاً، بل بالعكس إن المقرّر في جميع المراجع الفقهية أن عقد الوقف الصادر في مرض الموت صحيح، ولا يكون العقد صحيحاً إلا إذا كان صادراً من ذي الأهلية المعتبرة شرعاً". ثم قالت "إن الشريعة الإسلامية قرّرت قدسية حق الوارث في تركة مورّثه ومنعت المورّث من المساس بحقه… وإن المستفاد من أقوال الفقهاء أن بطلان التبرعات الصادرة في مرض الموت لم يشرع للوارث إلا لمنع الإضرار عنه، وإن حق الوارث في هذا البطلان هو حق قائم بذاته مستمد من الأمر الشرعي… وإن معنى هذا البطلان هو استبعاد عقد التصرف واعتباره كأن لم يكن بالنسبة للوارث لا غير… ومثل هذا البطلان لا يتعلق إلا بالعقود التي تكون صحيحة ويطلب عدم اعتبارها من غير العاقدين…" إلى أن قالت: "فالنزاع الذي موضوعه عدم نفاذ العقد أو عدم سريانه على من لم يكن طرفاً فيه وعلى اعتبار أنه أضر بحق له مشروع هو نزاع خارج عن هذا العقد بالمرة، سواء من ناحية أصل هذا العقد أي أركانه وشروط صحته أو من ناحية أخرى من نواحيه". ثم مضت في ذلك إلى أن قالت "إن مرض الموت عند ثبوته لا يعدو أن يكون أداة قاطعة لإثبات أن نية المورّث الذي تصرف في فترته كانت بقصد الإضرار بالوارث. وإن الأثر الذي رتبه الشرع لمثل هذا التصرف وهو البطلان المراد به عدم السريان لم يأتِ من ناحية مرض الموت إنما جاء نتيجة لثبوت نية المورّث في الإضرار بالوارث. وعلى هذا الاعتبار الشرعي لا يجوز القول بأن مرض الموت يجعل المتصرف في فترته عديم الأهلية".
وحيث إنه يبين مما تقدّم أن الحكم المطعون فيه هو في الواقع نتيجة منطقية لمقدمتين: (الأولى) أن أصل الوقف هو أركانه وشروط صحته. (والثانية) أن ليس كون الواقف في مرض موته مما يتصل بهذه الأركان أو تلك الشروط. وقد استدل الحكم للمقدّمة الأولى بأن المدلول اللغوي لكلمة أصل الوقف هو ما يستند تحقيقه إليه ولا يتم إلا به، وذلك لا يكون إلا أركانه وشروطه. وبأن الترجمة الحرفية لكلمة أصل الوقف في الأصل الفرنسي للمادة 16 هي المنازعات المتعلقة بالتكوين الأساسي للأوقاف من حيث مكوّناتها الأساسية. وبأن الاصطلاح الفقهي لأصل الوقف يعرفه بأنه ما تتعلق به صحته وتتوقف عليه. واستدل للمقدّمة الثانية بأن المريض مرض الموت كامل الأهلية، فوقفه صحيح. وليس من شروط صحة الوقف ولا من أركانه كون الواقف غير مريض وبأن صحة الواقف ليست شرطاً من شروط الصحة، بل هي شرط من شروط النفاذ. وبذا يكون الوقف في مرض الموت صحيحاً لازماً ولكنه موقوف. وبأن الغرض من بطلان الوقف بالنسبة للورثة هو منع إضرار المورّث بهم. فمعنى البطلان عدم سريان الوقف عليهم، ويكون كدعوى الرد أو الإسقاط التي تكون متعلقة بعقود صحيحة ويطلب عدم اعتبارها والأخذ فيها بأسباب خارجة عنها في ذاتها.
