الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 36 سنة 7 ق – جلسة 23 /12 /1937 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 224

جلسة 23 ديسمبر سنة 1937

برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات مراد وهبة باشا ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك المستشارين.


القضية رقم 36 سنة 7 القضائية

( أ ) ميعاد مسافة. محل الخصم. ما هو؟ المحل الأصلي. اتخاذ محل مختار. لا يؤثر في مواعيد المسافة الواجبة إضافتها قانوناً. (المادتان 17 و19 مرافعات)
(ب) استئناف. حكم. إعلانه إلى المحل المختار. استئنافه. إضافة ميعاد مسافة باعتبار المحل الأصلي. (المواد 17 و353 و354 مرافعات)
1 – إن المستفاد من نص المادتين 17 و19 من قانون المرافعات هو أن الشارع إذ أوجب أن يضاف إلى المواعيد المحدّدة في القانون مواعيد المسافة محسوبة بين محل الخصم المطلوب حضوره أو الصادر له التنبيه والمحل المقتضى حضوره إليه بنفسه أو بواسطة وكيل عنه إنما قصد بمحل الخصم المحل الذي عرفه بالعبارة المضافة إليه وهو المحل الأصلي الذي يكون الخصم مضطراً إلى الانتقال منه إلى المحل المقتضى حضوره هو أو وكيله إليه. وإذن فاتخاذ الخصم محلاً مختاراً لا تتأثر به مواعيد المسافة الواجبة إضافتها إلى الآجال المقررة في القانون للطعن في الأحكام.
2 – يجب أن يضاف إلى ميعاد الاستئناف مواعيد المسافة بين محل المستأنف ومقر محكمة الاستئناف، ثم بين هذه المحكمة ومحل خصومه الذين يعلن إليهم استئنافه. ولا يمنع من ذلك حصول إعلان الحكم الابتدائي المراد استئنافه في المحل المختار للمستأنف، لأن تعيين هذا المحل في أية مرحلة من مراحل التقاضي ليس فيه تفويض ممن عينه للقائم به من محامٍ أو قلم كتاب أو غيرهما بالطعن في الأحكام، كما أنه ليس فيه تنازل من جانبه عن مواعيد المسافة التي أوجب القانون إضافتها لميعاد الطعن(1).


الوقائع

تتضمن وقائع الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والمذكرات المقدّمة لهذه المحكمة – أن رياض محمد صبري أفندي رفع على وزارة المالية دعوى أمام محكمة مصر الابتدائية قيدت بجدولها برقم 154 سنة 1936 قال في صحيفة افتتاحها إن والده المرحوم الأميرالاي محمد صبري بك توفي في 18 مارس سنة 1934 عن معاش شهري قدره 52 جنيهاً و500 مليم وأنه هو لكونه مصاباً بعاهة مستديمة تمنعه من الكسب قد طلب من وزارة المالية أن ترتب له معاشاً ولكنها لم تجبه إلى طلبه على الرغم مما أوصى به القومسيون الطبي من ترتيب معاش له لثبوت عاهته، ولذلك طلب الحكم بإلزام وزارة المالية بترتيب معاش شهري له قدره 17 جنيهاً و500 مليم ابتداءً من 18 مارس سنة 1934 يصرف له مدّة حياته مع إلزامها بالمصاريف وأتعاب المحاماة بحكم مشمول بالنفاذ المؤقت بلا كفالة وحفظ سائر الحقوق الأخرى.
وبجلسة 5 ديسمبر سنة 1935 طلبت السيدة لطفيات – عن نفسها وبصفتها وصية على أولادها القصر – من قاضي التحضير قبولها خصماً ثالثاً لطلب الحكم برفض الدعوى. وبجلسة 12 مارس سنة 1936 قررت المحكمة قبول هذه السيدة في الخصومة بصفتيها. وبجلسة 31 مايو سنة 1936 قضت تلك المحكمة برفض الدعوى مع إلزام رافعها بالمصاريف و300 قرش أتعاب محاماة لخصميه مناصفة بينهما.
استأنف المدعي هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر طالباً إلغاءه والحكم له بترتيب المعاش المتقدّم، واحتياطياً الحكم باعتبار المستأنف مستحقاً للمعاش الذي يؤول إليه عن والده والاحتفاظ به في خزانة وزارة المالية ليصرف إليه عند خروجه من خدمة الحكومة مع إلزام المستأنف عليهما بمصاريف وأتعاب الدرجتين مع حفظ كافة الحقوق الأخرى. وقد قيد هذا الاستئناف بجدول محكمة استئناف مصر برقم 992 سنة 53 قضائية.
وبجلسة 16 يناير سنة 1937 دفع الحاضر عن السيدة لطفيات بعدم قبول الاستئناف لرفعه بعد الميعاد، وانضم إليها في هذا الدفع الحاضر عن وزارة المالية، ثم طلب احتياطياً عدم قبول الاستئناف قبل وزارة المالية لعدم وجود مصلحة مّا قبلها للمستأنف، إذ مصلحته قائمة فقط قبل السيدة لطفيات. والحاضر عن المستأنف طلب الحكم برفض هذا الدفع مستنداً إلى أن السيدة لطفيات أعلنت لموكله الحكم في محله المختار مكتب الأستاذ عبد الرحمن البيلي أفندي بتاريخ 24 يونيه سنة 1936، ووزارة المالية أعلنت الحكم له كذلك في 4 يوليه سنة 1936، وأنه إذا كان هو قد أعلن صحيفة استئنافه في 29 أغسطس سنة 1936 فإن له الحق في إضافة ميعاد مسافة بين محل إقامته بالملاكال "بالسودان" ومدينة القاهرة. وإذا أضيف له هذا الميعاد يكون الاستئناف مرفوعاً في الميعاد.
