الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 86 سنة 6 ق – جلسة 22 /04 /1937 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 151

جلسة 22 إبريل سنة 1937

برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة باشا ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك المستشارين.


القضية رقم 86 سنة 6 القضائية

( أ ) وقف. أبديته. وجوب المحافظة عليها. وجوب نزعه من تحت يد من يجحده أو من يخشى عليه منه. واقف. مستأجر محتكر. أي شخص آل إليه الوقف بتصرف ناقل للملك ولو كان مغروراً أو سليم النية.
(ب) نقض وإبرام. قاعدة شرعية. وجوب الأخذ بها. مخالفة الحكم لمقتضاها. نقضه.
1 – إن القواعد الشرعية تقضي من جهةٍ بوجوب المحافظة على أبدية الأموال الموقوفة لتبقى على حالها على الدوام لا ملكية فيها لأحد من الأفراد وغير قابلة لأن يتملكها أحد من الأفراد كذلك، وتقضي من جهة أخرى بوجوب نزع هذه الأموال ممن يجحد وقفها أو يدّعي ملكيتها أو يخاف منه على رقبتها، سواء أكان هو الواقف أم المتولي على الوقف أم المستأجر أم المحتكر أم من آلت إليه بتصرف من التصرفات الناقلة للملك ولو كان مغروراً أو سليم النية. وذلك لأن الأعيان الموقوفة محبوسة عن التصرفات لا يجوز فيها بيع ولا هبة ولا رهن ولا وصية ولا إرث. والواقف وذريته وناظر الوقف والمستحقون فيه والمستأجرون لأعيانه والمستحكرون له وورثتهم، مهما تسلسل توريثهم وطال وضع يدهم بهذه الصفات، لا يستطيع أيهم أن يمتلك العين بالمدّة الطويلة، ولا يقبل من أيهم أن يجحد الوقف أو يدّعي تملكه بالتقادم لأنهم جميعاً مدينون له بالوفاء لأبديته. وكل ما يصدر عنهم من ذلك يعدّ خيانة تقتضي نزع عين الوقف من يده.
2 – إذا خالفت المحكمة حكماً من أحكام الشرع كان من الواجب الأخذ به في الدعوى فإن حكمها يكون مخالفاً للقانون متعيناً نقضه.


الوقائع

تتضمن وقائع الدعوى – على ما يؤخذ من حكم محكمة مصر الابتدائية في 2 يونيه سنة 1935 في القضية رقم 2428 سنة 1931 وحكم محكمة استئناف مصر في 30 يونيه سنة 1936 في الاستئناف رقم 1033 سنة 52 قضائية ومن باقي المستندات والأوراق المقدّمة لهذه المحكمة وكانت مقدّمة من قبل لمحكمة الاستئناف – في أن الطاعن الشيخ عبد المقصود أبو مندور بصفته ناظراً على وقف المرحومة الست زينب خاتون بنت عبد الله البيضاء معتوقة إسماعيل بك الكبير رفع على الست حفيظة بنت أبو زيد (مورّثة المدّعى عليه في الطعن) دعوى أمام محكمة مصر الشرعية قيدت بجدولها برقم 240 سنة 1929 – 1930 ادعى فيها أن المدعى عليها مغتصبة لمكان خرب من الأعيان الجارية في وقف المرحومة الست زينب بنت خاتون كانت أجرته إلى المرحوم الشيخ أبو زيد طنطاوي القباني خمسين سنة تنتهي في سنة 1328 هجرية بحجة شرعية مؤرّخة في 19 ذي الحجة سنة 1278 هجرية، وطلب الحكم بإلزامها برد العين المذكورة لجهة الوقف، فعينت المحكمة خبيراً لتطبيق كتب الوقف على الطبيعة ولبيان واضع اليد وأخذ أقوال من يرى أخذ أقواله والاطلاع على مستندات الطرفين. وقد باشر الخبير مأموريته وقدّم تقريره متضمناً أن القدر المتنازع عليه وارد بكتب الوقف وأن المدعى عليها وضعت يدها عليه بطريق الشراء من ذرّية الشيخ أبو زيد طنطاوي القباني بموجب العقود المقدّمة منها، وأنها قد أنشأت عليه منذ سنة واحدة منزلاً من دور واحد. ولدى المرافعة دفعت المدعى عليها بعدم اختصاص المحاكم الشرعية بنظر الدعوى، ولاحظت في مذكرتها التي قدّمتها بعض ملاحظات على تقرير الخبير، فحكمت المحكمة الشرعية بتاريخ 9 مايو سنة 1931 برفض الدفع بعدم الاختصاص، وبإلزام المدعى عليها بتسليم المدعي الأرض المبينة بالدعوى ليحوزها لجهة الوقف. فاستأنفت المدعى عليها هذا الحكم لدى المحكمة العليا باستئناف قيد في جدول تلك المحكمة برقم 154 سنة 1930 – 1931، فحكمت فيه المحكمة العليا بتأييد الحكم المستأنف، وذلك في 6 أكتوبر سنة 1931؛ غير أن الست حفيظة المدّعى عليها المذكورة قد كانت رفعت على خصمها ناظر الوقف لدى محكمة مصر الابتدائية الأهلية دعوى أعلنت له في 13 يوليه سنة 1931 وقيدت بجدولها برقم 2428 سنة 1931 كلي مصر طلبت في الحكم بتثبيت ملكيتها لأرض وبناء المكان المتنازع فيه المتقدّم الذكر مستندة في ذلك إلى عقود الشراء الصادرة لها من ورثة المستأجر الشيخ أبو زيد طنطاوي وإلى وضع يدها المدّة الطويلة المكسبة للملك. ولما دفع ناظر الوقف بأن المدّعية هي إحدى ورثة المستأجر المذكور وأنها لا تستطيع قانوناً تملك العين المؤجرة بمضي المدة قرّرت المحكمة بتاريخ 14 فبراير سنة 1933 وقف السير في الدعوى حتى يقدّم المدعى عليه إعلاماً شرعياً بثبوت وراثة المدعية إلى أبي زيد طنطاوي.
استأنفت المدّعية هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر في 10 ديسمبر سنة 1932 وذكرت في صحيفة استئنافها أن الحجة الشرعية المحرّرة في 19 ذي الحجة سنة 1278 هي حجة تحكير، وأن الحكر بحسب طبيعته حق عيني ينصب على جزء من أجزاء الملكية الأصلية وهو حق الانتفاع. ولهذا السبب تعتبر يد المستحكر يد مالك، ويجوز تبعاً لذلك أن يكتسب حق الحكر بمضي المدّة، كما يجوز أن يتقادم هذا الحق لدى المحتكر بمضي المدّة فيزول عنه التزامه بدفع الجعل المقرّر ويصبح مالكاً للعقار غير منقوص منه شيئاً إذا لم يطالبه المحكر بالجعل طول مدّة التقادم. ومن حيث إن الوقف المذكور قد أهمل المطالبة بالجعل من يوم إنشاء الحكم لغاية الآن فلا حق له بعد أن سقط حقه في المطالبة بمضي المدّة أن ينازع المستأنفة في ملكية هذه العين سواء أكانت وارثة لأبي زيد طنطاوي أم غير وارثة. ولهذا قد قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف الصادر بوقف السير في الدعوى بغير أن تتعرّض لجوهر النزاع بين الطرفين.
وأثناء قيام هذه القضية أمام محكمة مصر الأهلية رفع ناظر الوقف (الطاعن) على الست حفيظة خليل المذكورة (المدعية) أمام محكمة مصر الابتدائية الشرعية دعوى قيدت بجدولها رقم 97 كلي سنة 1931 – 1932، ادعى فيها أن المدعى عليها اغتصبت أرض الوقف وأنشأت عليها منزلاً مكوّناً من دور واحد، وأن رفع هذا البناء مما يضر بجهة الوقف، وأنه طالبها بتملكه بأقل قيمتيه مقلوعاً وغير مقلوع فامتنعت. ولذلك طلب الحكم له عليها بذلك. فدفعت المدّعى عليها قبل الجواب عن الدعوى بعدم اختصاص المحكمة بنظرها لأنها جزء من الدعوى المطروحة أمام محكمة مصر الأهلية قبل رفع هذه الدعوى الشرعية وتقرر فيها وقف السير حتى يقدّم المدعي ما طلب وقف السير من أجله، فقررت المحكمة ضم هذا الدفع للموضوع. فدفعت بأنها وضعت اليد على هذه العين بصفتها مالكة لها بمقتضى عقود رسمية مسجلة، وطلبت عدم سماع الدعوى، فقررت المحكمة ضم هذا الدفع الثاني للموضوع واعتبرت منكرة للدعوى الأصلية. ثم حكمت المحكمة بندب خبير لمعاينة المنزل موضوع النزاع وتقدير قيمة البناء المقام على أرض الوقف قائماً مستحقاً للهدم وقيمة أنقاضه مقلوعة ومهدومة بالفعل. وبعد أن قدّم الخبير تقريره طلب المدعي الحكم لجهة الوقف بتملكه العقار المذكور بقيمته مقلوعاً بالفعل بالقيمة التي قررها الخبير وهي 107 جنيهات و950 مليماً. وبتاريخ 9 مايو سنة 1933 حكمت المحكمة الابتدائية الشرعية بذلك وبمنع معارضة المدعى عليها فيه ورفضت ما دفعت به بانية حكمها على أن تبعية الأرض المقام عليها بناء المنزل لجهة الوقف ثابتة بالحكم النهائي الصادر من محكمة مصر الابتدائية الشرعية بتاريخ 9 مايو سنة 1931 في القضية رقم 240 سنة 1929 – 1930، وأن المدعى عليها بنت على أرض الوقف بغير حق، وأن المنصوص عليه شرعاً وجوب رفع البناء إن لم يضر بالوقف وتملك جهة الوقف له بأقل قيمتيه قائماً مستحق القلع ومقلوعاً بالفعل إن أضر به، وعلى أن ما دفع به وكيل المدعى عليها من عدم الاختصاص وعدم السماع غير مقبول. وبتاريخ 28 يونيه سنة 1933 قدّمت المدعى عليها استئنافاً عن هذا الحكم لدى المحكمة العليا الشرعية قيد بجدولها برقم 148 سنة 1932 – 1933؛ ثم قدّم وكيلها لتلك المحكمة مذكرة بتاريخ 12 ديسمبر سنة 1933 تضمنت بيان وجهة نظره في الدفع بعدم الاختصاص والدفع بعدم السماع اللذين أبداهما أمام المحكمة الابتدائية، وتضمنت دفعاً آخر بعدم السماع محصله أن الحجة الشرعية المؤرّخة في 19 ذي الحجة سنة 1278 المقدّمة من ناظر الوقف تدل على أن الست زليخا خاتون ناظرة الوقف قد أجرت للشيخ أبو زيد القباني أرض الوقف، وأذنته بالإنشاء والعمارة والتجديد والبناء والتعلي، على أن كل ما بناه وعمره وأنشأه وجدّده يكون له ملكاً طلقاً مستحق البقاء على الدوام والاستمرار، وأن المستأجر قد بنى وأصبح المكان الموقوف منشأ ومبنياً على الصفة الواضحة بهذه الحجة، وأصبح ما جدّده ملكاً له، وعليه القيام بأجرة مثل الأرض الحاملة للبناء. وبذلك تكون الأرض التي صدر عليها الوقف من الواقفة قد أصبحت مملوكة، كما أصبحت منفعتها حقاً لغير جهة الوقف، وأن المستأنفة بنت لإحدى كريمات المستأجر، وقد تملكت البناء من باقي ذوي الصفة الذين يملكون التصرف فيه… ولذلك طلبت قبول هذا الدفع ورفض الدعوى. وقد قضت المحكمة العليا بتاريخ 23 يناير سنة 1934 برفض ما دفع به وكيل المستأنفة ورفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف بانية حكمها على أن الحكم المستأنف صحيح لصحة أسبابه، وأن ما دفع به وكيل المستأنفة من أن الدعوى غير مسموعة لأن موكلته لها حق القرار للأسباب التي ذكرها غير مقبول، لأنه تبين من الرجوع لمحاضر القضية المستأنف حكمها أنها تدعي ملكية الأرض، وذلك يناقض دعواها حق القرار بالتحكير، لأنها بدعواها الملكية وتصرفها في العين تصرف الملاك تكون غير مأمونة على الوقف فينزع منها رعاية لمصلحته حتى ولو كان لها حق القرار، ولأنه بالرجوع إلى عقد التحكير تبين أنه ليس فيه مدّة معينة، وثبت من تقرير الخبير أن البناء قد زال، فعقد التحكير لا يوجب حق القرار في هذه الحالة كما تقضى بذلك كله النصوص الشرعية.
رأى ناظر الوقف بعد صدور هذا الحكم الشرعي وبعد صدور حكم محكمة استئناف مصر الأهلية بإلغاء الحكم المستأنف القاضي بإيقاف السير في الدعوى الأهلية المتقدّمة الذكر أن يحركها لجلسة التحضير. ثم أحيلت للمرافعة جلسة 11 يناير سنة 1935 وفيها قصرت المدعية طلباتها على طلب الحكم بملكية البناء وحق منفعة الأرض التي أقيم عليها على أساس أن لها حق الحكر (أي بمقتضى الحجة المؤرّخة في 19 ذي الحجة سنة 1278). فدفع المدعى عليه (ناظر الوقف) بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها من المحكمة الشرعية، وطلبت المدّعية الحكم برفض هذا الدفع، لأن حكم المحكمة الشرعية لا يحوز قوّة الشيء المحكوم به في النزاع المطروح لأنها ليست لها ولاية فيه إطلاقاً. ومن ثم كان حكمها صادراً فيما لا تملك الفصل فيه.
وبتاريخ 2 يونيه سنة 1935 حكمت محكمة مصر الابتدائية الأهلية برفض الدفع الفرعي وجواز نظر الدعوى، وفي الموضوع برفض دعوى المدعية وإلزامها بالمصاريف و500 قرش مقابل أتعاب المحاماة بانية حكمها على أن المحاكم الأهلية هي وحدها المختصة بالنظر في مثل الدعوى الحالية، وأن عليها هي أن تمضي في نظر الموضوع بغير التفات إلى ما عسى أن تكون المحكمة الشرعية قد قضت فيه، وعلى أن المدعية قد ارتكبت خيانات موجبة لسقوط الاستحكار.
وبتاريخ 11 سبتمبر سنة 1935 استأنفت المدعية هذا الحكم الصادر برفض دعواها لدى محكمة استئناف مصر طالبة إلغاءه والحكم بتثبيت ملكيتها إلى كامل بناء المنزل ولحق منفعة الأرض المقام عليها على أساس حق الحكر الثابت من الحجة الشرعية المؤرّخة في 19 ذي الحجة سنة 1278، وبإلزام المستأنف عليه بالمصاريف وأتعاب المحاماة. وبعد تحضير الدعوى أحيلت للمرافعة فصمم كل طرف على طلباته وأقواله الواردة بمحضر الجلسة والمذكرة المقدّمة منه. وبتاريخ 30 يونيه سنة 1936 حكمت محكمة الاستئناف بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وتثبيت ملكية المستأنفة إلى كامل بناء المنزل المبينة حدوده بعريضة الدعوى الابتدائية وإلى حق انتفاعها بأرض هذا المنزل على أساس حق الحكر الثابت لها من الحجة الشرعية المؤرخة في 19 ذي الحجة سنة 1278، وإلزام المستأنف ضدّه بالمصاريف عن الدرجتين وألف قرش أتعاب محاماة.
لم يعلن هذا الحكم للطاعن ولكن وكيله طعن فيه بطريق النقض في 24 سبتمبر سنة 1936 بتقرير أعلن للمدّعى عليه في الطعن في 28 من ذلك الشهر الخ.


المحكمة

ومن حيث إن الطاعن قد عاب على الحكم المطعون فيه – في الوجه الأوّل – أنه قد جاء في أسبابه "أن محكمة الاستئناف قد اطلعت على حكم المحكمة الشرعية الصادر في 23 يناير سنة 1934 فتبينت أنه لم يكن مطلوباً من تلك المحكمة الحكم بزوال حق المستأنفة في الحكر أو بقائه، كما أنه لم يرد في منطوق حكمها ما يلغي هذا الحق بل تكلمت عنه عرضاً في أسباب حكمها ردّاًَ على ما دفعت به المستأنفة من أن لها حق البقاء والقرار، وكان الطلب المتنازع عليه أمام تلك المحكمة هو تملك الوقف للبناء بأقل قيمتيه في حين أن ملكية الأرض كان قد فصل فيها من المحكمة الشرعية بحكم استئنافي سابق. وإذن لا يمكن اعتبار الحكم الشرعي المتقدّم ذكره فاصلاً في سقوط حق المستأنفة في القرار على أرض المنزل المتنازع عليه، خصوصاً وأن المحكمة اعتبرت عقد سنة 1278 عقد إيجار والواقع أنه عقد تحكير". ويقول الطاعن إن هذا يخالف الواقع لأن النزاع في سقوط حق المستأنفة في الاستقرار ببنائها على أرض الوقف كان مردّداً بين المستأنفة وخصمها على صورة دفع قدّمته المستأنفة للمحكمة الشرعية ادّعت فيه أن لبنائها حق القرار على أرض الوقف فقضت فيه برفضه، ونص في منطوق الحكم على هذا الرفض تطبيقاً لقواعد المرافعات الشرعية.
وحيث إن مبنى الوجه الثاني أن محكمة الاستئناف أخطأت فيما قرّرته في حكمها من أن عقد التحكير لا تنطبق عليه تلك النصوص الشرعية التي استند إليها ناظر الوقف لإثبات سقوط حق مستأجر أرض الوقف في الاستقرار ببنائه عليها، ومن أن ناظر الوقف لم يطلب في هذه القضية ولا قبلها سقوط حق المستحكر الأصلي أو ورثته في الحكر ولم ينسب إلى أيهم خيانة تستدعي هذا السقوط مع أن عقد التحكير هو نوع من عقود الإجارة، وأنه يجب صون الوقف وحمايته من أي مغتصب سواء أكان مستأجراً عين الوقف أم محتكراً لها.
وحيث إن مبنى الوجوه الثالث والرابع والخامس أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق قواعد الشرع المرعية في شأن الخيانات التي تستوجب سقوط حق المستأجر أو المحتكر فاعتبر أن المدعية الأصلية معذورة في جميع ما نسبه إليها ناظر الوقف وأحصته عليها المحكمة الابتدائية وذلك على خلاف مقتضى تلك القواعد الشرعية.
عن وجه الطعن الأوّل
وحيث إن محكمة الاستئناف كانت في غنى عن إيراد هذا الذي عابه الطاعن على حكمها لأن الحكم الصادر برفض الدفع لسبق الفصل في الدعوى من المحكمة الشرعية لم يستأنف من جهة، ولأن محكمة الاستئناف من جهة أخرى قد قالت في موضع آخر من حكمها إنها تقرّ الحكم المستأنف فيما جاء به من أن الحكم الشرعي لا تأثير له في حق المستأنفة. وبذلك يكون وجه الطعن الأوّل غير منتج لأنه وارد على تقرير للمحكمة في بعض أسبابها عن شأن متعلق بحكم شرعي، فمهما يكن خاطئاً أو صواباً فإنه منقطع الأثر عن منطوق الحكم المطعون فيه.
عن وجوه الطعن الأخرى
وحيث إن الحكم الابتدائي الذي ألغاه الحكم المطعون فيه بعد أن ذكر "أن طرفي الخصومة اختلفا في تقدير قيمة الحجة الشرعية المؤرّخة في 19 ذي الحجة سنة 1278 فيقول المدّعى عليه إنها ليست إلا عقد إيجار انقضت مدّته، وتقول المدعية إنه عقد تحكير. وبعد أن حقق هذا الخلاف بينهما قال إنه إذا كان مفهوم هذه الحجة هو مفهوم عقد الحكر وجب اعتبارها كذلك. ولا عبرة باختلاف المنطوق، بل الواقع أنه لا خلاف في المنطوق لأن الحكر هو عقد إيجار بشروطه، فإذا تحققت هذه الشروط في عقد إيجار وجب أن يعطى الحكم الشرعي بصرف النظر عن التسمية". ثم قال "ومن حيث إن المدّعى عليه دفع ثانية بأنه على فرض أن هذه الحجة هي حجة تحكير فقد سقط حق المدعية في التمسك بها لأنها ادّعت ملكية العين الموقوفة، ومن ثم لم تكن أمينة عليها ووجب نزعها من تحت يدها. ومن حيث إنه لا نزاع بين طرفي الخصومة في أن القاعدة الشرعية وهي أن المستأجر إذا لم يكن مأموناً على العين المؤجرة إليه من الوقف سقط حقه ونزعت من يده. وإنما الخلاف فيما تقوله المدعية من أنها لما تمسكت بالملكية لم تكن تعلم أن العين موقوفة بل هي اشترت بعقود ملكية معتقدة أن البائعين لها يملكون العين ملكاً حراً لا حق للوقف فيه. كذلك تقول إن الادعاء بالملكية لا يخشى منه على الوقف لأن العين الموقوفة أرض بناء ولن يلحق الوقف ضرر بهذا الادعاء. ومن حيث إنه تبين من الاطلاع على القضايا الشرعية المنوّه عنها آنفاً أن المدّعى عليه (ناظر الوقف) قدّم حجة التحكير لأوّل العهد بالنزاع أمام المحكمة الشرعية في القضية المقيدة بجدول محكمة مصر الشرعية رقم 400 سنة 1929 – 1930، ومع تقديم هذه الحجة التي لا تدع مجالاً للشك في أن العين موقوفة فقد لبثت تدعي ملكيتها إلى أن صدر الحكم الابتدائي. ولما صدر قرار الإيقاف (أي من المحكمة الأهلية) في 14 فبراير سنة 1932 ورفعت عنه استئنافاً سلمت في صحيفته بأن هذه الحجة هي حجة تحكير ومع ذلك ادّعت أنها اكتسبت حق تملك العين الموقوفة بمضي المدّة الطويلة المكسبة للملكية، وطلبت من محكمة الاستئناف أن تحكم لها في الدعوى على أساس هذا السند القانوني. ولما أعيدت القضية للمحكمة الابتدائية الأهلية عدّلت طلباتها في 11 يناير سنة 1935 مسلمة بملكية الوقف طالبة الحكم لها على أساس حق الاستحكار. وكانت في أثناء ذلك لا تكف أمام المحكمة الشرعية في الدعوى الأخرى التي رفعها المدّعى عليه عليها يطالبها بأحقية الوقف للبناء والتي تقيدت تحت رقم 97 سنة 1931 – 1932 – كانت لا تكف عن الادعاء بملكيتها للعين الموقوفة. فإذا فرض أنها كانت تجهل في أوّل الأمر حقيقة الواقع فإنه كان ينبغي لها وقد تكشفت لها الحقيقة أن تكف عن ادعاء الملكية، ولكنها لم تفعل ولم تلقَ سلاحها إلا وهي مكرهة على إلقائه بعد ذلك بزمن طويل. ومن حيث إن ذلك لا شك خيانة للوقف موجبة لسقوط حق الاستحكار. ومن حيث إن هذا الحق لم يسقط بفعل المدعية فقط… بل إنه سقط بتصرف ورثة المستحكر أبي زيد طنطاوي الذين باعوا العين الموقوفة والذين تلقت المدعية حقها عنهم وعمن تلقوا عنهم، فإن تصرف الورثة بالبيع دليل على خيانة مسقطة لحقهم في الحكر. فإذا ثبت أن الحكر سقط بهذه الخيانة كانت العقود الصادرة من البائعين لا تنقل حقاً. فأما الملكية فلا نزاع في أنها ليست لهم وأما حق الاستحكار فقد سقط عنهم بخيانة الوقف. فإن قيل إن المورّث جهل على ورثته الأمر فظهر لهم بمظهر المالك كان عمله هو نفس الخيانة المسقطة لحقه في الحكر. ومن حيث إن القول بأن العين الموقوفة أرض بناء لا يصيبها ضرر من مثل هذا الادعاء فإنه ليس المقصود أن يلحق العين نفسها ضرر بالذات، وإنما المقصود وقوع الضرر بالوقف أياً كان هذا الضرر. ومن حيث إن خطر الادعاء بالملكية كان فيه احتمال سقوط حق الوقف على العين وتملك المدعية لها، بل إن الضرر قد وقع بالفعل حيث نزعت الحكومة بعض العين الموقوفة فقبض ثمنه على اعتباره مملوكاً لا وقفاً، وكان ذلك مما استندت إليه المدعية في ادعائها التملك بمضي المدة الطويلة المكسبة للملكية… … ومن حيث إن الادعاء بملكيتها للبناء فإن جهة الوقف لم تنكر عليها أنها هي التي أقامته وإنما تنكر عليها حق القرار على أن يكون لجهة الوقف الحق في أن تأخذه بأقل قيمتيه مقلوعاً ومستحق القلع. ومن الواضح أن أساس المطالبة بتثبيت ملكية المدعية للبناء ليس هو هذا الأساس".
هذا هو ما بنت عليه المحكمة الابتدائية حكمها الذي أصدرته برفض الدعوى.
أما محكمة الاستئناف فقد بدأت حكمها بقولها "إن النصوص الشرعية التي ساقها المستأنف عليه في تأييد ما ادعاه من سقوط حق المستأنفة في الاستقرار ببنائها على الأرض الموقوفة تتعلق جميعاً بالإجارة. وقد سبق القول بأن العقد الذي ترتكن عليه المستأنفة هو عقد تحكير، ولا يمكن القول بأنه ينطبق عليه ما ينطبق على عقد الإجارة… … ثم قالت وحيث إنه بفرض انطباق النصوص المتقدّم ذكرها على مثل المستأنفة… … فإنه يتبين من الاطلاع على عقود الشراء المقدمة من المستأنفة أنه ليس فيها ذكر لتبعية أرض المنزل لجهة وقف ما بل تناولت المنزل أرضاً وبناءً، كما أنه لم يصدر من المستأنف ضدّه أو من تقدّمه من النظار أمر يشعر واضعي اليد على المنزل بوجود حق للوقف على أرضه إذ كانت الأجرة مدفوعة مقدّماً لمدة خمسين سنة تنتهي في سنة 1328 هجرية. ولما انقضت هذه المدة لم تطالب جهة الوقف بما استحق بعدها من الأجرة المستجدة وكان أوّل عمل ظاهر للناظر هو الدعوى التي رفعها بالمحكمة الشرعية بعد ذلك بنحو عشرين سنة يطلب تبعية الأرض لجهة الوقف. ولذلك، ولما كانت تدفع به المستأنفة تلك الدعوى بحق من عدم اختصاص المحكمة الشرعية بنظرها، ولصعوبة تطبيق حجة الوقف مما استدعى تعيين خبير لتطبيقها احتاج في ذلك للرجوع إلى الخرائط القديمة العهد، تكون المستأنفة معذورة فيما ثبت في عقيدتها من ملكية البائعين لها لأرض المنزل وبنائه، وتكون سليمة النية في ادعائها تملكها جميعاً بمقتضى تلك العقود ووضع يدها عليها المدة الطويلة. خصوصاً وأن قرابتها للمستحكر الأصلي أبو زيد طنطاوي (وهي ابنة ابنته) ليست بالعلاقة المباشرة التي تقتضي حتماً علمها بالحكر. ومما يؤيد سلامة نيتها وعذرها في دعواها أن الحكومة صرفت إليها ثمن جزء نزعت ملكيته من المنزل… ولذلك لا ترى هذه المحكمة في فعل المستأنفة خيانة للوقف تقضي بفسخ عقد التحكير… …".
وحيث إنه يبين مما نقلته هذه المحكمة آنفاً عن الحكم المطعون فيه ومن الحكم المستأنف ومن مقابلة أحدهما بالآخر أن محكمة الاستئناف قد انخدعت حقاً عن الأخذ في هذه الدعوى بمقتضى القواعد الشرعية القاضية من جهة بوجوب المحافظة على أبدية الأموال الموقوفة لتبقى على حالها على الدوام لا ملكية فيها لأحد من الأفراد وغير قابلة لأن يتملكها أحد من الأفراد كذلك، والقاضية من جهة أخرى بوجوب نزع هذه الأموال ممن يجحد وقفها أو يدعي ملكيتها أو يخاف منه على رقبتها، سواء أكان هو الواقف أم المتولي على الوقف أم مستأجرها أم محتكرها أم من آلت إليه بتصرف من التصرفات الناقلة للملك ولو كان مغروراً أو سليم النية. وذلك لأن الأعيان الموقوفة محبوسة عن التصرفات لا يجوز فيها بيع ولا هبة ولا رهن ولا وصية ولا إرث. والواقف وذرّيته وناظر الوقف ومستحقوه ومستأجروه والمستحكرون له وورثتهم، مهما تسلسل توريثهم وطال وضع يدهم بهذه الصفة، لا يستطيع أيهم أن يمتلك العين بالمدة الطويلة، ولا يقبل من أيهم جحد الوقف أو الادعاء بتملكه بالتقادم، لأنهم جميعاً مدينون له بالوفاء لأبديته. وكل ما يصدر عنهم من ذلك يعدّ خيانة تقتضي نزع عين الوقف من يده.
وحيث إن محكمة الاستئناف إذ أعرضت عن تصرف ورثة المحتكر ببيع الأرض المحكرة وتأولت مواقف مورّثة المدّعى عليه في الطعن أمام المحكمة الشرعية والمحكمة الأهلية اعتذاراً لها بسلامة النية فيما كان منها من جحد الوقف والادعاء بتملكه بالتقادم حتى بعد تقديم حجة الحكر نفسها من يد ناظر الوقف في مستهل القضية الشرعية الأولى إلى غير ذلك مما لا دلالة فيه إلا على الخيانة تكون قد خالفت مقتضى القواعد الشرعية الواجب اتباعها وتطبيقها في الدعوى الحالية. وبذلك يكون الحكم المطعون فيه متعين النقض.
وحيث إن الدعوى صالحة للفصل فيها.
وحيث إن الحكم المستأنف في محله للأسباب الصحيحة المدوّنة به وللأسباب المتقدّمة الذكر.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات