الطعن رقم 45 سنة 7 ق – جلسة 09 /12 /1937
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 201
جلسة 9 ديسمبر سنة 1937
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة باشا ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك المستشارين.
القضية رقم 45 سنة 7 القضائية
دعوى تثبيت ملكية. دفعها بعقود بيع وفائي أو بات صادرة من مورّث
المدعين غير مسجلة. الطعن في هذه العقود بأنها عقود تستر رهناً. وجوب بحث العقود موضوعاً
وتعرّف حقيقتها. عدم خضوع هذه الحالة لقانون التسجيل.
إذا كان النزاع أمام محكمة الموضوع محصوراً في تكييف العقود التي يتمسك بها المدعى
عليه في الرد على دعوى المدعي تثبيت ملكيته لما جاء فيها، هل هي عقود بيع جدّي من شأنه
أن ينقل الملكية للمدعى عليه أو أنها عقود رهن حررت في صورة بيع وفائي أو بيع بات،
فإن هذا النزاع لا يخضع لأحكام قانون التسجيل وإنما يفصل فيه ببحث هذه العقود موضوعاً
لتعرّف حقيقة الأمر فيها، فإن تبين أنها عقود رهن لا بيع كان المدّعي محقاً في دعواه.
والحكم بعدم قبول هذه الدعوى تأسيساً على القول بأن محل النظر في حقيقة هذه العقود
لا يكون إلا عندما يرفع المتمسك بها دعوى صحة التعاقد فيها أو دعوى تثبيت الملك بناءً
عليها أو عندما ترفع عليه ممن صدرت منه دعوى ببطلانها لأي سبب آخر غير ثبوت الملك –
الحكم بذلك على هذا الأساس خاطئ ولا يوجد له أي سند في القانون.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن
مذكرة الطاعنات – في أنه بموجب عقد عرفي غير مسجل مؤرّخ في أوّل يوليه سنة 1919 باع
ميخائيل جرجس مورّث المدّعى عليهم في الطعن عدا الأخير إلى أخويه إسحق جرجس وإبراهيم
جرجس مورّثي الطاعنات ثمانية أفدنة شائعة في 72 فداناً. وهذا العقد صار ثابت التاريخ
لأن ميخائيل ملطي أحد الشهود الذين وقعوا عليه توفي في 3 يوليه سنة 1923؛ نازع المدّعى
عليهم في الطعن الطاعنات في ملكيتهم للثمانية الأفدنة المذكورة فرفعن عليهم الدعوى
رقم 195 سنة 1934 أمام محكمة المنيا الابتدائية طلبن فيها تثبيت ملكيتهن لهذا القدر
المبين الحدود بصحيفة افتتاحها مع تسليمه إليهن وإلزام المدّعى عليهم بالمصاريف وأتعاب
المحاماة بحكم مشمول بالنفاذ المؤقت وبلا كفالة. وفي 9 فبراير سنة 1935 أدخل المدّعيات
سمعان بطرس أفندي المدّعى عليه الأخير خصماً في الدعوى ليكون الحكم في مواجهته مع باقي
المدّعى عليهم لأنه ينازعهن في جزء من الأطيان موضوع النزاع. وقد دفعت الست شفيقة هذه
الدعوى بأن إبراهيم جرجس أحد المشترين باع لها فداناً و12 قيراطاً بيعاً وفائياً بمقتضى
عقد مؤرّخ في 5 يوليه سنة 1922 وثابت التاريخ في 21 إبريل سنة 1924 لمدّة ثلاث سنوات
تنتهي في 3 يونيه سنة 1925، وأنها أصبحت مالكة لهذا القدر، وأن إبراهيم جرجس المذكور
باع فداناً إلى ميخائيل جرجس مورّثها بعقد تاريخه 22 سبتمبر سنة 1923 كما أن إسحق جرجس
باع لمورّثها 18 قيراطاً بيعاً وفائياً بعقد تاريخه 19 نوفمبر سنة 1924 لمدّة ثلاث
سنوات تنتهي في غاية أكتوبر سنة 1927 وطلبت أصلياً رفض دعوى الطاعنات واحتياطياً استبعاد
3 فدادين و6 قراريط التي خرجت من الثمانية الأفدنة بالعقود سالفة الذكر والحكم للمدّعيات
بالباقي وهو 4 فدادين و18 قيراطاً. وأما المدّعيات فقلن إن التصرفات المنسوب صدورها
من مورّثيهنّ إلى الست شفيقة وإلى زوجها ميخائيل جرجس، فإنه رغماً عن أنها غير مسجلة
وأنها لا تنشئ حقاً عينياً، فإن عقدي البيع الوفائي باطلان لأنهما يستران رهناً. ومحكمة
المنيا حكمت في 30 مايو سنة 1935 في غيبة سمعان بطرس وحضورياً لباقي الخصوم بتثبيت
ملكية المدّعيات إلى 4 فدادين و18 قيراطاً الباقية من الثمانية الأفدنة المبينة بعقد
البيع المقدّم منهنّ بعد أن يستبعد منها 3 فدادين و6 قراريط المبينة في العقود الثلاثة
المقدّمة من الست شفيقة ميخائيل، وألزمت المدّعى عليهم بتسليم ذلك القدر مع ثلثي المصاريف
و200 قرش أتعاب محاماة ورفضت طلب النفاذ. وبنت حكمها على أن المدّعيات ليس لهنّ أن
يعبن على هذه العقود بعدم تسجيلها لاعترافهنّ بصدورها من مورّثيهنّ ووضع يد المدّعى
عليهم على الأطيان المتنازع عليها.
استأنف المدّعيات هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر وطلبن للأسباب الواردة بصحيفة الاستئناف
المعلنة بتاريخ 3 يونيه سنة 1936 الحكم بإلغاء الحكم الابتدائي فيما قضى به من رفض
ملكيتهن إلى القدر البالغ مساحته 3 فدادين و6 قراريط الوارد بعقود البيع الثلاثة والحكم
لهنّ بثبوت ملكيتهن إلى هذا القدر ليتم لهنّ بذلك ملكية الثمانية الأفدنة المبينة الحدود
بصحيفة الاستئناف مع الحكم على المستأنف ضدّهم بتسليم هذا القدر وإلزامهم بالمصاريف
وأتعاب المحاماة عن الدرجتين. وقيد استئنافهنّ بجدول المحكمة المذكورة برقم 875 سنة
53 قضائية، وبنين استئنافهن على أن محكمة أوّل درجة أخطأت في استبعاد 3 فدادين و6 قراريط
موضوع العقود الثلاثة لأن هذه العقود لم تكن مسجلة ولا ثابتة التاريخ قبل العمل بقانون
التسجيل فهي لا تنشئ إلا التزامات شخصية، وهذه الالتزامات سدّدها المستأنفات بالكامل
وأصبحت ذمتهنّ بريئة منها.
ومحكمة الاستئناف بعد أن سمعت الدعوى حكمت فيها بتاريخ 19 يناير سنة 1937 حضورياً بالنسبة
للمستأنف ضدّها الست شفيقة ميخائيل وغيابياً للباقين بقبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً
وتأييد الحكم المستأنف وإلزام المستأنفات بالمصاريف و500 قرش مقابل أتعاب المحاماة
للسيدة المذكورة.
لم يعلن هذا الحكم للطاعنات، ولكنهنّ قرّرن بالطعن فيه بطريق النقض بتقرير مؤرّخ في
23 مايو سنة 1937 أعلن في 2 يونيه سنة 1937 للمدّعى عليهم الثالثة والرابعة والسادس،
ولم يعلن باقي المدّعى عليهم بتقرير الطعن. وقدّمت الطاعنات مذكرتهن في الميعاد، ولم
يقدّم أحد ممن أعلن من المدّعى عليهم شيئاً، وقدّمت النيابة مذكرتها في 28 سبتمبر سنة
1937
وتحدّد لنظر الطعن جلسة اليوم وفيها سمعت المرافعة على الوجه المبين بمحضر الجلسة ثم
صدر الحكم الآتي:
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
حيث إن الطعن قائم الآن بين الطاعنات وبين من أعلن من المدّعى عليهم بتقرير الطعن دون
غيرهم ممن لم يعلنوا به فيتعين قصر النظر فيه على هذا الاعتبار.
وحيث إن هذا الطعن قدّم صحيحاً في الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلاً.
وحيث إن محصل وجه الطعن أن الطاعنات لما رفعن دعواهن بطلب ثبوت ملكيتهنّ إلى ثمانية
أفدنة دفع المدّعى عليهم الدعوى مستندين إلى ثلاثة عقود غير مسجلة صادرة لهم من مورّثي
الطاعنات فقلن عنها إنها عقود رهن باطلة ووصفها المدّعى عليهم أنها عقود بيع، فلم تفصل
محكمة الاستئناف في صحة أو بطلان هذه العقود قائلة إنه ما دامت أنها صادرة من مورّثي
الطاعنات وهي غير مسجلة فلا يقبل منهنّ أن يطعن عليها بالبطلان في الدعوى التي رفعنها
بطلب ثبوت الملكية، معللة ذلك بأن البائع أو وارثه لا يملك طلب ثبوت ملكيته لما باع
وأن محل النظر في صحة أو بطلان هذه العقود إنما يكون عندما يرفع من يتمسك بها دعوى
صحة التعاقد أو دعوى ثبوت الملكية بعد حصول التسجيل أو أن يرفع البائع دعوى مستقلة
بطلب بطلانها لأي سبب قانوني خلاف ثبوت الملكية. وتقول الطاعنات إن عدم فصل محكمة الاستئناف
في هذا الدفع استناداً إلى تلك الأسباب التي ذكرتها جاء مخالفاً للقانون فضلاً عن أنه
يعتبر قصوراً يعيب الحكم. ومن أجل ذلك طلبن نقض الحكم المطعون فيه.
وحيث إنه تبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه بعد أن أتى على ذكر وقائع الدعوى
وعلى العقود التي يستند إليها كل من طرفي الخصومة ذكر ما دفعت به الست شفيقة من أنه
لا يصح للبائع ولا لورثته أن يطلب لنفسه تثبيت ملكيته لما باع استناداً على العقود
غير المسجلة الصادرة من مورّثي الطاعنات لها، وذكر الحكم ردّ الطاعنات على هذا الدفع
بما حاصله أن عقدي بيع الوفاء إن هما إلا عقدان يستران رهناً وأنهما لهذا السبب باطلان
– بعد أن ذكر الحكم ذلك قرّر أنه طالما أن العقد لم يسجل فلا يقبل من المشتري ولا من
وارثه أن يطلب ثبوت الملكية لما اشتري إلا بعد التسجيل كما أنه لا يقبل من البائع أن
يطلب تثبيت ملكيته لما باعه لخروج العين المبيعة عن ملكه فضلاً عن أنه ملزم قانوناً
بنقل الملكية للمشتري فلا يجوز له أن يطلب الملكية لنفسه وهو ضامن لها. وطبق هذه القاعدة
على عقد شراء الطاعنات فقال إنه ما دام أنه ثابت التاريخ قبل العمل بقانون التسجيل
فهو ناقل للملكية. وأما بالنسبة للعقود التي تستند إليها الست شفيقة فقد اعتبرها عقوداً
ناقلة للملكية من غير أن يبحث في طعن الطاعنات عليها فذكر ما يأتي: "إن المشترين قد
تصرفوا في 3 فدادين و6 قراريط منها إلى المستأنف ضدّها الثالثة ومورّثها بالبيع الوفائي
والبيع البات فلا يجوز للمستأنفين وهم خلفاء للبائعين (مورّثيهم) أن يطالبوا بثبوت
ملكيتهم لهذا القدر لأنه خرج من ملكية مورّثيهم بالعقود الثلاثة السابق بيانها؛ ولا
محل لأن تنظر هذه المحكمة صحة أو بطلان هذه العقود ما دامت دعوى ملكية المستأنفين لهذا
القدر غير مقبولة على هذا الشكل، ولكن محل النظر في هذه العقود عندما ترفع المستأنف
ضدّها الثالثة أو أصحاب هذه العقود طلب صحة التوقيع أو التعاقد تمهيداً لتسجيلها أو
متى حصل تسجيلها وطلب أصحابها ملكيتهم للقدر الوارد فيها أو عندما يرفع المستأنفون
(الطاعنات) دعوى ببطلان هذه العقود لأي سبب قانوني آخر خلاف تثبيت الملكية".
وحيث إن النزاع الذي انحصر أمام محكمة الموضوع هو فيما إذا كانت العقود الثلاثة مع
صدورها من مورّثي الطاعنات وعدم تسجيلها هي عقود نافذة ومن شأنها نقل الملكية بحسب
وصفها أو هي عقود وإن وصفت بأنها عقود بيع وفائي أو بيع بات فإنها تستر رهناً باطلاً.
ومثل هذا النزاع مما لا يحل بقواعد قانون التسجيل كما ذهب لذلك الحكم المطعون فيه وإنما
يحل ببحث هذه العقود موضوعاً واستظهار ما تؤول إليه عند تعرّف حقيقتها، فإن ثبت أنها
عقود رهن كان للطاعنات أن يطلبن ثبوت ملكيتهن للأعيان الواردة فيها، وإن لم يثبت ما
ادعينه يحكم برفض دعواهنّ، ولذلك يكون الحكم المطعون فيه متعين النقض لخطئه في القانون.