وبجلسة 28 فبراير سنة 1937 حكمت محكمة الاستئناف بقبول الدفع وبعدم قبول الاستئناف شكلاً لرفعه بعد الميعاد وألزمت المستأنف بالمصاريف وبمبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة لوزارة المالية وللسيدة لطفيات بصفتيها مناصفة بينهما، بانية حكمها هذا على أن المستأنف قد اتخذ في عريضة افتتاح الدعوى مكتب الأستاذ عبد الرحمن البيلي أفندي محلاً مختاراً، وأن السيدة لطفيات قد أعلنت له الحكم الابتدائي في هذا المحل في 24 يونيه سنة 1936 وهو إعلان صحيح قانوناً، وأن الاستئناف لما لم يعلن لهذه السيدة إلا في 29 أغسطس سنة 1936 فقد صار الاستئناف مرفوعاً بعد الميعاد. ثم أضافت إلى ذلك أن وزارة المالية تستفيد من قبول هذا الدفع لأن الموضوع مما لا يقبل التجزئة… …
وقد أعلن هذا الحكم إلى الطاعن بتاريخ 31 من مارس سنة 1937، فطعن فيه بطريق النقض في 29 إبريل سنة 1937 بناءً على قرار الإعفاء من الرسوم رقم 17 سنة 7 قضائية، وقد أعلن تقرير الطعن الخ.


المحكمة

ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف بقضائها بعدم قبول الاستئناف المرفوع من الطاعن لرفعه بعد الميعاد قد خالفت أحكام المواد 353 و354 و17 من قانون المرافعات. ذلك لأنها قد حرمته حقه في إضافة ميعاد المسافة بين محله الأصلي وبين مدينة القاهرة التي بها مقر محكمة الاستئناف.
ومن حيث إن محكمة الاستئناف بعد أن أثبتت في صدر حكمها المطعون فيه أنه تبين لها من اطلاعها على صحيفة افتتاح الدعوى الابتدائية وأوراق القضية أن المستأنف رياض محمد صبري أفندي اتخذ له في مصر محلاً مختاراً مكتب الأستاذ عبد الرحمن البيلي أفندي المحامي بشارع جامع جركس رقم 32، وأنه بعد أن دفع ربع الرسم استصدر من لجنة المعافاة قراراً بمعافاته من ثلاثة أرباع الرسوم وبانتداب الأستاذ المشار إليه لمباشرة الدعوى عن صاحبها وأن المحامي المذكور قد حضر عمن انتدب عنه بجلسة المرافعة، وبعد أن بينت أن الست لطفيات بصفتيها قد أعلنت بتاريخ 24 يونيه سنة 1936 الحكم المستأنف القاضي برفض الدعوى إلى المستأنف بالمحل المختار الذي اختاره بعريضته، وأن المستأنف رفع استئنافه في 29 أغسطس سنة 1936، وذكر فيه أن الحكم المستأنف قد أعلنته له وزارة المالية في 4 يوليه سنة 1936 – قالت محكمة الاستئناف بعد ذلك "إن هذا الاستئناف رفع بعد انقضاء أكثر من ستين يوماً من تاريخ إعلان الحكم وليس للمستأنف حق في مواعيد المسافة لأن محله المختار الذي أعلن فيه كائن في مدينة القاهرة التي تقع فيها محكمة الاستئناف المختصة فيكون الاستئناف بالنسبة للست لطفيات غير مقبول شكلاً لرفعه بعد الميعاد". ثم قالت: "وحيث إن وزارة المالية تستفيد من ذلك لأن موضوع الدعوى باعتراف المستأنف نفسه في مذكرته الختامية وفي المرافعة وفي الواقع لا يقبل التجزئة لأن المستأنف يطلب بدعواه أن يشارك الست لطفيات وأولادها القصر في المعاش المتروك عن المورّث والذي تقرر لهم من وزارة المالية فلا يستفيد المستأنف من أن إعلان الحكم المستأنف من وزارة المالية حصل في 4 يوليه سنة 1936".
هذا. وحيث إن الأصل في المواعيد المعينة في القانون – على ما جاء بالمادتين 17 و19 من قانون المرافعات – هو في حق المقيمين بالقطر المصري الزيادة عليها يوماً لكل مسافة ثماني ساعات، وفي حق المقيمين خارج القطر المصري الزيادة عليها ميعاداً خاصاً يتراوح بين 60 و180 و360 يوماً، ثم احتساب هذا الميعاد بين محل الخصم المطلوب حضوره أو الصادر له التنبيه والمحل المقتضى حضوره إليه بنفسه أو بواسطة وكيل عنه. ولذلك لما اكتفى الشارع في باب الاستئناف بالتنصيص في المادة 354 مرافعات على زيادة مواعيد المسافة بغير بيان لكيفية احتسابها وخلا قانون إنشاء محكمة النقض من مثل هذا النص الآذن بزيادة مواعيد المسافة اعتبرته محكمة النقض أنه لم يجرِ مجرى الاستثناء وإنما أجرى مجرى أصله المتقدّم الذكر في المادة 17 ولذلك أضافت إلى ميعاد الطعن بالنقض ميعاد مسافة بين محل الطاعن ومدينة القاهرة حيث محكمة النقض التي يجب عمل تقرير الطعن بقلم كتابها، وميعاد مسافة آخر بين محل محكمة النقض التي حصل بقلم كتابها تقرير الطعن وبين محل من يراد إعلان هذا التقرير له من الخصوم، وأضافت للمدّعى عليه في الطعن على الميعاد المعطى له لإيداع أوراقه ومذكرته بقلم الكتاب ميعاد مسافة بين محله ومقرّ محكمة النقض على اعتبار أن الميعاد المعطى له هو ميعاد تكليف بالحضور يجب – تمشياً مع نص المادة 17 من قانون المرافعات – أن يضاف إليه حتماً ميعاد مسافة بين محل المدّعى عليه الذي أعلن له تقرير الطعن وقلم الكتاب الذي ينبغي أن يحضر إليه ويعمل فيه عملاً قضائياً هو إيداع الأوراق والمذكرات (راجع حكم محكمة النقض في 22 نوفمبر سنة 1934 مجلة القانون والاقتصاد سنة خامسة رقم 8 صحيفة 18 والمحاماة سنة 15 قسم أول عدد 81 صحيفة 165 وكتاب النقض في المواد المدنية والتجارية فقرة 241 و300).
وحيث إن المفهوم من نص المادتين 17 و19 من قانون المرافعات أن الشارع بتقريره بزيادة مواعيد المسافة على المواعيد المعينة في القانون محسوبة بين محل الخصم المطلوب حضوره أو الصادر له التنبيه والمحل المقتضى حضوره إليه بنفسه أو بواسطة وكيل عنه، إنما قصد من قوله "المحل" هذا المحل الذي عرفه بالإضافة إلى الخصم المطلوب حضوره أو الصادر له التنبيه أي المحل الأصلي الذي يصبح هذا الخصم مضطراً إلى الانتقال منه إلى المحل المقتضى حضوره إليه بنفسه أو بواسطة وكيل عنه. وهذا الفهم يؤكده: (أوّلاً) أن الشارع لم يرخص بإضافة مواعيد المسافة إلى ميعاد الاستئناف أو إلى أي ميعاد آخر محدّد قانوناً لعمل قضائي معين إلا ليمتع صاحب الميعاد به كله فيما ينبغي له عمله فيه تفكيراً واستشارة وإعداداً لجميع وسائله ثم القيام به. وذلك حتى لا ينقص عليه ما يضيع من الميعاد في الانتقال من محله إلى الجهة الواجب عليه الحضور فيها لعمل هذا العمل القضائي المطلوب منه. (وثانياً) أن المعنى في إعلان الحكم من المحكوم له إلى المحكوم عليه هو تنبيه هذا الخصم إلى ما يجب عليه من رفع الطعن (بالاستئناف أو بطريق النقض) إذا لم يرد أن يصبح الحكم عليه انتهائياً واجب التنفيذ، وتكليفه أيضاً بالانتقال من محله إلى البلد الموجودة به المحكمة التي يرفع إليها طعنه ليستشير فيه من يختاره من المحامين المقيمين به وليتخذ له محلاً مختاراً في هذا البلد وليقدّم طعنه إلى قلم كتاب المحكمة العليا، ثم إلى قلم المحضرين ليقوم أحد المحضرين بالانتقال إلى محل خصمه لإعلانه فيه بالطعن. ولذلك ينبغي أن يضاف إلى المستأنف مواعيد المسافة بين محله ومحل محكمة الاستئناف، ثم بين محل هذه المحكمة ومحل خصومه الذين يعلن لهم استئنافه.
وحيث إنه لا يغير من ذلك كون إعلان الحكم الابتدائي إلى المدّعي المحكوم برفض دعواه قد حصل في مكتب محاميه الذي حضر منتدباً عنه أمام المحكمة الابتدائية لأنه لا يترتب على صدور التوكيل من أحد الخصوم لأحد المحامين إلا اعتبار محل الوكيل في إعلان الأوراق اللازمة للسير في الدعوى في مرحلتها الموكل هو فيها (المادة 75 مرافعات)، ولا يترتب قانوناً على تقرير المدّعي في صحيفة افتتاح دعواه بأنه مقيم ببلد معين معروف خارج القطر المصري وأنه متخذ مكتب المحامي المندوب عنه محلاً مختاراً له – لا يترتب على ذلك اعتبار هذا المحامي وكيلاً عنه مفوّضاً لرأيه في رفع الاستئناف لو صدر الحكم عليه في الدعوى، ولا أنه بتسلمه إعلان الحكم عن موكله قد صار منبهاً عليه هو بعمل الاستئناف بغير ما تكليف من موكله، ولا أن المدّعي بتقريره المتقدّم بصحيفة افتتاح الدعوى قد تنازل عن حقوقه في مواعيد المسافة التي رخص القانون في إضافتها إلى ميعاد الاستئناف بعد صدور الحكم عليه في الدعوى ومباشرة حقه في هذا الاستئناف فعلاً لا يترتب شيء من ذلك على وقوع إعلان الحكم في محل الوكيل عن المدّعي أمام المحكمة الابتدائية، لأن آثار المحل الاعتباري أو المحل المختار متفرعة كلها عن أحكام الوكالة بين الموكل ووكيله وقبل الغير الذي يتعامل معهما على أساس المحل المختار.
وحيث إن كل ما قرّره القانون من أحكام الوكالة متعلقاً بالمحل المختار أنه قضى في المادتين 75 و76 من قانون المرافعات بأنه بمجرّد صدور التوكيل من أحد الأخصام أمام المحكمة الابتدائية يكون محل الوكيل هو المعتبر في أحوال الإعلان وأن الخصم الذي لا يكون له وكيل ساكن بالبلدة الكائنة بها المحكمة يجب عليه أن يعين محلاً بالبلدة المذكورة وإلا فيعتبر إعلان الأوراق صحيحاً بمجرّد تسليمها على يد محضر في قلم الكتاب. هذا يدل على أن الشارع قد أقام هذا الترخيص – في تبادل الخصوم إعلان الأوراق اللازمة لسير الدعوى في المحل المختار بغير إضافة مواعيد المسافة التي يستحقها كل منهم عند إعلانه ورقة لخصمه – على افتراض رضائهم بذلك تحقيقاً لمصلحة مشتركة واحدة هي الإسراع في التداعي على قدم التساوي بينهم وإبلاغ الأمر فيه إلى غايته من الحكم في الدعوى.
وحيث إن تعيين المحل المختار في أية مرحلة من مراحل التقاضي لا يعتبر مع ذلك تفويضاً للقائم بهذا المحل من محامٍ أو قلم كتاب أو غيره بعمل الطعون في مواعيدها. وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن التوسعة في آثار المحل المختار القائمة على الافتراض والاعتبار، واعتبار المدّعي والمدعى عليه صاحب المحل المختار أنه قد تنازل من مبدأ السير في الدعوى عن مواعيد المسافة التي رخص له القانون في زيادتها على ميعاد الاستئناف أو ميعاد التكليف بالحضور أمام محكمة الاستئناف وهو لا يزال في بداية الطريق أمام المحكمة الابتدائية ولا يعرف ما الذي تقضي به المحكمة وهل يكون له أن يستأنف الحكم أو لا يستأنفه ومن يستأنفه له وهل لديه من الآن ما يلزمه للسير في الاستئناف من مستندات ومؤونة. لا يمكن لذلك اعتبار المدّعي أو المدّعى عليه متنازلاً عن مواعيد المسافة المتقدّمة الذكر لما يداخل ذلك من إسقاط حقوق الخصوم في مواعيد المسافة اللازمة لهم في مرحلة لما تبدأ ولما تعرف نيتهم فيها ولما يأتِ أوان استعمالها وتقدير خطرها.
وحيث إنه لذلك يكون قضاء محكمة الاستئناف بعدم قبول الاستئناف مبنياً على خطأ في تطبيق القانون.
وحيث إنه يتعين في صورة الدعوى الحالية إضافة مواعيد المسافة من محل المستأنف الأصلي إلى مقرّ محكمة الاستئناف ثم إلى محل خصومه، إلى ميعاد الاستئناف. وإذا أضيف بعضها يكون الاستئناف مرفوعاً في الميعاد في حق المستأنف عليهما.


(1) ننشر هنا تعليقاً للأستاذ محمد عبد الله محمد وكيل النيابة بالاستئناف على هذا الحكم قال: واقعة هذا الحكم خلاصتها أن مدعياً يقيم في السودان متخذاً له محلاً مختاراً مكتب محاميه في القاهرة، صدر الحكم في دعواه برفضها وأعلنه به خصمه في محله المختار، فاستأنف الحكم ولكن بعد أن كان قد مضى على تاريخ إعلانه به أكثر من ستين يوماً. فأصبح قبول استئنافه موقوفاً على الإجابة عن هذا السؤال: هل يستحق هذا المحكوم عليه ميعاد مسافة باعتبار الجهة النائية التي بها محله الأصلي مع كون الحكم المستأنف قد أعلن له في محله المختار بالقاهرة؟ محكمة استئناف مصر قضت بعدم قبول استئنافه منكرة عليه أي حق في ميعاد مسافة يضاف إلى أجل الاستئناف بسبب بعد محله الأصلي. ولكن المحكمة العليا قضت بنقض هذا الحكم وقبول الاستئناف وانتهت في حكمها بهذا إلى أن اتخاذ المحل المختار لا يؤثر على مواعيد المسافة التي تجب إضافتها إلى الآجال المقررة لطرق الطعن في الأحكام.