أما الاستدلال للمقدّمة الأولى بالمدلول اللغوي لكلمة "أصل الوقف" فلا مقنع فيه، لأن الدلالة اللغوية لهذه الكلمة تقبل الاتساع والضيق والعموم والخصوص. فيصح أن يكون المراد بها حقيقة الوقف الشرعية أو أركانه وشروط صحته فقط، أو عقد الوقف ووثيقته وكل ما اشتمل عليه. فقد جاءت بمعنى الوثيقة في كثير من المواد في كتاب العدل والإنصاف مثل المواد 104 و105 و106 و120 و121، وفي كتاب الإسعاف في باب الاستبدال ففيه ما نصه: "ولو قال الواقف في أصل الوقف عليّ أن أبيعها وأشتري بثمنها أرضاً أخرى… وهذا إذا شرط الاستبدال في أصل الوقف أما إذا لم يشرطه فلا يملكه إلا القاضي" وما نصه "لو وقف على ولده ونسله وعقبه… وشرط في عقد وقفه" وأيضاً "لو اشترط الواقف في كتاب وقفه…". فظاهر من هذه النصوص وأمثالها أن المراد من "أصل الوقف" وثيقته وكتابه، وبعبارة أعم العبارات الدالة على إنشاء الوقف وشروط الواقف فيه، سواء أكانت مدوّنة في كتاب مسجل كما يجرى الآن أم لم تكن مدوّنة كما يجوّز الفقهاء. وقد أطلقت كلمة "أصل الوقف" وأريد بها ما يقابل مصارفه ونواحي استحقاق الغلات فيه. واشتهر هذا الإطلاق في متون الكتب الفقهية في باب الشهادة عند الكلام على الشهادة بالتسامع. فقد جاء مثلاً في متن تنوير الأبصار ما نصه: "ولا يشهد أحد بما لم يعاينه إلا في النسب والنكاح… وولاية القاضي وأصل الوقف". وجاء الشراح ففسروا كلمة "أصل الوقف" بأنه "كل ما تعلق به صحته وتوقف عليه". ورد في رد المحتار شرح تنوير الأبصار لابن عابدين: "إن صورة الشهادة بالتسامع على أصل الوقف أن يشهدوا أن فلاناً وقفه على الفقراء أو على القرّاء من غير أن يتعرضوا أنه شرط في وقفه كذا، فإن شهدوا على شرط الواقف، وأنه قال للجهة الفلانية كذا وللجهة الفلانية كذا فلا تسمع بالتسامع على شروط الوقف، لأن الذي يشتهر إنما هو أصل الوقف. أما الشروط فلا تشتهر فلا تجوز الشهادة عليها بالتسامع… وتقدّم في الوقف أنه تقبل الشهادة فيه من غير بيان الواقف لو قديماً عند أبي يوسف وأن الفتوى عليه، وهذا بالنسبة لنفس الوقف. أما الدعوى به بأن ادعى أن هذه الأرض وقف وقفها فلان عليّ وذو اليد يجحد ويقول هي ملكي فيشترط بيان الواقف، وأنه وقفه وهو يملكه". ثم قال إن المراد من الشرائط والجهات أن يقول إن قدراً من الغلة لكذا ثم يصرف الفاضل إلى كذا بعد بيان الجهة. وليس معنى الشروط أن يبين الموقوف عليه لأنه لا بد منه في إثبات أصل الوقف. والمراد بأصل الوقف أن هذه الضيعة وقف على كذا فبيان المصرف داخل في أصل الوقف. ثم قال في معنى ما تعلق به صحة الوقف وتوقف عليه "كأن يكون منجزاً مسلماً مجعولاً آخره لجهة بر لا تنقطع ونحو ذلك… وبيان المصرف من أصله ككونه وقفاً على الفقراء أو على مسجد كذا بخلاف اشتراط صرف غلته لزيد أو للذرّية فهو من الشرائط لا من الأصل. ولعل هذا مبني على قول محمد باشتراط التصريح في الوقف بذكر جهة لا تنقطع، وتقدّم ترجيح قول أبي يوسف بعدم اشتراط التصريح به. فإذا كان غير لازم في كلام الواقف فينبغي أن لا يلزم في الشهادة بالأولى لعدم توقف الصحة عليه عنده…" إلى أن قال: "وعليه فلا يكون بيان المصرف من أصله… ولا يحتاج إلى إثباته بالتسامع لما علمت من أنه يثبت للفقراء بالشهادة على مجرّد الوقف". وورد مثل ذلك في البحر الرائق لابن نجيم وفي فتح القدير لابن الهمام. فتراهم جميعاً قد ذكروا كلمة "أصل الوقف" مقابلة لشروط الواقفين، وقرّروا أن كل ما ليس من المصارف أصل، وأن المراد بجواز إثبات أصل الوقف بالتسامع هو إثبات مجرّد الوقف بإثبات كون العين وقفاً بالتسامع. وهذا الفهم يؤكده ما جاء في كتب المتقدّمين من الاكتفاء في التعبير عن هذا المعنى بلفظ "الوقف" فقط. فقد جاء في كتاب البدائع مثلاً لصاحبه الإمام الكاساني المتوفى سنة 587 هجرية ما نصه في باب الشهادة: "الشرط الثالث أن يكون التحمل بمعاينة المشهود بنفسه لا بغيره إلا في أشياء مخصوصة يصح التحمل فيها بالتسامع… وهي النكاح والنسب والموت. أما الشهادة بالتسامع في الوقف فلم يذكره في ظاهر الرواية (كتب الإمام محمد) إلا أن مشايخنا ألحقوه بالموت لأن مبنى الوقف على الاشتهار أيضاً كالموت، فكان ملحقاً به". وهذا القول على غاية الوضوح على رغم الاكتفاء فيه بلفظ "الوقف" فقط. فلما وضع هذا المعنى من بعد في المتون وعبر عنه "بأصل الوقف" فسر في الشروح بما سبق ذكره. فإذا كان قد جرت في عباراتهم في بيان "أصل الوقف" المقابل للشروط التي يشترطها الواقفون في توزيع الغلات كلمة "أنه ما يتعلق بصحته ويتوقف عليه" فليس المراد شروط صحة الوقف بل المراد كل ما لا يمكن أن يتحقق بدونه الوقف، وكل ما لا يثبت حقيقته وآثاره من غير تحققه كإجازة الوارث في الثلثين إذا كان الوقف في مرض الموت، لأن هذه لا تعتبر من شروط الواقف في توزيع الغلات وترتيب الدرجات، فتدخل حتماً في أصل الوقف على اعتبار أن كلمة "أصل الوقف" اصطلاح فقهي خاص له مدلول خاص قائم بذاته.
كل ذلك من المعاني يصح أن يكون مدلولاً لكلمة "أصل الوقف"، والقرائن هي التي تعين الغرض الذي تساق له ككل لفظ مشترك يدل على عدّة معانٍ متقاربة أو متباعدة لا يعين مدلوله إلا القرائن.
ولذلك كان على محكمة الاستئناف أن لا تعتمد في تفسير كلمة أصل الوقف التي وردت بالمادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية في سبيل تحديد ما المحاكم الأهلية ممنوعة من نظره من المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف على اصطلاح فقهي شرعي خاص وارد في باب الشهادة على الحقوق من غير التفات إلى الغرض الذي سيق له. ذلك لأن الفقهاء قد قسموا الحقوق في باب الشهادة إلى حقوق للعباد لا تقبل عليها الشهادة إلا بعد تقدّم الدعوى بها، وحقوق لله تعالى تقبل عليها الشهادة حسبة أي بدون تقدّم دعوى. ثم لاحظوا أن الوقف أصل شرعته أنه من الصدقات، والصدقة أساس في وجوده، وأنه لا بد في آخره أن يكون لجهة بر لا تنقطع فاعتبروه من حقوق الله تعالى، ونصوا على أن دعوى إثبات الوقف ووجوده تسمع حسبة أي بدون تقدّم دعوى سواء أكان المصرف معيناً أم غير معين. أما ثبوت الاستحقاق فيه فقد جعلوه من حقوق العباد لا يكون إلا بعد تقدّم الدعوى به من مدعيه. (جاء في رد المحتار لابن عابدين وهو الأصل في المراجع التي اعتمد عليها الحكم المطعون فيه أن الوقف من حيث هو حق لله تعالى لأنه تصدّق بالمنفعة، ولكن إذا كان أوّله على معين وأريد استحقاقه اشترط له الدعوى وإن ثبت أصل الوقف بدونها). ولذلك جاء في كتاب مباحث الوقف للمرحوم الشيخ محمد زيد بك في فصل الشهادة على ما يتعلق بالوقف بعد أن قسم الحقوق إلى حقوق للعباد وحقوق لله وقال إن الوقف لما كان يشترط فيه أن يكون آخره لجهة بر لا تنقطع فتقبل البينة على ثبوت أصله حسبة. ثم قال "وأصل الوقف (أي في هذا الباب) هو كل ما توقفت صحته عليه. فإذا شهد اثنان بأن هذه الأرض وقف ولكنهما قالا لم نعاين ذلك بل اشتهر عندنا أو سمعنا من الناس قبلت شهادتهما على الراجح، وحكم بوقفيتها. ولو شهدا بالتسامع على شرائط الوقف التي يشترطها الواقف في الوقفية من تخصيص الغلة وكيفية صرفها لم تقبل هذه الشهادة". وقد نقل كتاب قانون العدل والإنصاف هذه الأحكام المتقدّمة في الفصل السادس منه الذي عنوانه "في الشهادة" فصدر في المادة 562 بأن إثبات أصل الوقف لا يتوقف على دعوى بل تقبل فيه البينة حسبة. ثم بين في المادة 563 أن الشهادة على حقوق العباد لا تقبل بلا دعوى، وفي المادة 564 أن الشهادة على حقوق الله تقبل حسبة بلا دعوى، وفي المادة 565 أنه إذا كان المصرف معيناً وأريد إثبات استحقاقهم في الغلة فلا تقبل البينة بدون دعوى، وفي المادة 567 أن الشهادة لإثبات أصل الوقف تقبل بالشهرة والتسامع. وظاهر أن هذا كله يدل على أن الفقهاء قد استعملوا كلمة "أصل الوقف" في باب الشهادة على الحقوق لإثباتها شرعاً للدلالة على أن حقوق الله تعالى في الوقف، وهي كونه قربة وصدقة، هي التي لا يتوقف إثباتها على دعوى، وتقبل فيها بينة الشهرة والتسامع. كما استعملوا "شرائط الوقف" للدلالة على أن حقوق العباد في الوقف وهي الخارجة عن أصل الوقف هي التي يتوقف إثباتها على الدعوى، ولا تقبل فيها بينة الشهرة والتسامع. جاء في المادة 569 من قانون العدل والإنصاف ما نصه: "لا تجوز الشهادة بالشهرة والتسامع على شرائط الوقف التي يشترطها الواقف في الوقفية من تخصيص الغلة وكيفية صرفها إلى الجهات ونحو ذلك. كما لا تجوز الشهادة بالتسامع على مصرف الوقف إذا كان المصرف ثابتاً وادعى الناظر غير الجهة المعلومة".
والذي يؤكد أن استعمال كلمة "أصل الوقف" للدلالة على ما يقابل شرائطه ومصارفه لا للدلالة على أركانه وشروط صحته، وأنه استعمال موضعي للفقهاء في مقام خاص ولغرض خاص هو التمكين من إثبات أصل الوقف إذا تقادم أو انقطع ثبوته، هو أن واضع لوائح المحاكم الشرعية لم يفرّق بين دعوى أصل الوقف ودعوى شروطه، فقضى في لائحة 1880 بأن دعاوى الوقف والاستحقاق فيه تسمع بالبينات التي تسمع بها كل الدعاوى، غير أنه إذا لم تكن له بينات رجع فيه القاضي إلى سجل القضاة السابقين إذا كان مقيداً بسجلهم. فنص في المادة 15 من هذه اللائحة على أنه "إذا حصل تنازع في استحقاق وقف بين مستحقيه، وكان أصل الوقف ثابتاً لا نزاع فيه بينهم، ولم تثبت الدعوى بالبينة الشرعية لتقادم الوقف وموت شهوده، وكان لهذا الوقف كتاب مسجل بالسجل المحفوظ الخالي عن الشبهة في محل النزاع، أو كانت شروط الوقف وكيفية استحقاق مستحقيه مقيدة بالسجل المذكور، فإنه يرجع في كيفية قسمة الاستحقاق والعمل بشروط الوقف لما هو مدوّن بكتابه المطابق لسجله المحفوظ أو لما في السجل المحفوظ عند ضياع الكتاب المرقوم. فإن فقد ذلك يجرى العمل فيما ذكر بما كان عليه القوم السابقون، وبما كانت العادة مستمرة به في أعمالهم". ولما حلت محل هذه اللائحة لائحة 1897 جاء في المادة المتممة للثلاثين منها ما نصه: "يمنع سماع دعوى الوقف أو الإقرار به أو استبداله أو الإدخال أو الإخراج أو غير ذلك من باقي الشروط العشرة إلا إذا صدر إشهاد بذلك ممن يملكه على يد حاكم شرعي أو مأذون من قبله وكان مقيداً بدفتر إحدى المحاكم الشرعية. وكذا الحال في دعوى شرط لم يكن مدوّناً بكتاب الوقف المسجل ودعوى مستحق لم يكن من الموقوف عليهم بمقتضى كتاب الوقف المذكور". ولما حلت محل هذه اللائحة لائحة سنة 1910 جاء في المادة 130 "يمنع عند الإنكار سماع دعوى الوقف أو الإقرار به أو استبداله…". وكذلك جاء مثل هذا النص في لائحة سنة 1930. ويستفاد من ذلك أن واضع لوائح المحاكم الشرعية قد ساوى بين الدعوى بأصل الوقف والدعوى بشروطه، وأن اللائحة الأولى كانت تجيز سماع البينات غير الرسمية إلا في أحوال خاصة. أما اللوائح الأخر فقد جاءت بمنع سماع دعاوى الأوقاف وشروط الواقفين إلا إذا كانت ثابتة باشهاد على يد حاكم شرعي إلى آخره. فلا محل إذن للاعتماد على ذلك الاصطلاح المتقدّم الذكر الذي اعتمدت عليه محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه مع أنه من جهةٍ اصطلاح خاص بالفقهاء فيما كتبوا في باب الشهادة وإثبات الدعاوى المتعلقة بأصل الوقف أو بشروطه، ومن جهة أخرى فإن واضع اللوائح الشرعية لم يتبعه كما رأيت.
أما الاستدلال للمقدّمة الأولى بما سماه الحكم الترجمة الحرفية للمادة السادسة عشرة في الأصل الفرنسي فلا يؤدي إلى صدقها في الاقتصار على أركان الوقف وشروط صحته. لأنه حتى مع التسليم بأن معنى كلمة المسائل المتعلقة بأصل الوقف المسائل المتعلقة بالتكوين الأساسي للأوقاف من حيث مكوّناتها الأساسية فكل مسألة تتعلق بالتكوين الأساسي للأوقاف يدخل في عمومها كل ما يؤثر في الوقف بنقض أساسه لأنه يتعلق بهذا التكوين إذ يمسه بالهدم. ولا شك أن النزاع في الوقف في مرض الموت قد يؤدي إلى هدم بعض الأساس فهو يمسه ويتعلق به، فهو حتماً من المسائل المتعلقة بالتكوين الأساسي له.
أما الاستدلال لها بما جاء بالمادة 567 من كتاب قانون العدل والإنصاف من "أن كل ما تعلقت به صحة الوقف من شرائط الملك ونحوه مما يتوقف عليه صحة العقد فهو من أصله" فالوجه فيه أن مؤلف هذا الكتاب قد جعل شروط النفاذ من ضمن ما تتوقف عليه صحة الوقف اعتباراً بأن صحة الوقف في المآل تحتاج إلى أن يكون المتولي لصيغة الوقف له الولاية التامة على الوقف. ذلك لأنه جعل شرط ملك الواقف للعين الموقوفة مما تتعلق به صحة الوقف مع اتفاق الفقهاء على أنه ليس شرطاً في صحة الوقف ولكنه شرط لنفاذه. فقد جاء في الإسعاف "لو وقف ملك الغير بغير إذنه توقف على إجازته". وجاء في المادة 20 من قانون العدل والإنصاف نفسه "يشترط لجواز الوقف أن تكون العين المراد وقفها مملوكة ملكاً باتاً للواقف وقت الوقف ولو بعقد فاسد مع قبضه، فإن لم تكن مملوكة للمتصرف فوقفها فضولياً على جهة من الجهات بلا إذن مالكها توقف نفاذ الوقف على إجازة المالك، فإن أجازه نفذ وإلا فلا". فإذا كان وقف المريض مرض الموت يتوقف على إجازة الورثة بالنسبة للثلثين فهو إذن موقوف، وعلى ذلك يكون كوقف من لا يملك فيدخل في عموم أصل الوقف حتى على مقتضى نص المادة 567 التي استشهد بها الحكم المطعون فيه.
والحق أنه ينبغي في تفسير كلمة "أصل الوقف" ألا نأخذها إلا بأوسع الدلالات وأعمها وأكثرها شمولاً. لأن المذكور في المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية ليس هو كلمة "أصل الوقف" مجرّدة، بل المذكور فيها في سياق تحديد ما المحاكم الأهلية ممنوعة من نظره هو "المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف". ومدلول هذه العبارة يقتضي ذلك التعميم لأن "ال" في "المسائل" للاستغراق والعموم وهي التي يقول عنها النحويون وعلماء المعاني إنها بمعنى كل، فمعنى المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف كل المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف، سواء أكانت تتعلق بذلك الأصل عن قرب أم بعد. ولا شك أن ذلك العموم يتناول كل ما دوّن في كتاب الوقف وكل الأركان، وكل شروط الصحة، وكل مسألة يؤدّي النزاع فيها إلى المناقشة في وجود الوقف في الحال أو في المآل أو إلى بطلانه في الحال أو في المآل. فذلك كله المحاكم الأهلية ممنوعة منه منعاً قاطعاً صريحاً إلا ما جاء استثناء كبطلان الوقف إضراراً بالدائنين. وإذا قيل إن منع المحاكم الأهلية من نظر قضايا الأوقاف مقيد بكونه من المسائل المتعلقة بأصل الوقف، وهذا التقييد يفيد بمفهوم المخالفة أن تلك المحاكم لها النظر فيما ليس من أصل الوقف، وهذا المفهوم يقتضي العموم، فيقع لذلك التردّد بين التعميم في المنع بلفظ المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف وبين التعميم في إجازة النظر بمقتضى مفهوم المخالفة، قلنا إنه لا يصح التعميم والتوسعة في المفهوم لأنه تأويل واستنباط لا يصح التوسعة فيهما، ولأن فهم العموم يكون بألفاظ صريحة تدل عليه، وإذن فلا تردّد، وإذا تردّدنا بين التعميم في المنع والتعميم في الإجازة فالترجيح لعموم النص المانع على عموم المفهوم. وهذا النظر يؤكده أن النصوص القانونية تفهم بعموم ما تساق لأجله، والمادة 16 كلها سيقت للمنع لا للإجازة، فيجب تعميمها في جانب المنع بحيث لا يقيد المنع إلا بالقيد اللفظي الذي تدل عليه عبارات الألفاظ كما رأيت.
أما ما قاله الحكم المطعون فيه في سبيل معارضته لحكم محكمة النقض المؤرّخ في 16 مايو سنة 1935 حين ذكر "أن شارع المحاكم الأهلية بمنعها من نظر جميع المسائل المتعلقة بأصل الوقف قد أقرّ المحاكم الشرعية على اختصاصها بكل ما بين دفتي إشهاد الوقف من التقارير والاشتراطات… وأنه ليس من السائغ قطعاً القول بأن المحاكم الأهلية غير ممنوعة إلا من بعض الأمور…" – ما قاله الحكم المطعون فيه تأييداً للتفسير الذي ارتضاه من "أن المحاكم الشرعية كانت مختصة بمسائل الأوقاف من جميع نواحيها، وأنه لما أنشئت المحاكم الأهلية ونص في لائحة ترتيبها على أن هذه المحاكم مختصة في مسائل الأوقاف إلا ما كان منها متعلقاً بأصل الوقف فهم من هذا النص أن المسائل التي تتعلق بأصل الوقف هي فقط التي تبقى كما كانت من اختصاص المحاكم الشرعية وما عداها يكون من اختصاص المحاكم الأهلية، فإذا جاء الشارع بعد ذلك وذكر في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية مسائل عينها بالذات ومتعلقة بعقد الوقف كالاستحقاق والنظر وغيره وجعلها من اختصاص هذه المحاكم بجانب اختصاصها الأوّل المتعلق بأصل الوقف فالمفهوم أن هذا النص الجديد يدل على أن هذه المسائل ما كانت من اختصاصها من قبل وأنها لم تكن من أصل الوقف… كما يدل على أن هذه المسائل كانت قبل التشريع من اختصاص المحاكم الأهلية إلى آخره" – إن قول الحكم المطعون فيه هذا مردود: لأن لوائح المحاكم الشرعية حتى السابقة منها لتشكيل المحاكم الأهلية لم تنص مطلقاً على أن هذه المحاكم كانت مختصة بقضايا الأوقاف من جميع نواحيها حتى يقال إن لائحة المحاكم الأهلية قد سحبت من اختصاص المحاكم الشرعية ما لا يتعلق بأصل الوقف وأبقت على اختصاص هذه المحاكم ما كان منها متعلقاً بأصل الوقف، ثم يقال إن لائحة المحاكم الشرعية قد حوّلت إلى هذه المحاكم بعض القضايا المتعلقة بعقد الوقف كالاستحقاق والنظر وغيره مما كان من اختصاص المحاكم الأهلية فأضافته إلى ما كانت مختصة هي به من المسائل المتعلقة بأصل الوقف – لا يقال هذا لما فيه من جعل لائحة المحاكم الشرعية مؤثرة بالنسخ في لائحة المحاكم الأهلية بمنع هذه المحاكم من نظر بعض القضايا التي كانت لا تتعلق بأصل الوقف وتقرير الاختصاص فيها للمحاكم الشرعية. ولأن مواد اللوائح الشرعية التي أشير فيها إلى دعاوى الوقف والاستحقاق فيه والنظر عليه ودعاوى شروطه قد جاءت في سياق الكلام على سماع هذه الدعاوى وعدم سماعها من ناحية وجوب توفر دليل كتابي خاص على الوقف وشروطه، ولم تسق في بيان ما المحاكم الشرعية مختصة به من القضايا – ذلك الاختصاص الذي درجت المحاكم الشرعية من أوّل الأمر على التمسك به ومباشرته على أنه مما أطلق لها من قديم الزمان ولم يحجر عليها في شيء منه. فلم تعد هذه المواد أن تكون مفترضة وجود الاختصاص لهذه المحاكم الشرعية بقضايا الوقف على النحو الذي كان مقرّراً ومعروفاً، وأن تنصرف إلى المراد منها وهو بيان ما يقبل وما لا يقبل من الأدلة على دعاوى أصل الوقف وشرائطه بغير تمييز بين بعضها وبعض. والخلاصة أن النزاع في كون الوقف في مرض الموت أو ليس في مرض الموت هو نزاع في مسألة تتعلق بأصل الوقف سواء فسرنا أصل الوقف بوثيقته أم فسرناه بحقيقته الشرعية وبالأوصاف والأحكام التي أعطاها الشارع للأحباس، أم فسرناه بما يتوقف عليه وجوده، وبما هو مقابل لشرائط الواقفين مما تمسك بأهدابه كثير من رجال القضاء الأهلي. فالنزاع في وقف المريض مرض الموت يمس بلا ريب وجود الوقف فيهدمه كله أو بعضه إن صح أن الوقف في مرض الموت. وهو لذلك لا يعتبر أنه نزاع في شروط الواقف وترتيب درجات الاستحقاق ومصارف الوقف مجرّداً عن الاتجاه إلى أصله والتعلق به.
أما استدلال الحكم المطعون فيه للمقدّمة الثانية بأن المريض مرض الموت كامل الأهلية فوقفه صحيح، وبأنه ليس من شروط صحة الوقف ولا من أركانه كون الواقف غير مريض، وبأن صحة الواقف ليست شرطاً لصحته، فنقول فيه: أما أن وقف المريض مرض الموت صحيح في حال حياة الواقف ونافذ ما دام حياً، فذلك ليس من موضع النزاع في شيء، وأما نفاذه بعد وفاته فليس بصحيح بالنسبة للثلثين لحق الورثة، ولا خلاف في ذلك. والاستدلال على صحته بكمال الأهلية اعتماد على غير أساس لأن علماء الأصول عند كلامهم في الأهلية وعوارضها قد عدّوا مرض الموت من عوارض الأهلية في التبرعات. وخلاصة ما قالوه فيما يتعلق بأثر ذلك العارض أنه لا يؤثر في أهلية الأحكام والتكاليف، ولكنه يؤثر في أهلية الملك والتمليك. وذلك لأنه بالموت تخرب الذمة ولا تصير صالحة للامتلاك فينقل الملك إلى الورثة بالخلافة. ولما كان المرض الذي ينتهي بالموت هو سبب الموت أو يستند إليه الموت عادة صارت خلافة الورثة للميت متعلقة بالأموال من وقت وجود المرض الذي أفضى إلى الموت، لأن الأمور تسند إلى أسبابها وتضاف إلى أوّل تلك الأسباب. ولذلك قالوا إن المريض محجور عليه فيما يتعلق بثلثي التركة الخالية من الدين لأجل حق الوارث، ومحجور عليه في كل تصرف يضر الدائنين إذا كان مديناً. غير أن هذا الحجر لا يثبت بمجرّد المرض لأنه لما لم يعلم قبل اتصاله بالموت أنه يتصل به أو لا يتصل لم يمكن إثبات الحجر بالشك، إذ الأصل هو الإطلاق، وإنما يثبت الحجر بالمرض إذا اتصل بالموت مستنداً إلى أوّل المرض لأن علة الحجر – كما قالوا – مرض مميت لا نفس المرض. فقبل وجود هذا الوصف لا يثبت الحجر لعدم التمام بوصفه، وإذا اتصل بالموت صار أصل المرض موصوفاً بالإماتة والسراية إلى الموت من أوّله. وقد تنبه لذلك من عرف الحجر منهم بأنه صفة حكمية (أي يحكم بها الشرع) توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفاته فيما زاد على قوته (كالحجر على الصبي والمجنون والسفيه) كما توجب منعه من نفوذ تصرفه في تبرعه زائداً على ثلث ماله. ثم صرحوا بعد ذلك بأن المريض مرض الموت محجور من التبرع بأكثر من الثلث حفظاً لحق الوارث في الثلثين إن لم يكن مديناً، ومن كل تبرع إذا كان مديناً بدين مستغرق لكل ماله. وصرحوا أيضاً بأن المرض لا يتحقق له وصف أنه مرض موت إلا بالوفاة. فإذا تبين بالوفاة أنه كذلك انسحب الحجر على الماضي وأسند إلى ابتداء المرض الذي انتهى إلى الوفاة (راجع في ذلك كشف الأسرار على أصول البزدوي جزء 4 ص 1428 و1429 وغيره من كتب الأصول، ومقال الأهلية وعوارضها للشيخ أحمد إبراهيم بك المنشور بمجلة القانون والاقتصاد للسنة الأولى ص 383 وما بعدها، ومقال مشكلة الأوقاف للشيخ محمد أبو زهرة المنشور بمجلة القانون والاقتصاد السنة الخامسة ص 792 وما بعدها). وقد طبقت كتب فروع الفقه هذه الأصول فصرحوا بأن وقف المريض مرض الموت يأخذ حكم الوصية، بل منهم من صرح بأنه وصية أو بمنزلتها، فجاء في الإسعاف أنه "إذا وقف المريض أرضه أو داره في مرض موته يصح في كله إن خرجت من ثلث ماله، وإن لم تخرج وأجازته الورثة فكذلك. وإلا تبطل فيما زاد على الثلث…". وجاء مثله في المادة 23 من قانون العدل والإنصاف. وعلى ذلك يكون الوقف بالنسبة لثلثي التركة متوقفاً على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز، وإن لم يجيزوه بطل. وليس معنى ذلك بالبداهة أنه صحيح ثابت ومقرر حتى يحصل اعتراض عليه من الورثة، بل إن المعنى أنه متى تحقق بالموت أن الوقف كان في مرض الموت يصبح الشرط في بقاء الوقف ونفاذه في الثلثين هو إجازة الورثة، فإذا لم تحصل إجازة يبطل ويلغى.
وإذا كان الأمر كذلك فكون الوقف في مرض الموت صحيحاً وكون المريض كامل الأهلية فيهما نظر، لأن الصحة ليست مقررة، إذ بمجرّد الوفاة يبطل إذا لم يجزِ الورثة. والمريض محجور عليه كما سبق الذكر. وعلى فرض التسليم بذلك فالوقف الموقوف عرضة للبطلان، والنزاع فيه يعتبر نزاعاً في شيء يتعلق بصحة الوقف، وإن لم يكن من أركانه وشروط صحته، لأنه يؤدّي في المآل إلى تقرير الصحة أو إلى بطلان التصرف، بل النزاع في مرض الموت هو في كل الأحوال من المسائل التي تدخل في عموم كلمة "المسائل المتعلقة بأصل الوقف" إذ هو حتماً يؤدّي إلى النظر في تكوين العقد وتقرير حقيقته الشرعية ومدى آثارها. وكل ذلك مما يمس أصل الوقف ويتعلق به من غير مراء، لأن ثبوت مرض الموت قد يؤول إلى إبطال ثلثي الوقف فلا وجه للمحاكم الأهلية في التشبث بنظر النزاع فيه على هذا التعلق الشديد بأصل الوقف.
أما قول الحكم المطعون فيه إن الغرض من بطلان الوقف بالنسبة للورثة هو منع الإضرار بهم، ومعنى البطلان عدم سريان الحكم إليهم، وإن دعواهم تكون كدعوى الردّ والإسقاط التي تكون متعلقة بعقود صحيحة ويطلب عدم الأخذ بها لأسباب خارجة عنها في ذاتها إلى آخره فيقال في ردّه: أما أن بطلان الوقف بالنسبة للورثة الحكمة منه دفع الضرر عنهم فذلك حق لا ريب فيه. لكن لهذه الحكمة، وللمبالغة في منع الضرر، ولأن ذمة المريض مرضاً أدى إلى موته تصبح غير صالحة للامتلاك، صار حق الورثة متعلقاً بأعيان التركة، فلم يصبح حقهم مقصوراً على دفع الأذى ومنع الضرر، بل صارت لهم حقوق هي أقوى من حق المرتهن في العين المرهونة. ولذلك لا يصح البيع عندهم من المريض لوارثه ولو بمثل القيمة. وتعليله على ما جاء في كتاب كشف الأسرار على أصول البزودي نصه: "وهذا لأن حق الورثة كما يتعلق بالمالية يتعلق بالعين فيما بينهم حتى لو أراد أحدهم أن يجعل شيئاً لنفسه بنصيبه من الميراث لا يملك ذلك بدون رضا سائر الورثة. فكما لو قصد إيثار البعض بشيء من المالية رد عليه قصده فكذلك إذا قصد إيثاره بالعين يمنع بيعه منه بمثل القيمة أو بأكثر". وإذا كانت حقوق الورثة بالنسبة للثلثين متعلقة بأعيان التركة كما ذكر فليس معنى البطلان بالنسبة للثلثين عدم سريان الحكم إليهم كما قال الحكم المطعون فيه بل معنى البطلان أن العقد يكون قد فقد رضا ذي الشأن إذ تبرع المريض، ومنه وقفه، يصير بتحقق أنه كان في مرض الموت تصرف فضولي أو محجور عليه فيتوقف على إجازة ذي الشأن وهو الوارث.
ذلك ما تقوله كتب الشريعة في المسألة التي تعرض لها الحكم المطعون فيه فليس لأي فقيه من فقهاء القانون ولا لأية محكمة أهلية أن يخرج كلامهم بغير ذلك التخريج، ولا أن يتأوّل عليهم بغير ذلك التأويل. فلا يصح إذن قياس النزاع في وقف المريض مرض الموت على دعوى رد العقود وإسقاطها لأسباب خارجة عنها في ذاتها، لأن هذا يكون قياساً مع الفارق الكبير، لأن العقود التي يطلب ردّها وإسقاطها ممن يتعدّى ضررها إليهم عقود صحيحة لها كل أحكامها المترتبة عليها وآثارها المنوطة بها، ولا تتوقف في نفاذها على إجازة المعترضين لها بل لهم فقط حق دفع ضررها عن أنفسهم. أما في الوقف في مرض الموت فإن فقهاء الشريعة الإسلامية يقولون بصريح العبارة إن الوقف بالنسبة للثلثين يكون متوقفاً على إجازة الورثة بمعنى أنه لا تتقرّر صحته ولا تترتب عليه آثاره الشرعية ولا يناط به أي حكم من أحكامه إلا بعد أن يجيزه الورثة. وفرق بين الأمرين عظيم.
ومن حيث إنه تبين من جميع ما تقدّم أن أحكام وقف المريض مرض الموت هي من الأحكام الدقيقة في الشريعة الإسلامية التي ينبغي ترك البحث فيها وتطبيقها إلى المحاكم الشرعية، عملاً بإطلاق الأمر لها وعدم الحجر عليها في شيء منه، وبمقتضى المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية. وقد سبق لمحكمة النقض أن قضت بذلك في حكمها الصادر في 15 مايو سنة 1935 في الطعن المقيد بجدولها برقم 71 سنة 4 قضائية، وبحكمها الصادر بعده في 6 يونيه سنة 1935 في الطعن المقيد بجدولها برقم 102 سنة 4 قضائية الذي جاء فيه: "إن المحكمة الأهلية لا يجوز لها أن تتدخل في دعوى الوارث بطلان وقف مورّثه لحصوله في مرض الموت إلا بعد أن تنظر المحكمة الشرعية في الأمر وتبين ما إذا كانت دعوى الوارث صحيحة أم لا، وإن كانت صحيحة فما هو بالتحديد والتعيين المقدار الباطل فيه الوقف، وما هو بالتحديد والتعيين حق ذلك الوارث في هذا المقدار الذي يعتبر فيه الوقف صحيحاً ولكنه يعتبر تركة بالنسبة لهذا الوارث وله ريع حصة فيه بصفته وارثاً كأن هذا المقدار لم يوقف. فمتى فصلت المحكمة الشرعية في هذا وبينت بحكم منها مبلغ حق الوارث في ملكية ما الوقف باطل فيه ومبلغ ما قد يكون حقاً له كوارث في ريع ما لم يبطل فيه الوقف، فهذا الحكم الذي تصدره المحكمة الشرعية بعد أن تكون طبعاً قدّرت بنفسها أو بواسطة الخبير قيمة التركة وعرفت ما ينبغي لها أن تحكم به وما لا ينبغي مما هو جميعه من شئونها هي – هذا الحكم يصبح سنداً رسمياً للوارث مقرراً لحقوقه. وإذا وقعت له من بعد منازعة في حقوقه هذه فهنالك فقط تتدخل المحكمة الأهلية لإقراره تنفيذاً لذلك السند الرسمي".
وحيث إنه لذلك كله يتعين نقض الحكم المطعون فيه.


(1) هذا هو حكم محكمة استئناف مصر الصادر بجلسة 25 إبريل سنة 1937 برياسة سعادة محمود سامي باشا وكيل المحكمة وحضور حضرتي مصطفى الشوربجي بك ومحمد فؤاد حسني بك المستشارين. وقد خالف هذا الحكم مذهب محكمة النقض في هذه المسألة وناقش حكمها الذي قرر هذه القاعدة ابتداء فنشرناه هنا برمته إتماماً للفائدة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات