الطعن رقم 35 سنة 6 ق – جلسة 18 /03 /1937
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 131
جلسة 18 مارس سنة 1937
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة باشا ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك المستشارين.
القضية رقم 35 سنة 6 القضائية
(أ، ب) ارتفاق. المادة 39 مدني. قصد الشارع منها. ارتفاق سلبي.
لا يكتسب بمضي المدّة. وجوب الاتفاق عليه, مطل مفتوح على المسافة القانونية. ليس ارتفاقاً.
فتح مطل على أقل من المسافة القانونية. متى يعتبر مبدأ لوضع يد على حق ارتفاق يكسب
بالتقادم؟. مثال. نافذة. (المادتان 30 و39 مدني)
1 – إن كل ما قصده الشارع من المادة 39 من القانون المدني إنما هو تقييد حرية صاحب
الأرض المعدّة للبناء في أن يقيم البناء على نهايتها إذا كان يريد فتح مطلات له على
ملك جاره. وهو لم يقصد بحال أن يجعل العقار المجاور خادماً للعقار الذي فتح فيه المطل
على المسافة القانونية من يوم فتحه بحيث يكون محملاً بحق ارتفاق سلبي لا يمكن معه لصاحب
هذا العقار أن يقيم بناء على حدود ملكه أو أن يسوّره ويتصرف في سوره بالهدم والبناء
مرة بعد مرة وفي كل آن.
وذلك لأن هذا الارتفاق السلبي ليس مما يكتسب بمضي المدّة وإنما هو لا يكون إلا بالاتفاق
عليه. فالمطل لا يعتبر ارتفاقاً للعقار المطل على العقار المطل عليه متى كان مفتوحاً
على المسافة القانونية. أما فتح المطل على أقل من المسافة القانونية فهو أصلاً من التصرفات
التي يملكها كل مالك في ملكه، له نفعه وعليه خطره. ولا بد، لاعتباره مبدأ لوضع يد على
حق ارتفاق بالمطل يكسب بالتقادم، من انتفاء مظنة العفو والفضل من جانب صاحب العقار
المجاور وانتفاء شبهة الاقتصار في الانتفاع بالمطل على القدر الذي تركه فاتحه من ملكه
بينه هو وجاره. وهذه الشبهة وتلك المظنة تتأكدان بإقامة سور فاصل بين الملكين، ومن
شأنه الحدّ من مجال النظر من المطل. فإذا فتح المالك في ملكه نوافذ على أقل من المسافة
القانونية مع وجود سور للجار يقابلها، فإنه – مهما يكن في هذا السور من فجوات تسمح
بمدّ النظر على ملك الجار – إنما يكون مخاطراً في فتحه هذه النوافذ، من جهةٍ لقصور
عمله هذا في الدلالة على معنى التعدّي (empiétement) الذي هو شرط لازم لنشوء حالة وضع
اليد بالمعنى القانوني على حق ارتفاق بالمطل يراد اكتسابه بمضي المدّة على ملك الغير،
ومن جهة أخرى لوضوح الدلالة المستفادة من قيام السور على عدم تهاون صاحبه في أن تطل
على ملكه تلك النوافذ وعلى احتفاظه بحقه في البناء على نهاية ملكه في كل وقت. ولا يردّ
على ذلك بأن صاحب السور بتراخيه في ترميمه وسدّ فجواته قد أسقط حقه في هذا الترميم،
وأنه مكن الجار بامتناعه عن إجرائه من اكتساب حق عليه، إذ حق المالك في ترميم ملكه
لا يسقط بعدم الاستعمال ولا يتقيد صاحبه فيه بغير اتفاق صريح.
2 – إذا كان المفهوم من الحكم أن النافذة التي قضى استئنافياً بتأييد الحكم الصادر
بإعادة فتحها قد فتحها صاحبها في الدور الأرضي من منزله على مسافة بضعة سنتيمترات فقط
من نهاية ملك جاره، وأنه فتحها في فرصة تهدّم سور الجار أمامها، وأن الجار بعد ذلك
قد أقام السور وزاد نصف متر في ارتفاعه حتى حجب النافذة كلها ومنع مجال النظر أمامها
عن أن يمتدّ إلى ما وراء السور كما كان من قبل، فهذه الحالة لا يصح وصفها بأنها وضع
يد لو استطالت مدّته لأكسبت صاحب اليد الحق الذي يدعيه. وذلك لعدم انتفاء الانبهام
الذي يكتنفها من ناحية تصرف صاحب النافذة وقت فتحها وبعده، ولعدم تحقق وصفي الهدوء
وعدم النزاع من الجار.
المحكمة
ومن حيث إن أهم ما عاب به الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه أخطأ
في تطبيق القانون حين اعتبر المدّعى عليهما حائزين لحق المطل على منزله بفتحهما الشباك
المطلوب إعادة فتحه من سنة 1928 حيازة هادئة مستمرّة نحو ثلاث سنوات إلى أن تعرّض لهما
الطاعن في فبراير سنة 1931 بإقامته بناء سوره الحاجب لهذا الشباك من مجال النظر إلى
ما وراءه، وأن لهما إذن الحق في حماية القانون بدعوى منع التعرّض هذه التي رفعاها على
الطاعن. ووجه الخطأ في ذلك – على ما يقول الطاعن – أن المدّعى عليهما قد ذكرا في صحيفة
افتتاح دعواهما أنهما كانا انتهزا فرصة وجود تهدّم في سور يفصل منزل الطاعن عن الواجهة
الشرقية لمنزلهما، وأنهما فتحا في حائط منزلهما الشرقي شباكين في سنة 1928، وأنهما
فوجئا في سنة 1931 بقيام الطاعن بسدّ الشباك المفتوح في الدور الأرضي بدون مبرر، وأنه
– حتى لو سلم بذلك – فلا يصح قانوناً اعتبارهما واضعي اليد على مطل يمكن اكتساب الحق
فيه بمضي المدّة. لأن المطل قد فتحه المدعيان الأصليان على ملكهما على أقل من المسافة
القانونية كما دلت على ذلك المعاينات المقدّمة صورها بملف الدعوى، ومثله لا يوجب فتحه
على عقار الطاعن حق ارتفاق ما، ولا يمنع الطاعن من الانتفاع بملكه وإقامة ما تهدّم
من سوره ولو حجب هذا السور مجال النظر عن المطل. هذا فضلاً على أن ظروف النزاع من هدم
السور وإقامته لا تسمح باعتبار وضع اليد الذي يراد حمايته بهذه الدعوى مستجمعاً لشرائطه
القانونية.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن أجمل الردّ على ما كان للطاعن من دفوع فرعية،
وبعد أن بين أن محكمة النقض قد حسمت بحكمها الصادر في 9 نوفمبر سنة 1933 أمر التكييف
القانوني للدعوى بتقريرها أن الدعوى في نظر رافعها إن هي إلا دعوى وضع يد المقصود منها
حماية الحيازة المادية للحق المدّعى به، وكف المنازعة فيه، وأن هذا هو ما قرّره المستأنف
عليهما أمامها أخيراً بعد صدور حكم النقض – بعد ذلك قال الحكم: "وحيث إن النزاع بين
الطرفين يرجع إلى سنة 1928 إذ رفع المستأنف (الطاعن) الدعوى رقم 1037 مدني الأزبكية
سنة 1929 وذكر في عريضتها أنه يوجد بين المنزلين سور مبني بالدبش ويبعد عن حائط منزل
خصمه الشرقية ببضعة سنتيمترات، وقد هدم هذا الخصم جزءاً من هذا السور بمقدار شباك فتحه
في حائط منزله الشرقية مطلاً على ملك الطالب وبأعلاه شباك آخر. وطلب المستأنف الحكم
بسدّ الشباكين وإعادة السور إلى أصله. ولكن محكمة الأزبكية حكمت برفض تلك الدعوى بتاريخ
أوّل إبريل سنة 1929 والمستأنف معترف بأن الحكم أصبح نهائياً. وإذن فالمعقول أن النافذتين
المذكورتين بقيتا مفتوحتين بعد ذلك". ثم ذكر الحكم أن المحكمة أرادت أن تتبين ما إذا
كانت النافذة الموجودة بالدور الأرضي من منزل المستأنف عليهما والمرفوعة بشأنها هذه
الدعوى هي نفس النافذة التي شملتها القضية رقم 1037 الأزبكية سنة 1929 وأنها انتقلت
لذلك مرتين في 2 يوليه سنة 1934 و21 إبريل سنة 1935، ثم قالت: "وتبين من الانتقالين
أن الدور الأرضي من منزل المستأنف عليهما به طرقة صغيرة بالجهة الشرقية تنتهي شرقاً
بحائط من الدبش يفصل بين منزل المستأنف عليهما ومنزل المستأنف، وعرض الطرقة المذكورة
نحو متر، ثم تمتدّ شمالاً بميل للجهة الغربية حتى يتصل حائطها الشرقي بحائط منزل المستأنف
عليهما الأساسية، وهناك تضيق الطرقة المذكورة حتى يكون الفاصل بين الحائطين بضعة سنتيمترات…
… وتطل على الطرقة المذكورة نافذتان بالحائط الشرقي من الدور الأرضي بمنزل المستأنف
عليهما: إحداهما شرقية وتبعد عن حائط الدبش الذي يفصل المنزلين بنحو 0.73 وهي ما تزال
مفتوحة… والثانية وهي التي اتفق الطرفان بمحضر 21 إبريل سنة 1935 على أنها موضوع
هذه الدعوى شرقية بحرية وحافتها تبعد عن سور الدبش السابق ذكره ببضعة سنتيمترات ملئت
عندها المسافة بين الحائطين بقطع من الدبش والمونة وارتفع السور عندها بنحو نصف متر
زيادة عن ارتفاعه الأصلي بحيث سدّت تلك النافذة تماماً. وقد تبين من المعاينة أن الحائط
الدبش التي تفصل بين المنزلين بها ترقيع حديث… … والمحكمة ترى أن النافذة المذكورة
هي نفس النافذة التي شملتها الدعوى الأولى رقم 1037 لأنها هي الوحيدة التي بالدور الأرضي
التي يفصلها عن حائط الدبش بضعة سنتيمترات، بحيث يقتضي فتحها هدم جزء من ذلك السور
كما هو مبين بعريضة الدعوى المذكورة. وإذن فهذه النافذة مفتوحة من سنة 1928… والحكم
الصادر في تلك الدعوى في سنة 1929 برفضها قد أبى على المستأنف سدّها وسدّ السور كما
كان يطلب المستأنف. ولم يقدّم المستأنف دليلاً على أن رفع السور وسدّ النافذة قد تم
قبل سنة 1931… والمعقول أن المستأنف هو الذي اعتدى وقام برفع السور…". ثم لخص الحكم
ما سبق له ذكره فقال: "إنه يتبين مما تقدّم أن النافذة موضوع النزاع السابق ذكرها وهي
الشرقية البحرية بالدور الأرضي من منزل المستأنف عليهما قد فتحت وهدم أمامها السور
الدبش الفاصل بين المنزلين من سنة 1928، فظلت الحالة كذلك دون تعكير، فظل عقار المستأنف
عليهما حائزاً لحق المطل على عقار المستأنف بهذا الشكل حتى فبراير سنة 1931 حيث قام
المستأنف بسدّ النافذة برفع السور… … فرفع المستأنف عليهما هذه الدعوى في سنة 1931،
أي قبل مضي السنة يطلبان فيها منع تعرّض المستأنف لحيازتها لحق المطل المذكور". ثم
قال: "… … وهي حيازة قد استمرّت ظاهرة نحو ثلاث سنوات إلى أن تعرّض لهما المستأنف
في فبراير سنة 1931 على الوجه السابق الذكر".
ومن حيث إن المفهوم من ذلك كله أن النافذة التي قضت محكمة مصر بهيئة استئنافية بتأييد
الحكم الصادر بإعادة فتحها هي نافذة فتحها صاحباها في الدور الأرضي من منزلهما على
مسافة بضعة سنتيمترات من نهاية ملك الطاعن وأنهما فتحاها سنة 1928 منتهزين فرصة تهدّم
سور الطاعن أمامها، وأنه هو الذي حاول في سنة 1931 إقامة السور، وأنه أقامه أخيراً
ورفعه نصف متر زيادة على ما كان من ارتفاعه فستر النافذة كلها، أي حجب مجال النظر أمامها
عن أن يمتد إلى ما وراء السور كما كان أيام تهدّمه.
وحيث إن كل ما قصده الشارع من نص المادة 39 من القانون المدني إنما هو تقييد حرية مالك
الأرض الصالحة للبناء من البناء على نهاية ملكه إذا أراد فتح مطلات يطل منها على ملك
جاره، ولم يقصد مطلقاً أن يجعل العقار الذي يطل عليه خادماً للعقار الذي فتح فيه المطل
على المسافة القانونية من يوم فتحه، فيكون عليه حق ارتفاق سلبي يمنع مالكه من إنشاء
بناء على حدود ملكه ولا من تسويره ملكه والتصرف في سوره بالهدم والبناء مرة بعد مرة
وفي كل آن. إذ مثل هذا الارتفاق السلبي لا يكون إلا بالاتفاق عليه، ولا يمكن اكتسابه
بمضي المدة. فالمطل المفتوح على المسافة القانونية لا يعتبر ارتفاقاً بين العقار المطل
والعقار المطل عليه. أما المطل المفتوح على أقل من المسافة القانونية فهو مبدئياً مما
يعتبر تصرفاً من المالك في حدود ما له من التصرفات له نفعه وعليه خطره. ولا بد من اعتباره
مبدأ لوضع يد على حق ارتفاق بالمطل يكسب بالتقادم من انتفاء مظنة العفو والفضل من جانب
الجار ومن شبهة الاقتصار بالمطل على القدر الذي تركه فاتحه من ملكه فاصلاً بينه وبين
ملك جاره. وتتأكد الشبهتان إذا قام بين الملكين سور يفصلهما من شأنه أن يمنع المطل
بعده، ومن شأنه أن يحدّد مجال النظر أيضاً. وإذن فإذا فتح المالك في ملكه نوافذ على
أقل من المسافة القانونية مع وجود سور للجار أمامه فإنه – مهما يكن في هذا السور من
فجوات تبسط مجال النظر على ملك الجار – إنما يكون مخاطراً بفتح هذه النوافذ لقصور دلالة
هذا الفتح من جهة عن أداء معنى التعدّي (empietement) الذي لا غنى عنه لنشوء حالة وضع
يد قانوني على حق ارتفاق بالمطل يراد اكتسابه بمضي المدّة، ولوضوح دلالة قيام السور
من جهة أخرى على عدم تهاون صاحبه في أن يطل عليه بتلك النوافذ، وعلى تأكيد حقه في البناء
على نهاية ملكه في كل وقت. ولا يتصوّر أن يكون صاحب السور بالتراخي في ترميمه وسدّ
فجواته قد أسقط حقه في هذا الترميم ومكن غيره من اكتساب حق عليه بالامتناع عنه، إذ
حق المالك في ترميم السور هو حق لا يسقط بعدم الاستعمال ولا يتقيد صاحبه فيه بغير الاتفاق
الصريح عليه.
وحيث إن تقرير الحكم المطعون فيه أن الحكم الصادر في سنة 1929 برفض دعوى الطاعن قد
أبى عليه سدّ ما في السور من فجوات وإقامة ما تهدّم من أجزائه، وأنه من تاريخ هذا الحكم
قد ترك الطاعن خصميه يتمتعان بمجال النظر المبسوط أمامهما من خلال هذه الفجوات، وأن
هذه حالة وضع يد هادئ مستمر بغير نزاع على حق عيني بالمطل – إن تقرير الحكم ذلك مخالف
للقانون:
(أوّلاً) لأن مثل هذا الحكم الصادر في سنة 1929 برفض دعوى الطاعن لمجرّد عدم تقديمه
مستنداته لا يكسب المدعى عليهما أي حق في اعتبار ما يدعيانه الآن من وضع يد قانوني
لا يصح التعرّض لهما فيه، ولا يمنع الطاعن من إصلاح بناء سوره. لأن تلك الدعوى كان
الأرجح فيها الرفض حتى لو ثبتت، لأن النافذتين المطلوب سدّهما كانتا مفتوحتين في سنة
1928 في ملك صاحبهما وعلى مسافة من ملك الطاعن، فقد كان – لهذه العلة – من المحتمل
كثيراً أن لا يجاب إلى سدهما بملء فراغهما بالبناء. ولعل الطاعن قد فطن إلى ذلك فلم
يحضر الدعوى ولم يطعن في الحكم الصادر فيها، بل سلك أقرب الطرق لصيانة حقه في وضع يده
على ملكه المطلق من كل حق ارتفاق فأصلح سوره القائم على حدود ملكه. وبعيد أن تعتبر
إقامة السور بعد تهدّمه تعدّياً على حق المدعي في المطل من هاتين النافذتين.
(ثانياً) لأن حالة وضع اليد التي جعلها الحكم المطعون فيه مبتدئة من سنة 1928 لا يمكن
قانوناً وصفها بأنها حالة وضع يد لو استطالت مدّتها أكسبت صاحبها الحق الذي يدّعيه،
لأنه ينقصها أن ينتفي الانبهام الذي يكتنفها من ناحية تصرف المطعون ضدّهما عند الفتح
وبعده كما ينقصها حالة الهدوء وعدم النزاع.
وحيث إنه يتعين على ذلك قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه.
وحيث إن الدعوى صالحة للحكم لما سبق ذكره من الأسباب.
وحيث إنه ثبت من المرافعة أمام هذه المحكمة وأمام محكمة الموضوع أن مقصود المدّعى عليهما
في الطعن من هذه الدعوى إنما هو إعادة السور إلى ما كان عليه من حالة التهدّم لتيسير
لهما المطل من خلاله، ولا تستطيع المحكمة بعد ما ذكر إجابتهما إليه بحال.
