الطعن رقم 34 سنة 7 ق – جلسة 03 /02 /1938
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 245
جلسة 3 فبراير سنة 1938
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك وأحمد مختار بك المستشارين.
القضية رقم 34 سنة 7 القضائية
مسئولية مدنية. سندها. وجوب بيانه. حجز باطل على زراعة قطن لمصلحة
بنك التسليف. تبديد الحارس الزراعة. تحميل البنك مسئولية التبديد على أساس أن الحجز
الذي أوقعه باطل وأنه هو الذي جر إلى حصول التبديد. قصور.
إذا كان الثابت بالحكم المطعون فيه أن الحجز الذي أوقعه بنك التسليف على زراعة قطن
هو حجز باطل لتوقيعه على غير الزارع، وأن المحكمة حملت البنك المسئولية عن ذلك، ثم
عن تبديد القطن المحجوز عليه على أساس أنه لولا وقوع الحجز لما وقع التبديد، فإن هذا
الحكم يكون باطلاً لقصور أسبابه عن بيان السند الذي رتبت عليه المسئولية عن فعل التبديد،
إذ أن تأسيس هذه المسئولية على مجرّد توقيع الحجز فيه غموض بينّ، لأن فعل التبديد مستقل
عن الحجز، وقد تكون الصلة معدومة بين المبدّد ومن أوقع الحجز، فرابطة السببية إذن غير
مبينة بياناً كافياً(1).
(1) ننشر هنا مقتبسات من مذكرة النيابة التي وضعها
حضرة الأستاذ محمد عبد الله محمد لما فيها من الإفاضة:
أما عن بطلان الحجز الإداري المذكور فقد استظهرت محكمة الاستئناف أن المطعون ضدّه هو
الذي قام بزراعة القطن على نفقته وذمته بعد أن فسخ إجارة المستأجر، وأن رجال الإدارة
بالجهة يعلمون ذلك وقد شهدوا به في التحقيق الجنائي الذي أجري خاصاً بواقعة التبديد
وأن وزارة المالية بعد أن أوقعت الحجز على المحصول اعترض عليها المذكور وأبدى لها دفاعه
فلم تحفل بجدّية طلبه وقوّة حجته واستمرت في الحجز والبيع مع علمها بذلك. وفي الحق
أنه ما دام قد استظهرت محكمة الموضوع ملكية المطعون ضدّه للقطن فلا يكون للبنك من حق
في الحجز عليه لاستيفاء سلف زراعية على مستأجرين آخرين لم يقوموا بزرعها.
أما كون أولئك كانوا زارعين لتلك الأطيان قبل زراعة القطن بالاستئجار من المستأجر الأصلي
فلا يعطي البنك أي حق على الزراعة التي لم يزرعها مدينوه. وإذا كانت المادة 6 من قانون
إنشائه رقم 50 لسنة 1930 تقضي بأن امتياز البنك المذكور يجيء في الترتيب مع الامتياز
المقرر في الفقرة الرابعة من المادة 601 من القانون المدني وينفذ هذا الامتياز على
الثمن الناتج من بيع محصول السنة التي عقد القرض أو ثمن المشتريات من أجله – إذا كانت
المادة المذكورة تقضي بذلك فإنما معناها يجب أن ينصرف إلى المحصول الذي زرعه المقترض،
فأودع فيه ما اشتراه من البنك أو أنفق فيه ما استدانه منه إذ الامتياز الذي قررته هذه
المادة ليس إلا تطبيقاً لحق الامتياز المنصوص عليه في المادة 601 مدني، والذي ترجع
علته التشريعية إلى ما يجب عقلاً من تمييز الدائن الذي يكون قد اشترك بماله في إنتاج
المحصول أو تجهيزه. أما ما جاء في الفقرة الثانية من المادة 6 المذكورة من أن المبالغ
التي تقرض لنفقة الزراعة والحصاد تعتبر قد استعملت فعلاً في هذه الشؤون ولا يقبل الدليل
على خلاف ذلك فإنه منصرف إلى المقترض من البنك ورغبة الشارع في أن تقطع عليه وعلى دائنيه
الآخرين طريق التعلل بعدم استعمال ما اقترض من البنك في المحصول الذي زرعه. أما غير
المقترض ممن يكون قد زرع المحصول بماله ولحساب نفسه فلا سبيل للبنك عليه بحال وهذا
يكاد يكون في حكم البديهي الذي لا يحتاج لتدليل. إذا تقرر أنه لا تثريب على الحكم المطعون
فيه في قضائه ببطلان الحجز الإداري ومسئولية البنك ووزارة المالية فما هي حدود هذه
المسئولية؟ هنا يعرض ما يشكوه الطاعن من خطأ الحكم في تحميله مسئولية تبديد القطن المحجوز.
نقرأ في الحكم بشأن هذه المسألة "وحيث إنه مما لا نزاع فيه أن القطن المحجوز عليه تبدّد
بعضه بمعرفة الحارس المعين من قبل الصراف… لهذا وجب الحكم على البنك برد ما ضاع على
صاحب القطن مما اختلسه الحارس لأنه لولا هذا الحجز الذي حصل بغير وجه حق لما وقع التبديد".
والواقع أن تركيز محكمة الاستئناف لقضائها بمسئولية البنك في مقولة إنه لولا حجزه على
المحصول لما وقع التبديد إيجاز محل يميد به حكمها بين الخطأ في تطبيق القانون وبين
القصور في التسبيب. لأنه إذا كان مراد المحكمة تحميل الطاعن ضمان التبديد كنتيجة مترتبة
على خطئه في توقيع الحجز فقد أخطأت هي في تطبيق القانون إذ التبديد في مثل هذه الصورة
لا يكون نتيجة مباشرة للحجز. أما إذا كان مرادها تقرير مسئولية البنك ووزارة المالية
عن فعل الحارس على اعتبار أنه معين من قبلهما وأن ظروف الحال تنزله منهما منزلة التابع
بحيث تتحقق مسئوليتهما عن فعله أخذاً بالمادة 152 مدني – إذا كان هذا مراد المحكمة
فقد قصرت أسباب حكمها عن حمله وبيانه وبرهانه. ذلك لأن الضرر الذي ينزل مع الفعل الموجب
للضمان أو في أعقابه كثيراً ما يكون بداية لأضرار أخرى تتلاحق وتتسلسل فيكون بعضها
علة لبعض وسبباً له، ولا يمكن مع تسلسل العلل واختلافها على هذا النحو ربط تلك الأضرار
بالفعل الأول وتحميلها للمتسبب فيه، ولذلك قالوا إن الشخص لا يسأل إلا عن نتائج فعله
المباشرة، أما نتائج النتائج فمرفوعة عنه ولا ضمان فيها.
على أنه ليس من السهل تبين الضرر المباشر من غير المباشر في كثير من الصور. والضابط
الذي يردّده فقهاء القانون ليس فيه لدى التأمل كثير غني، فقد قالوا إن الضرر يكون مباشراً
إذا كان نتيجة حتمية (suite nécessaire) للفعل أو الترك (يراجع مازو جزء 2 نبذة 1672
ص 518 والمراجع المشار إليها فيه). ولكن متى يكون الضرر نتيجة حتمية للفعل ومتى لا
يكون أو كيف يكون؟ تلك في الواقع مسألة ذوق وفطنة أكثر منها مسألة فقه وقانون.
c'est une question de bon sens plus que de science. (يراجع جيورجي مشار إليه في مازو
المرجع السابق).
على أن جهد الباحث في هذه المسألة يجب على كل حال أن ينصرف إلى تحرّي وجود العلية (causabilité)
بين الفعل وبين الضرر، فكلما اتضحت هذه العلية في الضرر الحاصل كان مباشراً، وكلما
انقطعت أو بعدت أو خفيت كان غير مباشر. وقول الحكم المطعون فيه إنه "لولا الحجز لما
وقع التبديد" إذا أريد به ربط التبديد بالحجز على أنه نتيجة له يكون معناه أنه لولا
الحجز الذي وقع من غير حق لما كان ثمت من داعٍ إلى حارس ولا إلى ذلك الحارس الذي عين
بالذات ولما أخلى بين ذلك الحارس وبين المحصول فتمكن من اختلاسه.
وفي استحضار هذه الخطوات التي طواها الحكم يتضح بعد النتيجة وهي حصول التبديد عن العلة
الأولى وهي الحجز الباطل، لأنه إذا كان تعيين حارس ما واجباً يلازم كل حجز، فإن سوء
اختيار الحاجز عيب غير ملازم لذلك التعيين، بل يجب أن لا يشوبه مطلقاً. فإذا تبين سوء
الاختيار في تعيين الحارس كان ذلك خطأ متميزاً يسأل صاحبه عنه وبسببه.
بناءً على ذلك لا يجوز إسناد التبديد إلى بطلان الحجز ولا اعتباره نتيجة مباشرة لخطأ
الطاعن وزميلته (وزارة المالية) في توقيعه، بل ينبغي حصر علة ذلك التبديد في سوء اختيار
الحارس وتحرّي المسئول عن ذلك وتضمينه.
وبما أن أسباب الحكم المطعون فيه قد خلت من ذلك البحث وعناصره الواقعية، ولعل محكمة
الاستئناف، وقد قضت بمسئولية الطاعن عن قيمة القطن المبدّد، قد قصدت تضمينه عن سوء
الاختيار هذا بتلك العبارة الموجزة التي جاءت في حكمها – لعلها قصدت ذلك وطوت أسبابه
في صدرها، وبذلك يكون حكمها معيباً لقصور أسبابه لا لخطئه في تطبيق القانون كما يبدو
لأوّل وهلة.
