الطعن رقم 1315 لسنة 50 ق – جلسة 22 /02 /1981
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
السنة 32 – صـ 169
جلسة 22 من فبراير سنة 1981
برياسة السيد المستشار/ أحمد فؤاد جنينة نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ محمد حلمي راغب، وجمال منصور، ومحمد محمود عمر، وسمير ناجي.
الطعن رقم 1315 لسنة 50 القضائية
1 – قتل عمد. وصف التهمة. إجراءات "إجراءات المحاكمة". حكم "تسبيبه.
تسبيب غير معيب". نقض "أسباب الطعن، ما لا يقبل منها". مسئولية جنائية. دفاع "الإخلال
بحق الدفاع. ما لا يوفره".
– حق المحكمة في رد الواقعة إلى صورتها الصحيحة. حد ذلك؟
إسناد الحكم للطاعن وحده ارتكاب القتل المقترن بشروع في قتل على خلاف ما جاء بأمر الإحالة
من ارتكابه الجريمة مع آخر – قضي ببراءته – لا يعيبه. علة ذلك؟
2 – محكمة الموضوع "سلطتها في تقدير الدليل". حكم "حجيته". إثبات "بوجه عام".
– حرية المحكمة في تقدير الدليل.
– عدم تقيد القاضي عند محاكمة متهم بحكم آخر صادر في ذات الواقعة على متهم آخر.
3 – إثبات "بوجه عام" "شهود". حكم "ما لا يعيبه في نطاق التدليل".
– عدم التزام المحكمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها.
4 – إثبات "بوجه عام". حكم "حجيته".
شرط اعتبار أحكام البراءة عنواناً للحقيقة سواء للمتهمين فيها أو غيرهم ممن يتهمون
في ذات الواقعة؟
1 – للمحكمة أن ترد الواقعة إلى صورتها الصحيحة ما دامت فيما تجريه لا تخرج عن نطاق
الواقعة ذاتها التي تضمنها أمر الإحالة والتي كانت مطروحة على بساط البحث، فلا يعيب
الحكم أن ينسب إلى الطاعن وحده ارتكابه فعل القتل المقترن بجناية الشروع في القتل خلافاً
لما جاء بأمر الإحالة من ارتكابه هذا الفعل مع آخر – قضي ببراءته – ما دام الحكم لم
يتناول التهمة التي رفعت بها الدعوى بالتعديل وهي تهمة القتل العمد المقترن بجناية
شروع في قتل، وما دام يحق للمحكمة أن تستبين الصورة الصحيحة التي وقع بها الحادث أخذاً
من كافة ظروف الدعوى وأدلتها المطروحة والتي دارت عليها المرافعة، إذ أن الطاعن لم
يسأل في النتيجة إلا عن جريمة القتل العمد المقترن بجناية شروع في قتل، وهي الجريمة
التي كانت معروضة على بساط البحث بالجلسة، والتي يستوي أن يرتكبها الطاعن وحده أو مع
غيره، ومن ثم فإن المحكمة لم تكن ملزمة بإجراء تعديل في وصف التهمة يقتضي تنبيه الدفاع
إليه في الجلسة ليترافع على أساسه.
2 – لا وجه لقالة التناقض التي أثارها الطاعن مستنداً فيها إلى الحكم الصادر ببراءة
آخر في الدعوى عن ذات التهمة، إذ أنه لا سبيل إلى مصادرة المحكمة في اعتقادها ما دامت
قد بنت اقتناعها على أسباب سائغة، فإن الأمر يتعلق بتقدير الدليل، ولا يتعدى أثره شخص
المحكوم لصالحه، ذلك بأنه من المقرر أن القاضي وهو يحاكم متهماً يجب أن يكون مطلق الحرية
في هذه المحاكمة غير مقيد بشيء مما تضمنه حكم صادر في ذات الواقعة على متهم آخر، ولا
مبال بأن يكون من وراء قضائه على مقتضى العقيدة التي تكونت لديه قيام تناقض بين حكمه
والحكم السابق صدوره على مقتضى العقيدة التي تكونت لدى القاضي الآخر.
3 – محكمة الموضوع لا تلزم في أصول الاستدلال بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر
في تكوين عقيدتها، فهي لا تورد من أقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها وفي عدم إيرادها
شيئاً منها ما يفيد ضمناً إطراحها، إذ العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع قاضي
الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته، فلا يصح مطالبته
بالأخذ بدليل معين إلا في الأحوال التي يقررها القانون، فقد جعل القانون من سلطته أن
يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه.
4 – من المقرر أن أحكام البراءة لا تعتبر عنواناً للحقيقة سواء بالنسبة إلى المتهمين
فيها أو لغيرهم ممن يتهمون في ذات الواقعة إلا إذا كانت البراءة مبنية على أسباب غير
شخصية بالنسبة إلى المحكوم لهم بحيث تنفي وقوع الواقعة المرفوعة بها الدعوى مادياً.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخر – سبق الحكم ببراءته – بأنهما
قتلا…… عمداً مع سبق الإصرار والترصد بأن انتويا قتله وأعدا لذلك سلاحين ناريين
معمرين حملاهما وانتظراه في الطريق الذي أيقنا مروره فيه وما أن ظفرا به حتى أطلقا
عليه عدة أعيرة نارية قاصدين قتله فأصابه واحد منها وحدثت به الإصابة الموصوفة بتقرير
الصفة التشريحية والتي أودت بحياته، وقد اقترنت هذه الجناية بجناية أخرى، هي أنهما
في الزمان والمكان الموضحين شرعا في قتل…… عمداً مع سبق الإصرار والترصد بأن انتويا
قتله وأعدا لذلك السلاحين المذكورين وانتظراه في الطريق الذي أيقنا مروره فيه وما أن
ظفرا به حتى أطلقا عليه عدة أعيرة نارية قاصدين قتله فأصابه واحد منها وحدثت به الإصابة
الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادتهما فيه هو مداركته
بالعلاج. (ثانياً) أحرز كل منهما سلاحاً نارياً مششخناً (بندقية) في غير الأحوال المصرح
بها قانوناً. (ثالثاً) أحرز كل منهما ذخائر (طلقات) مما تستعمل في السلاح الناري سالف
الذكر دون أن يكون مرخصاً له بحيازته أو إحرازه، وطلبت من مستشار الإحالة إحالة الطاعن
إلى محكمة الجنايات لمعاقبته طبقاً لمواد الاتهام، فقرر ذلك، وادعى والد المجني عليه
مدنياً بمبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت. ومحكمة جنايات سوهاج بعد أن عدلت
الوصف إلى أن الطاعن أولاً قتل….. عمداً مع سبق الإصرار بأن انتوى قتله وعقد العزم
المصمم عليه وأعد لهذا الغرض سلاحاً نارياً حشاه بالطلقات وأطلق عليه – بقصد قتله –
أعيرة نارية أصابه واحد منها وأحدث به الإصابة الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي
أودت بحياته، وقد اقترنت هذه الجناية بجناية أخرى هي أنه في الزمان والمكان سالفي الذكر
شرع في قتل…… عمداً مع سبق الإصرار بأن انتوى قتله وعقد العزم المصمم عليه وأعد
لهذا الغرض سلاحاً نارياً حشاه بالطلقات وأطلق عليه بقصد قتله أعيرة نارية أصابه واحد
منها وأحدث به الإصابة الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل
لإرادته فيه، وهو مداركة المجني عليه بالعلاج. ثانياً أحرز بغير ترخيص سلاحاً نارياً
مششخناً (فرد). ثالثاً أحرز ذخائر (طلقات) مما تستعمل في السلاح الناري المذكور وهو
غير مرخص له في حمله وإحرازه. قضت عملاً بالمواد 45، 46، 230، 231، 234/ 2 من قانون
العقوبات والمواد 1/ 1، 6، 26/ 2، 4 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقانونين
رقمي 546 لسنة 1954، 75 لسنة 1958 والبند أ من القسم الأول من الجدول رقم 3 الملحق
بالقانون الأول مع تطبيق المادتين 32، 17 من قانون العقوبات أولاً باعتبار الحكم الغيابي
الصادر في 11 من أكتوبر سنة 1975 كأن لم يكن. ثانياً وحضورياً بمعاقبة الطاعن بالأشغال
الشاقة لمدة خمس عشرة سنة وبإلزامه بأن يدفع للمدعي بالحق المدني مبلغ قرش صاغ واحد
على سبيل التعويض المؤقت.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض…… إلخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمة
القتل العمد مع سبق الإصرار المقترن بجناية شروع في قتل، قد أخطأ في تطبيق القانون
وشابه فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب, ذلك بأنه فات المحكمة تعديل وصف الاتهام
– على ضوء الحكم الصادر ببراءة المتهم الآخر في الدعوى – بقصد مساءلة الطاعن عن تهمة
الشروع في قتل…….. وفقاً لما شهد به المذكور، وحتى يبدي الطاعن دفاعه على أساس
الوصف الجديد، فضلاً عما قام به من تناقض بين هذا الحكم وبين الحكم السابق صدوره ببراءة
المتهم الآخر في ذات التهمة واستناده إلى ذات الدليل الذي أطرحته المحكمة عند قضائها
بالبراءة، كما عول الحكم في قضائه على أقوال شاهد الإثبات…… مع أنه قرر أنه لم
ير كيفية إصابة المجني عليهما ورأى الطاعن – وحده – يطلق النار، ولم يعن برفع التناقض
بين هذا القول وقول شاهد الواقعة المجني عليه……. كما سكت عن الرد عما أثاره الدفاع
من قيام التعارض بين الدليلين القولي المستمد من أقوال……. وبين الدليل الفني المستمد
من التقارير الطبية الشرعية، كل ذلك مما يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية
للجرائم التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة مستمدة من أقوال الشاهد…….
ومما ورد بالتقارير الطبية الشرعية ومما أقر به الطاعن أمام النيابة العامة بما مؤداه
أنه كان متجهاً – بمفرده – يوم الحادث إلى حقله وأبصر المجني عليهما قادمين من الجهة
القبلية، وأنهما ابتدراه بإطلاق النار عليه، فرد عليهما بالمثل وصوب تجاههما سلاحه
الناري "فرد 11" وأطلق منه النار حتى فرغت الذخيرة فألقاه في المصرف ولاذ بالفرار،
وأقر بتواجد شاهد الإثبات……. بحقله المجاور لمكان الحادث آنذاك، وهي أدلة سائغة
لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها. لما كان
ذلك، وكان للمحكمة أن ترد الواقعة إلى صورتها الصحيحة ما دامت فيما تجريه لا تخرج عن
نطاق الواقعة ذاتها التي تضمنها أمر الإحالة والتي كانت مطروحة على بساط البحث، فلا
يعيب الحكم أن ينسب إلى الطاعن وحده ارتكابه فعل القتل المقترن بجناية الشروع في القتل
خلافاً لما جاء بأمر الإحالة من ارتكابه هذا الفعل مع آخر – قضي ببراءته – ما دام الحكم
لم يتناول التهمة التي رفعت بها الدعوى بالتعديل وهي تهمة القتل العمد المقترن بجناية
شروع في قتل، وما دام يحق للمحكمة أن تستبين الصورة الصحيحة التي وقع بها الحادث أخذاً
من كافة ظروف الدعوى وأدلتها المطروحة والتي دارت عليها المرافعة، إذ أن الطاعن لم
يسأل في النتيجة إلا عن جريمة القتل العمد المقترن بجناية شروع في قتل، وهي الجريمة
التي كانت معروضة على بساط البحث بالجلسة، والتي يستوي أن يرتكبها الطاعن وحده أو مع
غيره، ومن ثم فإن المحكمة لم تكن ملزمة بإجراء تعديل في وصف التهمة يقتضي تنبيه الدفاع
إليه في الجلسة ليترافع على أساسه. لما كان ذلك، وكان لا وجه لقالة التناقض التي أثارها
الطاعن مستنداً فيها إلى الحكم الصادر بالبراءة لمتهم آخر في الدعوى عن ذات التهمة،
إذ أنه لا سبيل إلى مصادرة المحكمة في اعتقادها ما دامت قد بنت اقتناعها على أسباب
سائغة، فإن الأمر يتعلق بتقدير الدليل، ولا يتعدى أثره شخص المحكوم لصالحه، ذلك بأنه
من المقرر أن القاضي وهو يحاكم متهماً يجب أن يكون مطلق الحرية في هذه المحاكمة غير
مقيد بشيء مما تضمنه حكم صادر في ذات الواقعة على متهم آخر، ولا مبال بأن يكون من وراء
قضائه على مقتضى العقيدة التي تكونت لديه قيام تناقض بين حكمه والحكم السابق صدوره
على مقتضى العقيدة التي تكونت لدى القاضي الآخر، ولما كان من المقرر أن أحكام البراءة
لا تعتبر عنواناً للحقيقة سواء بالنسبة إلى المتهمين فيها أو لغيرهم ممن يتهمون في
ذات الواقعة إلا إذا كانت البراءة مبنية على أسباب غير شخصية بالنسبة إلى المحكوم لهم
بحيث تنفي وقوع الواقعة المرفوعة بها الدعوى مادياً، وهو الأمر الذي لا يتوافر في الدعوى
المطروحة، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون سديداً. لما كان ذلك، وكانت
محكمة الموضوع لا تلتزم في أصول الاستدلال بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر
في تكوين عقيدتها، فهي لا تورد من أقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها وفي عدم إيرادها
شيئاً منها ما يفيد ضمناً إطراحها، وكانت العبرة في المحاكمات الجنائية هي باقتناع
قاضي الموضوع بناء على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته، فلا يصح مطالبته
بالأخذ بدليل معين إلا في الأحوال التي يقررها القانون، فقد جعل القانون من سلطته أن
يزن قوة الإثبات وأن يأخذ من أي بينة أو قرينة يرتاح إليها دليلاً لحكمه، وكان الحكم
المطعون فيه قد اطمأن إلى ما أخذ به من أدلة استمدها مما قدمه من أقوال شاهد الإثبات……
ومن أقوال الطاعن في تحقيق النيابة، فإن ما يثيره الطاعن من منازعة في القوة التدليلية
لأقوال شاهد الإثبات المذكور، وفي خصوص إعراض الحكم عن الأقوال التي أدلى بها المجني
عليه…….. إنما ينحل في حقيقته إلى جدل موضوعي في سلطة المحكمة في تقدير أدلة الدعوى
مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه ليس بلازم أن
تطابق أقوال الشهود مضمون الدليل الفني، بل يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض
مع الدليل الفني تناقضاً يستعصى على الملاءمة والتوفيق، وكان الدليل المستمد من أقوال
شاهد الإثبات الذي أخذت به محكمة الموضوع واطمأنت إليه غير متعارض والدليل المستمد
من التقارير الطبية الشرعية، وكان الحكم المطعون فيه لم يعول في إدانة الطاعن على أقوال……
فإن ما ينعاه الطاعن بشأن قالة التناقض بين أقوال المذكور وبين الدليل الفني – بفرض
صحة قوله – يكون غير مقبول. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً
رفضه موضوعاً.