وهذه المسألة كما ترى لا تعدو أن تكون جزئية من جزئيات المرافعات ولكنها مع ذلك بالغة الدقة. فقد خلت النصوص من حكم لها، إذ على حين قضت المادة 355 مرافعات بأن ميعاد الاستئناف هو ستون يوماً (أو ثلاثون في المواد الجزئية) من إعلان الحكم لنفس الخصم أو لمحله الأصلي أو المعين ونصت المادة 356 على أنه يزاد على المواعيد المذكورة مواعيد المسافة، لم تفصح أيتهما عما إذا كان ميعاد المسافة تجب إضافته ولو حصل إعلان الحكم في المحل المعين. وهذا السكوت له نظيره في قانوني المرافعات المختلط والفرنسي. ولذلك اختلفت الأقيسة في هذه المسألة بما قد ترى أثره في الخلاف بين محكمتي النقض والاستئناف في القضية التي صدر فيها الحكم موضوع التعليق، وبما قد تعلم من أن الحل الذي ارتضته محكمتنا العليا يخالف ما جرت عليه غالبية أحكام محكمة الاستئناف المختلطة، ويجد له موافقاً ومعارضاً في قضاء المحاكم الفرنسية، وبخاصة في قضاء محكمة النقض والإبرام.
ولعل أقرب الآراء إلى الرأي الذي أخذت به محكمتنا العليا حكم حديث لمحكمة النقض والإبرام الفرنسية. فقد تقدم إليها طاعن يشكو من أن الحكم المطعون فيه رفض أن يضم إلى ميعاد الاستئناف ميعاد المسافة المستحق له باعتبار محله الأصلي، وذلك بحجة أن الحكم المستأنف قد أعلن إليه في محله المختار، مع أن هذا الإعلان قد حصل في قلم الكتاب وهو محل لم يختره بإرادته وإنما اختاره له القانون لعدم قيامه بتعيين محل في الجهة التي بها المحكمة.
وقد قضت محكمة النقض في هذا الطعن بقبوله ونقض الحكم وقالت: "إن المادة 422 من قانون المرافعات وإن أوجبت على الخصم الذي يحضر أمام المحكمة التجارية والذي لا يكون محله الأصلي في دائرتها أن يعين له بتلك الدائرة محلاً مختاراً وإلا صح إعلانه بالأوراق في قلم كتاب المحكمة، إلا أن أثر ذلك الوجوب مقصور على الإجراءات المتخذة أمام تلك المحكمة بالذات. وتعيين المحل المختار في دائرة تلك المحكمة أو عدم تعيينه، وما يستتبعه من جواز إعلان الأوراق إلى قلم الكتاب – كل ذلك ينقضي بمجرد الفراغ من آخر إجراء من إجراءات الدعوى الابتدائية وهو إعلان الحكم الصادر في موضوعها. وإذا كان من نتائج إعلان هذا الحكم إلى المحل المختار أن يجرى به ميعاد الاستئناف، فإن مدى هذا الميعاد وفسحته يجب تحديدهما بالنظر إلى محل المستأنف الأصلي لا إلى محله المختار. وحيث إن الحكم المطعون فيه مع استظهاره لإقامة الطاعن في الانجوا بفرنسا قد قضى بعدم قبول الاستئناف المرفوع منه في 26 يونيه سنة 1920 عن حكم صادر من محكمة الجزائر التجارية، وأعلن إليه في قلم كتاب تلك المحكمة بتاريخ 29 إبريل من تلك السنة بمقوله إن هذا الاستئناف مرفوع بعد الميعاد وهو شهر من تاريخ إعلان الحكم. وحيث إن الحكم المطعون فيه بقضائه على هذا النحو، من غير أن يتحقق من مدى وفسحة ميعاد الاستئناف بالنسبة لمحكوم عليه مقيم في فرنسا يريد رفع استئناف في الجزائر على خصم مقيم بها، قد فاته السند القانوني. لذلك تعين نقضه". (حكم 20 فبراير سنة 1928 سيري 928 – 1 – 198).
ولا غنى في عرض أطراف هذه المسألة عن إلقاء نظرة سريعة على أحكام ميعاد المسافة والمحل المختار من ناحية قانون المرافعات.
فقد نصت المادة 17 مرافعات على أنه إذا كان الميعاد معيناً في القانون فيزاد عليه يوم لكل مسافة ثماني ساعات بين محل الخصم المطلوب حضوره أو الصادر له التنبيه وبين المحل المقتضى حضوره إليه بنفسه أو بمقتضى وكيل.
وقد فهمت محكمتنا العليا من نص هذه المادة والمادة 19 أن المقصود بلفظة المحل الواردة فيهما هو المحل الأصلي "الذي يصبح هذا الخصم مضطراً إلى الانتقال منه إلى المحل المقتضى حضوره له بنفسه أو بواسطة وكيل عنه" الخ ما جاء بحكمها هذا المنشور هنا.
هذا وقد نصت المادة 75 من قانون المرافعات المصري على أنه بمجرد صدور التوكيل من أحد الخصوم يكون محل الوكيل هو المعتبر في أحوال الإعلان وما يتفرع عنها. ونصت المادة 76 على أن الخصم الذي لا يكون له وكيل ساكن بالبلدة الكائنة بها المحكمة يجب عليه أن يعين له محلاً بالبلدة المذكورة وإلا فيعتبر إعلان الأوراق صحيحاً بمجرد تسليمها على يد محضر في قلم كتاب المحكمة. وهذه المادة تقابل المادة 422 من قانون المرافعات الفرنسي الواردة في شأن الإجراءات أمام المحاكم التجارية أما الإجراءات أمام المحاكم المدنية فتتم بين الموثقين بغير تدخل الخصوم.
على أن الأفراد قد يتفقون فيما بينهم على اختيار محل لتنفيذ العقد غير المحل الأصلي. وقد نصت المادة 111 من القانون المدني الفرنسي على أن هذا المحل توجه إليه الإعلانات القضائية الخاصة بمن اتخذه كما يصح رفع الدعوى عليه فيه. ويترتب على اختيار هذا المحل: (أولاً) أن تختص محكمته بنظر ما يشجر بين الطرفين من منازعات بشأن ذلك العقد، ولو كانت تلك المحكمة غير مختصة بحسب الأصل وإلى مثل هذا أشارت الفقرة الخامسة من المادة 34 مرافعات أهلي.) (وثانياً) أن يعتبر الشخص القائم بالمحل المختار وكيلاً عن متخذه في تسلم الإعلانات القضائية الموجهة إليه من خصمه. (وثالثاً) أن يبقى المحل المختار ما بقي الاتفاق أو العقد فلا يستطيع متخذه تغييره أو تركه، ولا يتأثر بوفاته بل يتقيد به الورثة من بعده (كولان وكابيتان ج 1 ص 443 و444).
والغاية من إيجاب القانون بنص المادة 75 مرافعات على الخصوم اتخاذ محل مختار في الجهة التي بها المحكمة لا تخفى. فإنه كما قالت محكمة النقض المصرية قد قصد أن ييسر على الخصوم "تبادل إعلان الأوراق اللازمة لسير الدعوى بغير إضافة مواعيد المسافة التي يستحقها كل منهم عند إعلانه ورقة لخصمه، مفترضاً رضاءهم بهذا تحقيقاً لمصلحة مشتركة واحدة هي الإسراع في التداعي على قدم التساوي بينهم وإبلاغ الأمر فيه إلى غايته من الحكم في الدعوى". وإذن فكافة ما يلي ورقة افتتاح الدعوى يجوز إعلانه إلى المحل المختار حقيقة أو حكماً (أي قلم الكتاب) سواء أكان المقصود منه (أي الإعلان) حضور الخصم أم استحضاره أو مثوله أمام الخبير أو في المعاينة أو لدى القاضي المحقق أو إعلانه بتعديل الطلبات أو بمذكرات، بغير إضافة ميعاد مسافة إلى ما كان ينبغي إضافته إليه من المواعيد فيما لو حصل الإعلان إلى المحل الأصلي.
كذلك يصبح هذا المحل في مقام المحل الأصلي في إعلان ما يصدر في الدعوى من قرارات تحضيرية أو تمهيدية وأحكام فرعية أو موضوعية، سواء أقصد من الإعلان التحضير للتنفيذ أم الاستعداد أو سريان ميعاد الطعن فيه بالاستئناف أو النقض (يراجع جلاسون وتيسييه ج 2 ص 559).
إلا أن إعلان الحكم الصادر في موضوع الدعوى إلى المحل المختار – طبقاً للمادة 75 مرافعات – يختم دور هذا المحل وتنقضي به مهمته ويصبح القائم به ولا صفة له في تسلم ما يعلن إليه مما يتلو ذلك من الأوراق المتعلقة بالخصم الذي اتخذه. وذلك لانتهاء المرحلة القضائية التي حصل من أجلها اختياره (تعليق مجلة سيري على حكم محكمة النقض الصادر في 20 فبراير سنة 1928 المشار إليه والمراجع المذكورة فيه وكاريه وشوفو ج 3 مسألة 517 أ تانيه وليون كان ورينو شرح القانون التجاري طبعة 4 ج 1 ص 558).
وتفريعاً على ذلك قالوا إن عريضة الاستئناف الموجهة إلى خصم لم يكن اتخذ محلاً مختاراً لا يجوز إعلانها إلى قلم الكتاب عملاً بالمادة 75 و422 مرافعات (المراجع المتقدمة جلاسون وتيسييه ج 2 ص 558).
كذلك على أساس زوال المحل المختار بحصول إعلان الحكم الصادر في الدعوى التي اختير فيها قالوا بعدم اعتباره في حساب ميعاد الاستئناف الذي يجب أن يحسب على تقدير أن المستأنف ليس له إلا محل واحد هو محله الأصلي، لأنه وإن يكن الإعلان للمحل المختار يبدأ به الميعاد قانوناً إلا أنه في نفس اللحظة ينتهي به اختيار المحل المختار ولا يصبح له بعده وجود. ولذلك لا يمكن عند النظر في إضافة ميعاد مسافة إلى أجل الاستئناف أن تسند تلك المسافة إلا إلى المحل الأصلي لعدم وجود محل آخر يزحمه أو يقاسمه (يراجع حكم محكمة النقض الفرنسية السابق الذكر وتعليق سيري عليه وموريل شرح قانون المرافعات ص 551 هامش 1).
ولقد أشارت محكمتنا العليا إلى هذا المعنى في الحكم موضوع التعليق: "وحيث إنه لا يغير من ذلك كون إعلان الحكم الابتدائي إلى المدعي المحكوم برفض دعواه قد حصل في مكتب محاميه الذي حضر منتدباً عنه أمام المحكمة الابتدائية الخ".
ومع ذلك فقد ركزت محكمتنا العليا حجتها الكبرى في تأييد الرأي الذي قررته في قولها: "إن تعيين المحل المختار في أية مرحلة من مراحل التقاضي لا يعتبر مع ذلك تفويضاً للقائم بهذا المحل من محامٍ أو قلم كتاب أو غيره بعمل الطعون في مواعيدها الخ".
هذا وإذا كان المحل المختار تطبيقاً لنص المادتين 75 و76 مرافعات لا تأثير له على أجل الاستئناف وإطالته بمواعيد المسافة مقدرة باعتبار المحل الأصلي، فإن المحل المختار اتفاقاً – أي على النحو الذي أشارت إليه المادة 111 مدني فرنسي – باقٍ لا يزول بإعلان الحكم فيه. ولذلك كان له شأن آخر، إذ يكاد فقهاء المرافعات الفرنسيون يجمعون على أن هذا المحل هو بمنزلة المحل الأصلي تماماً. ولذلك يتعين احتساب ميعاد المسافة اعتباراً منه لا من المحل الأصلي. فإذا كان المحل المختار في دائرة المحكمة الاستئنافية فلا يضاف ميعاد مسافة البتة بطبيعة الحال بشرط أن يكون المستأنف عليه مقيماً في تلك الدائرة (جارسونيه وسيزار برو ج 2 ص 143، وهامش 3 وموسوعة داللوز ج 7 ص 758 نبذة 8، وكاربنتيه تحت كلمة (Ajournement) بند 367، وتعليقات سيري على قانون المرافعات تأليف تيسييه شرح المادة 1033 بند 48 و49). أما جلاسون وتيسييه فهما من هذا الرأي وإن لم يكتما أن المسألة لا زالت في نظرهما دقيقة جداً وأنه قد يتغير الحل فيها بحسب تفسير الاتفاق الحاصل به تعيين المحل المختار (جلاسون وتيسييه ج 1 ص 372 والمراجع المشار إليها فيه، وحكم محكمة النقض الصادر في أول أغسطس سنة 1927 سيري 1927 – 1 – 326، وفهرست سيري العشري الثالث تحت كلمة محل مختار نبذة 3 والفهرست الثامن نبذة 2).
لم يشذ عن هذا الرأي إلا شوفو وكاريه وبعض أحكام أشار إليها هذان المؤلفان اللذان ردا على الرأي المتقدم بما يأتي: "ليكن من آثار تعيين المحل المختار أن تصح فيه الإعلانات وأن يتقرر به لمحكمته الاختصاص بنظر الدعوى، إذ أن ذلك مما قضى به القانون، وعلى الخصوم أن يتوقعوه ولا يفوتهم حسابه، وليس فيه ما يمس بحقوق الدفاع وما لها من قداسة. لكن من غير المحقق أن يكون الخصم الذي اتخذ المحل المختار قد فوض إلى القائم به أن يدافع عنه وأن يكون قد زوده بالتعليمات والمستندات اللازمة لذلك الدفاع، بل الراجح أن يكون الخصم قد احتفظ لنفسه بهذا المهمة مطمئناً إلى أن وكيله سيحيل إليه كل ما سلم إليه من الإعلانات. ينبغي أن يكون الخصم قد علم بالهجمة أو الصدمة التي لحقته من الحكم عليه مثلاً وأن يخف هو إلى ردها، فأين نجده؟ أفي المحل المختار الذي لا وجود له فيه بطبيعة الحال؟ لا يمكن وجوده إلا في محله الأصلي. وإذن ألا يجب أن يعطى له الوقت اللازم ليصل؟ وأن تلاحظ المسافة التي تفصل محله الأصلي عن المحكمة؟" (ج 1 ص 370 مسألة 326).
وقد قضت محكمة استئناف باريس بأنه إذا كان في الاتفاق على المحل المختار ما يتضمن تنازل الطرفين عن المواعيد التي يحق لهما إضافتها إلى مواعيد الحضور، فإن هذا لا يمكن أن يترتب على اتخاذ ذلك المحل عملاً بنص القانون. ولذلك يجب أن تحتسب مواعيد التكليف بالحضور باعتبار المحل الأصلي للخصم (باريس 30 إبريل سنة 1908 سيري 1909 – 2 – 42). وقد انتقد هذا الحكم لأنه يضيع الفائدة من إيجاب القانون لاتخاذ المحل المختار، ولأن المحل المختار ما دام قائماً فحكمه واحد سواء أكان اتخاذه نتيجة الاتفاق أو نتيجة العمل بنص القانون (يراجع تعليق سيري على هذا الحكم).
وخلاصة الرأي في فرنسا – كما يبدو لنا – هي أنه متى كان المحل المختار قائماً موجوداً إلى جانب المحل الأصلي ووجه إليه الإعلان فلا يستحق الخصم، سواء للرد عليه أو للطعن، ميعاد مسافة باعتبار محله الأصلي. ولا يهم أن يكون هذا المحل قائماً بحكم العقد أو بحكم القانون. ولذلك قضت محكمة النقض الفرنسية بعدم امتداد ميعاد المعارضة بسبب بعد محل المعارض ضده متى كان متخذاً له محلاً مختاراً في دائرة المحكمة التي أصدرت الحكم وكانت المعارضة قد أعلنت في الواقع إلى المحل المختار (أول أغسطس سنة 1927 سيري 1927 – 1 – 326). أما إذا زال المحل المختار بالحكم في الدعوى وإعلانه فلا يكون عندئذٍ للخصم إلا محل واحد هو محله الأصلي ووجب أن تحسب على أساسه مواعيد الطعن والحضور.
أما القضاء المختلط فقد ذهبت أغلبية أحكامه إلى عدم إضافة مواعيد المسافة إلى أجل الاستئناف متى كان الحكم معلناً في المحل المختار. ففي قضية أعلن فيها الحكم للمحكوم عليه المقيم في إيطاليا إلى محله المختار لدى محاميه القاطن بالإسكندرية قضت محكمة الاستئناف بعدم إضافة ميعاد مسافة إلى ميعاد الاستئناف، وقررت أنه إذا حصل إعلان الحكم إلى المحل المختار وجب حساب الميعاد باعتبار ذلك المحل وحده لا المحل الأصلي وإلا لضاعت حكمة اختيار المحل، وقالت إنه "إذا كان من العدل أن يعطى للخصم المقيم في الخارج فرصة يحضر فيها بشخصه أو يختار فيها وكيلاً فمن العدل كذلك أن يعتبر هذا الخصم بمجرد اختياره لوكيله أنه قد فوض له أن يعمل لمصلحته لا سيما فيما يتصل بالإجراءات التي تحفظ حقه من السقوط. وإذا كان المحامي الذي حصل في مكتبه الإعلان غير موكل إلا في الدعوى الابتدائية فقد كان له أن يرفض استلام الإعلان. أما إذا تسلمه وقبله فقد أقر بأنه قد وكل من قبل موكله في رفع الاستئناف!" (حكم 22 إبريل سنة 1926 منشور في التشريع والقضاء س 38 ص 360 – 361). وفي حكم آخر مطول صدر في 12 يونيه سنة 1917 قررت محكمة الاستئناف هذا الرأي واحتجت له بأنه هو الذي دأب عليه القضاء المختلط من عهد إنشائه وأنه هو الذي يدل عليه مفهوم نص القانون، فإنه إذ نص على أن ميعاد الاستئناف يبدأ من تاريخ إعلانه إلى المحل الأصلي أو المختار وعلى إضافة ميعاد مسافة إليه، كان المتبادر من ذلك أن يحسب الميعاد من المكان الذي حصل فيه الإعلان بحيث إذا كان هو المحل المختار فلا تضاف مواعيد مسافة. وكذلك احتج الحكم بأن الأخذ بالرأي المخالف يعطل سير الدعاوى والفصل فيها لا سيما في المسائل التي يحتاج نظرها إلى السرعة والاستعجال كدعاوى الاستحقاق والشفعة والتوزيع وغير ذلك مما لاحظه المشرع بتقصير آجال الطعون فيه (يراجع هذا الحكم في التشريع والقضاء سنة 29 ص 491، وتراجع الأحكام التي استشهد بها).
ومع ذلك فقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بخلاف هذا الرأي في حكمها الصادر في 8 إبريل سنة 1920 مقررة أنه يتعين إضافة ميعاد مسافة إلى ميعاد الاستئناف ولو حصل إعلان الحكم إلى المحل المختار. وقد ارتكنت المحكمة في ذلك على ما فهمته من حكم الدوائر المجتمعة الصادر في 16 يونيه سنة 1917 والذي قضى بوجوب إضافة مواعيد المسافة إلى كل مواعيد الاستئناف (يراجع حكم الدوائر المجتمعة في التشريع والقضاء سنة 29 ص 513، ويلاحظ أن الاستدلال به في المسألة التي نحن بصددها غير قاطع. ويراجع حكم 8 إبريل سنة 1920 في التشريع والقضاء سنة 32 ص 261).
ولعل القارئ لاحظ أن حجة الأحكام المختلطة التي صدرت بالرأي المخالف تقوم في الأغلب على الاعتبار العملي وما يقتضيه من تقريب آجال الفصل في الخصومات والإسراع في فضها توطيداً للحقوق وتأميناً للمعاملات. على أن دليل هذه الأحكام من القياس والنظر الفقهي غير ظاهر. فمع أنها قد آست بين المحل المختار والمحل الأصلي في كل وجه كما هي النظرية الفرنسية نجد أنها لم تأخذ من هذه النظرية بنتيجتها المنطقية وهي جعل ميعاد المسافة رهناً بقيام المحل المختار أو زواله، فيحرم منه المستأنف إذا كان إعلان الحكم لا يؤثر على وجود المحل المختار، ويمنحه متى انقضى ذلك المحل وزال وجوده القانوني بإعلان الحكم الابتدائي فيه.
ومع ذلك فيبدو أن رد المسألة إلى أحكام الوكالة كما فعلت محكمتنا العليا هو الأشبه بالصواب، إذ على تحديد مراد الخصم من اختيار المحل ومقدار ما خوله للقائم به من سلطة واختصاص يتوقف إلى حد بعيد الحل الذي ينبغي أن تحل به المسألة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات