الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 82 سنة 7 ق – جلسة 07 /04 /1938 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 317

جلسة 7 إبريل سنة 1938

برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك وأحمد مختار بك المستشارين.


القضية رقم 82 سنة 7 القضائية

حوالة:
( أ ) شراء الدين. متى يعتبر الدين متنازعاً عليه؟ الصعوبات التي يوجدها المدين لعرقلة السداد. الدين لا يعتبر معها متنازعاً عليه.
(ب) حق المدين في استرداد الدين المبيع. متى يكون؟ طلب الاسترداد بصفة احتياطية. لا يجوز. (المادتان 253 و254 مدني)
1 – إن شراء الدين من غير ضمان بأقل من قيمته لا يعتبر معه الدين متنازعاً عليه بالمعنى المقصود في المادة 354 من القانون المدني، إذ يجب لاعتبار الحق المبيع من الحقوق المتنازع عليها أن يكون قائماً بشأنه، وقت التنازل عنه، خصومة أمام القضاء، وأن يكون النزاع فيها منصباً على أصل هذا الحق (Le fond de droit) أي متعلقاً بوجوده أو بطريقة التخلص منه كالسداد أو السقوط بمضي المدّة. فكل العراقيل التي تعترض السداد بفعل المدين، كالدفع بعدم الاختصاص أو بعدم وجود صفة للمدعي، لا يعتبر معها الدين متنازعاً عليه، لأنها غير متعلقة بأصله.
2 – إن المادة 354 من القانون المدني لا تخوّل المدين الحق في استرداد الدين المبيع بعرض الثمن على المشتري إلا إذا كان ذلك حاصلاً بصفة أصلية وبغير منازعة في أصل الدين رغبة في إنهاء الخصومة صلحاً على هذا الأساس.


الوقائع

تتلخص وقائع الدعوى – على ما جاء بالحكم المطعون فيه ومذكرات ومستندات الخصوم التي تقدّمت في الدعوى وكانت مقدّمة لمحكمة الموضوع – فيما يأتي:
بمقتضى عقد رسمي حرر بقلم العقود بمحكمة إسكندرية المختلطة في 30 من يوليه سنة 1891 رهن مصطفى هرجة بك وعلي علي هرجة لجورج زرفوداكي 170 فداناً وقيراطاً و20 سهماً من أملاكهما تأميناً لدين اقترضاه ويبلغ مقداره 4300 جنيه والفوائد لمدة ثلاثين سنة.
وفي 19 من أكتوبر سنة 1891 حوّل جورج زرفوداكي هذا الدين لبنك المورجيج في نظير دين عليه لهذا البنك يبلغ مقداره 4268 جنيهاً و454 مليماً.
وفي سنة 1894 تأسست شركة جورج زرفوداكي وأولاده، ثم أفلست في سنة 1911
وفي 10 من إبريل سنة 1917 اشترى البيلي عمر ومن معه 41 فداناً وقيراطاً و22 سهماً من أصل الأرض المرهونة ودفعوا إلى بنك المورجيج 1100 جنيه من أصل المطلوب من فريق هرجة خصماً من المطلوب منهم بموجب عقد الرهن واستوفى بنك المورجيج حقه قبل مدينه جورج زرفوداكي فردّ في 30 من أكتوبر من هذه السنة التحويل والرهن المذكورين لشركة زرفوداكي وأولاده.
وبتاريخ 23 من ديسمبر سنة 1917 باع علي علي هرجة لزوجته السيدة فاضلة يوسف النواوي 34 فداناً و17 قيراطاً و22 سهماً من أصل العين المرهونة فباعت السيدة المذكورة إلى محمد علي عبده المدّعى عليه الأوّل في الطعن وعلي عبده مورّثه ومورّث باقي المدّعى عليهم 8 فدادين و5 قراريط من أصل ما اشترت بمبلغ 2175 جنيهاً و205 مليمات، واشترطت على المشتريين أن يدفعا من أصل الثمن 1500 جنيه للبنك العقاري المصري و675 جنيهاً و205 مليمات إلى تفليسة زرفوداكي خصماً من أصل المطلوب من زوجها علي علي هرجة للبنكين المذكورين المرتهنين للعين المبيعة.
وفي سنة 1922 تدخلت شركة تصفية أموال زرفوداكي في دعوى البيع الجبري رقم 911 سنة 1914 – 1915 (وهذه الدعوى كان رفعها البنك العقاري ضدّ فريق هرجة ثم تركها وشطبت)، وجدّدتها ضدّ فريق هرجة وضدّ السيدة فاضلة يوسف النواوي باعتبارها مشترية من أحدهم، فدفع المدّعى عليهم (علي هرجة وفتح الله مصطفى هرجة وبمبة مصطفى هرجة) بعدم صحة حلول الشركة محل زرفوداكي صاحب الدين الأصلي. وبعد ذلك طلبت الشركة شطب الدعوى بغير قيد ولا تحفظ، فحكمت المحكمة بالشطب بجلسة 28 من نوفمبر سنة 1922
وبتاريخ 22 مايو سنة 1924 باع سنديك تفليسة زرفوداكي إلى شركة تصفية أموال زرفوداكي ديون التفليسة وأحل الشركة محله فيها، ثم أيد هذا التنازل بعقد حرر في 11 من أغسطس سنة 1924 تنازل به ممثل التفليسة للشركة المشار إليها عن دين جماعة هرجة وقدره 2490 جنيهاً و55 مليماً بخلاف الفوايد بغير ذكر للثمن.
وفي 9 من يونيه سنة 1927 باعت الشركة المدنية المذكورة إلى الطاعن دين جماعة هرجة وقدرته بمبلغ 2554 جنيهاً ودين ورثة صليب منقريوس وقدره 12680 جنيهاً كل ذلك في نظير مبلغ 300 جنيه، وقرّر المشتري في العقد أنه اطلع وعلم بكل التفاصيل والمستندات وكشوف الحساب الخاصة بالدينين المذكورين، وأنه عرف كل الإجراءات التي اتخذت ضد المدينين أو ورثتهم، خصوصاً ما يتعلق بورثة هرجة، من ملف دعوى البيع الجبري بمحكمة مزادات إسكندرية المختلطة رقم 911 سنة 1914 – 1915 وأنه يقبل الشراء مع إخلاء الشركة عن كل مسئولية أياً كانت.
بناءً على هذا العقد رفع الطاعن دعواه ضدّ المدعى عليهم أمام محكمة طنطا الأهلية وقيدت بجدول المحكمة برقم 324 سنة 1934 قال فيها إنه اشترى دين جماعة هرجة المؤمن عليه برهن 30 يوليه سنة 1891، وإن فاضلة يوسف النواوي باعت إلى محمد علي عبده وعلي عبده 8 فدادين و5 قراريط من أصل 34 فداناً كانت اشترتها من زوجها علي علي هرجة من أصل الأرض المرهونة واشترطت على المشتريين منها أن يدفعا من الثمن 675 جنيهاً و205 مليمات لتفليسة زرفوداكي فلم يدفعاه. لذلك طلب أن يحكم له بهذا المبلغ وتثبيت الحجز الذي أوقعه تحت يد محمد بدوي البيلي عن مبلغ 167 جنيهاً و280 مليماً.
وفي 27 ديسمبر سنة 1934 حكمت محكمة طنطا بهذه الطلبات.
فاستأنف كل من محمد علي عبده بصفته الشخصية وباعتباره وارثاً لوالده المرحوم الشيخ علي عبده والشيخ بدوي علي عبده وعبد اللطيف علي عبده وعبده علي عبده والست فهيمة علي عبده والست زنوبة علي عبده والست أمونة علي عبده والست عائشة علي عبده بصفتهم ورثة المرحوم الشيخ علي عبده هذا الحكم بتاريخ 3 و9 و24 من مارس سنة 1935 وطلبوا أصلياً الحكم بعدم قبول الدعوى لانعدام صفة الطاعن واحتياطياً رفضها موضوعاً، ومن باب الاحتياط الكلي تعديل الحكم المستأنف إلى 150 قرشاً مع إلزام المستأنف عليه الأوّل بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين. وقيد الاستئناف بجدول محكمة استئناف مصر برقم 392 سنة 52 قضائية.
وبتاريخ 15 يونيه سنة 1937 حكمت هذه المحكمة الحكم المطعون فيه وهو يقضي بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف وإلزام المستأنفين (المدّعى عليهم في الطعن) بأن يدفعوا للطاعن بصفتيه مبلغ 13 جنيهاً و296 مليماً وفوائده من تاريخ المطالبة الرسمية الحاصلة في 20 من إبريل سنة 1934 حتى السداد باعتبار الماية تسعة سنوياً وتثبيت الحجز التحفظي الموقع تحت يد المستأنف عليه الثاني بالنسبة لما حكم به وألزمت المستأنفين بالمصاريف المناسبة عن الدرجتين وأمرت بالمقاصة في أتعاب المحاماة.
أعلن هذا الحكم للطاعن في 8 من أغسطس سنة 1937، فقرّر بالطعن فيه بطريق النقض في 5 سبتمبر سنة 1937، بتقرير أعلن إلى المدّعى عليهم في 8 و11 و14 و19 من ذلك الشهر، وقدّم الطاعن مذكرته وحافظة بمستنداته في 23 من الشهر المذكور، وقدّم المدعى عليه الثاني مذكرته وحافظة بمستنداته في 19 من أكتوبر سنة 1937، كما قدم الطاعن مذكرة بالرد في 3 من نوفمبر سنة 1937 أجاب عليها المدّعى عليه الثاني بمذكرة وحافظة مستندات في 17 من الشهر المذكور، ولم يقدّم باقي المدّعى عليهم في الطعن شيئاً، وقدّمت النيابة مذكرة برأيها في 9 من يناير سنة 1938.
وقد حدّد لنظر الطعن جلسة يوم الخميس الموافق 31 من مارس سنة 1938 وفيها سمعت المرافعة على الوجه المبين في محضر الجلسة. ثم أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم، وبعد المداولة صدر بالآتي:


المحكمة

ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه لم يبين موضوع النزاع القانوني في الدين المطالب به، وأنه أخطأ في تطبيق المادة 354 من القانون المدني لأنه أجاب طلب استرداد الدين بالثمن الذي دفعه المشتري مع أن هذا الطلب تقدّم من المدينين بصفة احتياطية.
ومن حيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يبين أن الحكم بعد سرد الوقائع عرض إلى الدفوع التي أثارها المدّعى عليهم في الطعن فقال: "إن المستأنفين (المدّعى عليهم في الطعن) يتمسكون: (أوّلاً) بأنه لا يوجد ما يثبت انتقال الدين من زرفوداكي إلى شركة زرفوداكي وأولاده. (ثانياً) بأن المستأنف عليه الأوّل (الطاعن) لم يعلنهم بعقد 22 مايو سنة 1924 الذي باع به سنديك تفليسة زرفوداكي وأولاده دينه فيها بشكل عام إلى الشركة المدنية لتصفية أموال زرفوداكي وأولاده، وأن عقد 11 أغسطس سنة 1924 لم يعلن لهم إلا بعد البيع للمستأنف عليه الأوّل بصفته وكان يجب إعلانهم قبل ذلك. (ثالثاً) بأنهم تخالصوا من دين زرفوداكي ولم يبقَ عليهم منه شيء. (رابعاً) من باب الاحتياط بأن المستأنف عليه الأوّل بصفتيه (أي الطاعن) اشترى ديناً متنازعاً فيه فليس له إلا ثمنه. ثم تولى الحكم المطعون فيه الرد على هذه الدفوع فقال عن الدفع الأوّل إنه غير صحيح لأن الدين انتقل بالطريق القانوني من زرفوداكي إلى بنك المورجيج، وهذا ردّه بالطريق القانوني أيضاً إلى تفليسة زرفوداكي وأولاده. وقال الحكم عن الدفع الثاني الخاص بعدم إعلان عقد تنازل 22 مايو سنة 1924 أصلاً وبعدم إعلان عقد تنازل 11 أغسطس سنة 1924 إلا بعد البيع للطاعن إنه لا ضرورة لهذا الإعلان قانوناً. وعن الدفع الثالث الذي ادعى فيه المدعى عليهم بأنهم تخالصوا من دين زرفوداكي ولم يبقَ عليهم منه شيء قال الحكم إنه غير صحيح لعدم قيام الدليل على هذا السداد. ثم عرض الحكم المطعون فيه بعد ذلك إلى الدفع الرابع وهو ما طلب به المدعى عليهم في الطعن بصفة احتياطية اعتبار الدين متنازعاً عليه وأحقيتهم في استرداده بقيمة ما دفعه المشتري فقال: "إنه يظهر من مذكرتي ورثة علي هرجة في دعوى البيع الجبري رقم 911 سنة 1914 – 1915 أن الورثة كانوا ينازعون في دين زرفوداكي ويقولون إنه حوّله لبنك المورجيج وهم سدّدوا إلى هذا البنك فضلاً عن أن عقد السلفة الأصلي كان بينهم وبين زرفوداكي شخصياً وليس بينهم وبين شركة زرفوداكي وأولاده. وتمسك الحاضر عن علي هرجة والآخرين بأن نزع الملكية حصل بدون مستندات، وأن ذمة موكليه بريئة من الدين. وفي جلسة 5 سبتمبر سنة 1922 تأجل البيع لعدم استيفاء الإجراءات. وفي جلسة 8 نوفمبر سنة 1922 شطبت المحكمة القضية بناءً على طلب تقدّم من وكيل مصفي تفليسة زرفوداكي يرجو فيه شطب الدعوى بغير قيد ولا تحفظ. وبعد ذلك وفي 9 يونيه سنة 1927 اشترى الطاعن من الشركة المدنية لتصفية أموال زرفوداكي دين هرجة ودين ورثة منقريوس صليب، وقرر المشتري في هذا العقد أنه اطلع اطلاعاً تاماً على كل الإجراءات المتعلقة بالعقارات والمنقولات التي عملت ضدّ المدينين أو ورثتهم، خصوصاً ما يتعلق بجماعة هرجة، في ملف دعوى البيع الجبري رقم 911 سنة 1914 – 1915، وكذلك المذكرات المرفقة والمودعة بالملف المذكور. وجاء في الفقرة الخامسة من هذا العقد أن المشتري اطلع اطلاعاً تاماً وعلم بكل التفاصيل ومستندات الدين المتنازل عنه وكشوف الحساب الخاصة بالدينين المذكورين، ويقرر صراحة بإخلاء الشركة المتنازلة عن كل مسئولية أياً كانت وأنه اشترى الدينين المذكورين بالحالة التي هما عليها أو التي قد يكونان عليها وتحت مسئوليته. وجاء في الفقرة السابعة أن ثمن الدينين وقدرهما 15234 جنيهاً و651 مليماً هو 300 جنيه، والمحكمة تأخذ من كل ذلك أي من اطلاع المشتري على ملف دعوى البيع الجبري المشار إليه وإخلائه الشركة البائعة من كل مسئولية وشرائه الدين بأقل من 50/1 من قيمته أنه اشترى هذا الدين وهو على يقين بأنه متنازع عليه. ولذلك أجابت المحكمة الطلب الاحتياطي وأجازت للمدينين استرداد الدين بالثمن الذي دفعه المشتري عملاً بالمادة 354 من القانون المدني.
ومن حيث إنه يبين من ذلك أن محكمة الموضوع بعد أن رفضت ثلاثة الدفوع الأولى التي دفع بها المدعى عليهم في الطعن واستبعدت النزاع الذي كان يتمسك به فريق هرجة في دعوى البيع الجبري اعتمدت في اعتبار الدين متنازعاً عليه على ما جاء بعقد الشراء المشار إليه من أن الطاعن اشترى ديناً بأقل من قيمته بغير ضمان وعلى النزاع الذي أبداه فريق هرجة في دعوى البيع الجبري التي شطبت قبل شرائه بمدّة.
ومن حيث إن شراء الدين بأقل من قيمته بغير ضمان لا يجعل الحق متنازعاً عليه بالمعنى القانوني المقصود في المادة 354 من القانون المدني. لأنه يجب لاعتبار الدين متنازعاً عليه قانوناً أن تكون الخصومة عليه معلقة أمام القضاء وقت التنازل عنه وأن يكون النزاع منصباً على أصل الحق (Le fond de droit) بأن يكون دائراً حول وجود الدين أو حول الطريقة المؤدية إلى براءة الذمة منه كالسداد مثلاً أو سقوط الحق فيه بمضي المدّة. وأما الصعوبات التي يوجدها المدين لعرقلة الوصول إلى السداد كالدفع بعدم الاختصاص أو عدم وجود صفة للمدّعي فإنها لا تعتبر نزاعاً في أصل الدين.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بحث في أصل الدين فقرّر أنه موجود وقائم بمقتضى عقد الرهن الرسمي الحاصل في 30 من يوليه سنة 1891 وأثبت أنه تحوّل للطاعن بالطريق القانوني، وأنه فوق ذلك ثابت في ذمة محمد علي عبده وعلي عبده باعترافهما الصريح في عقد البيع الصادر لهما من السيدة فاضلة يوسف النواوي. ثم بحث الحكم المطعون فيه أيضاً في النزاع الذي كان يتمسك به فريق هرجة في دعوى البيع الجبري التي كانت أمام المحكمة المختلطة وشطبت فرفضه وأثبت بذلك أنه من قبيل الصعوبات التي يوجدها المدين لعرقلة التنفيذ. وهذا الذي أثبته الحكم صريح في نفي صفة النزاع عن الحق المطالب به لعدم توفر الشروط الواجبة قانوناً.
ومن حيث إن الحكم فوق ذلك أجاب الطلب الاحتياطي الذي التمس فيه المدين استرداد الدين بدفعه مقابل ثمنه الذي اشتراه به الطاعن. وفضلاً عما في إجابة هذا الطلب من الخطأ باعتبار الدين متنازعاً فيه على غير ما يقضي به القانون فإن فيه تناقضاً مع طبيعة الطلب نفسه إذ لا يكون هذا الطلب إلا بعد الاعتراف بنفس الحق. ولذلك يجب أن يكون طلب الاسترداد حاصلاً بصفة أصلية رغبة في نهو الخصومة بالصلح الذي هو مقصود الشارع من تقرير حق الاسترداد المتقدّم.
ومن حيث إنه يبين مما تقدّم أن المحكمة أخطأت في اعتبار الدين المطالب به متنازعاً عليه بالمعنى القانوني. كما أخطأت في تطبيق المادة 254 مدني التي لا تعطي المدين الحق في استرداد الدين بعرض ثمنه على المدعي إلا إذا اعترف أصلاً بالدين وطلب الاسترداد بصفة أصلية لتنتهي الخصومة بالصلح على هذا الأساس. وهذا كله يجعل نقض الحكم متعيناً.
ومن حيث إن الدعوى صالحة للحكم في موضوعها على هذا الأساس.
ومن حيث إن الدين الذي آل إلى الطاعن ثابت من عقد الرهن الأصلي المحرر بتاريخ 20 من يوليه سنة 1891 الذي أقرّ فيه علي هرجة ومصطفى هرجة بأنهما مدينان لزرفوداكي بمبلغ 4300 جنيه وفوائده لمدّة ثلاثين سنة ورهناً له تأميناً على هذا الدين 170 فداناً وبعض فدان من أملاكهما. وقد تحوّل هذا الدين إلى بنك المورجيج، ثم ردّه هذا البنك إلى تفليسة زرفوداكي وأولاده بعد أن شطب الرهن عن 41 فداناً وقيراط و22 سهماً من أصل الأطيان المرهونة التي اشتراها البيلي عمر وآخرون وسدّدوا ثمنها لبنك المورجيج في 10 إبريل سنة 1927 وتنازلت تفليسة زرفوداكي عن هذا الدين إلى شركة تصفية أموال زرفوداكي التي باعته للطاعن بعقد 9 يونيه سنة 1927.
ومن حيث إن محمد علي عبده وعلي عبده المدّعى عليه الأوّل ومورّث باقي المدّعى عليهم (عدا فاضلة يوسف والبيلي أفندي…) اعترفا صراحة في عقد البيع الذي اشتريا به الأطيان من فاضلة بهذا الدين والتزما بأن يدفعا من أصل الثمن 675 جنيهاً و205 مليمات لتفليسة زرفوداكي في ميعاد لا يتجاوز آخر ديسمبر سنة 1919 وذلك خصماً من أصل الدين المستحق على علي هرجة للتفليسة المذكورة.
ومن حيث إن علي هرجة ومن معه دفعوا في دعوى البيع الجبري رقم 911 سنة 1914 و1915 بأن الدين المستحق عليهم هو لزرفوداكي شخصياً، وقد حوّل إلى بنك المورجيج، وهذا تخالص بدينه وردّ التحويل ومنفعة الرهن إلى تفليسة زرفوداكي، فيجب أن تكون الرابطة القانونية قائمة بينهم وبين زرفوداكي. أما شركة تصفية أموال زرفوداكي فهي شخصية معنوية جديدة لم تحل محل زرفوداكي في هذا الدين فليس لها أن تطالب. وبعبارة أخرى كان نزاعهم دائراً حول صفة حلول شركة تصفية أموال زرفوداكي محل الدائن الأصلي زرفوداكي أو تفليسة زرفوداكي. وظاهر أن هذا النزاع لا تأثير له على أصل الدين.
ومن حيث إن فريق هرجة ادّعوا أيضاً أنهم تخالصوا من دين زرفوداكي كله بسداده لبنك المورجيج ولكنهم لم يقدّموا أي دليل على هذا الادعاء. وبالعكس فإن الثابت من الإيصال الصادر من هذا البنك بتاريخ 10 إبريل سنة 1917 أنه تسلم من البيلي عمر ومن معه 1100 جنيه خصم منها لنفسه قيمة الباقي له بذمة زرفوداكي وقدره 753 جنيهاً و670 مليماً والباقي حفظه تحت يده على ذمة تفليسة زرفوداكي، وبعد ذلك ردّ لهذه التفليسة التحويل كله مع منفعة الرهن. وظاهر من ذلك أن باقي الدين لا يزال قائماً لم يسدّد.
ومن حيث إنه يبين من هذا أن أصل الدين ثابت لا نزاع فيه، وأن محمد علي عبده وعلي عبده مورّث باقي المدعى عليهم التزما التزاماً صريحاً، وقد حل الطاعن محل الدائن الأصلي بصفة قانونية فأصبح صاحب الحق في المطالبة به والمدعى عليهم (عدا الأخيرين) ملزمين بسداد هذا الدين للطاعن.
ومن حيث إن محمد علي عبده ومن معه قدّموا أخيراً مخالصة ثابتة التاريخ في 22 نوفمبر سنة 1928 صادرة من فاضلة يوسف النواوي وادعوا أنهم سدّدوا الدين المطالب به الآن.
ومن حيث إنه يظهر من هذه المخالصة وإثبات تاريخها في 22 نوفمبر سنة 1938 أي بعد رفع الدعوى التي كان رفعها الطاعن قبل الدعوى الحالية ضد المدعى عليهم أمام المحكمة المختلطة وحكم فيها بعدم الاختصاص – يظهر من ذلك أنها اصطنعت لخدمة الدعوى الحالية. وفضلاً عن ذلك فإن هذا الدفع إن صح لا يبرئ ذمة المدعى عليهم أمام الطاعن الذي آل إليه الحق قبل تاريخ هذه المخالصة بزمن. ولذلك فإن للمدعى عليهم – إن أرادوا – الرجوع على فاضلة بدعوى أخرى على حدتها.
ومن حيث إنه لما تقدّم كله يتعين تأييد الحكم الابتدائي الصادر من محكمة طنطا الابتدائية بتاريخ 27 ديسمبر سنة 1934.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات