الطعن رقم 23 سنة 6 ق – جلسة 18 /02 /1937
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 87
جلسة 18 فبراير سنة 1937
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة باشا ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك المستشارين.
القضية رقم 23 سنة 6 القضائية
تزوير. إعلان الأدلة. حكم القاضي في هذه المرحلة تمهيدي. موضوع
التزوير. الفصل فيه. حكم قطعي واجب تسبيبه. (المادة 282 مرافعات)
إن القاضي حين ينظر في صلاحية الأدلة المقدّمة لإثبات دعوى التزوير فيستبعد بعضها لعدم
تعلقه بالموضوع أو لكونه غير مقبول قانوناً، ويقبل بعضها الآخر لتعلقه بالموضوع ويأمر
بتحقيقه، فإن حكمه في هذه المرحلة يكون حكماً تمهيدياً يكفي في بيان أسبابه مطلق القول
بأن الواقعة المطلوب تحقيقها بعيدة التصديق، أو أنها منتجة في الدعوى ومتعلقة بموضوعها.
أما حين يطلب في آن واحد من القاضي أن يفصل في صحة الورقة أو بطلانها موضوعاً بأن يكون
مدعي التزوير قد جمع بين المرحلتين: مرحلة بحث أدلة التزوير ومرحلة الفصل في الموضوع،
ثم يطلب رد السند وبطلانه على أساس ذلك جميعاً، فإن الحكم في ذلك يكون حكماً قطعياً
لا يكتفي فيه بمطلق الأسباب بل يجب بناؤه على أسباب كافية وافية.
فإذا كانت أدلة التزوير المقدّمة للمحكمة ليست جديدة على الخصومة ادعاها مدعي التزوير
وعرض استعداده لإثباتها على اعتبار أنها لو ثبتت لدلت على ثبوت التزوير، بل كانت مما
تناوله التحقيق الذي أجري في دعوى إنكار التوقيع السابقة على دعوى التزوير، كما تناولتها
مرافعة الخصوم في الدعوى، وتمسك المدعي بدلالتها في إثبات التزوير فهذه الأدلة لا تعتبر
من أدلة التزوير (moyens) التي تعنيها المادة 282 مرافعات، ولذلك فليس من المتعين بحثها
أوّلاً لبيان تعلقها أو عدم تعلقها بموضوع التزوير، والحكم الذي لا يعتد بها لا يكون
تمهيدياً مما يكتفي فيه بمطلق القول بأنها غير منتجة، وإنما هي في الواقع من أسانيد
الدعوى (preuves) المقدّمة للمحكمة لتعزيز دعوى التزوير المطروحة عليها والمطلوب الفصل
في موضوعها على أساس الدليل المستمد منها، فالحكم الذي يصدر فيها يكون حكماً قطعياً
يتعين بيان أسبابه بياناً وافياً(1).
المحكمة
وحيث إن الطعن بني على أربعة وجوه:
(الأوّل) أن محكمة الاستئناف قد خالفت المادة 284 من قانون المرافعات إذ لم تأمر بإجراء
التحقيق مع قبولها الدليل الرابع من أدلة التزوير الستة المقدّمة في الدعوى.
(الثاني) أن حكمها قد جاء غير مسبب فيما يتعلق بالأدلة الخمسة التي قضت بعدم قبولها.
(الثالث) أن هذا الحكم فيه غموض في الاستشهاد والاستدلال عند الكلام على الدليل الرابع
الذي قبلته المحكمة، وهذا الغموض يعيب الحكم ويبطله.
(الرابع) أنه جاء خالياً من الرد على أسباب الحكم الابتدائي الذي ألغاه في واقع الأمر
بالنسبة للجزء الخاص برد السند وبطلانه.
ومن أجل هذا طلب الطاعن نقض الحكم المطعون فيه وإعادة القضية إلى محكمة الاستئناف لتفصل
فيها دائرة أخرى من جديد مع إلزام المدّعى عليهم في الطعن بالمصاريف وبمقابل أتعاب
المحاماة.
وحيث إن الثابت من وقائع الدعوى أن الطاعن – بعد أن كان قد أنكر توقيعه على السند المطعون
فيه أمام محكمة أوّل درجة وذكر أدلة وقرائن قبلتها منه المحكمة وحققتها وأخذت بها وحكمت
لمصلحته برد السند وبطلانه – بعد ذلك اضطر إلى أن يطعن بالتزوير في نفس السند أمام
محكمة الاستئناف، وبالرغم من صدور الحكم الابتدائي لمصلحته. وذلك على أثر صدور حكم
محكمة النقض والإبرام الذي قرّرت فيه هذه المحكمة أن من يقرّ بصحة الختم وينكر التوقيع
يتعين عليه الطعن في الورقة بالتزوير ولا يكتفي فيه بالإنكار. فرأى الطاعن أن يصحح
موقفه تطبيقاً لهذه القاعدة القانونية، فأعلن أدلته وعددها ستة وهي التي كان يتمسك
بها أمام محكمة أوّل درجة في دعوى إنكار التوقيع، وذكر في مذكرته الختامية أن الأدلة
التي يتمسك بها في إثبات التزوير قد ثبتت من التحقيق الجنائي والتحقيق الذي أجرته محكمة
أوّل درجة ومن المستندات المقدّمة منه في الدعوى، وأن ذلك يغني عن تحقيقها من جديد،
لأن التحقيقات المشار إليها في محاضر رسمية لا تحتاج إلى تكرار. فكأنه في الواقع لم
يكن بإعلان أدلة التزوير يدعو محكمة الاستئناف إلى النظر في أوجه تزوير لديه يريد أن
يستأذن المحكمة في قبول تحقيقها، وإنما كان يدعوها للفصل في صحة السند مباشرة أخذاً
بالأدلة والقرائن الحاضرة في الدعوى.
وحيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يبين أن محكمة الاستئناف، بعد أن ذكرت بالتفصيل
جميع الأدوار التي مرت بها الدعوى وأقوال الخصوم فيها بما لا يخرج عن البيان الوارد
في صدر هذا الحكم قالت:
"بما أن أدلة التزوير الأوّل والثاني والثالث والخامس والسادس المبينة بعريضة الدعوى
والمشروحة في المذكرتين المقدّمتين من المدّعي وهي الخاصة بفقر الدائن مورّث المدّعى
عليهم، وبأن المدعي ثري، وبأن ذلك الدائن فرّ من بلدته الزعيرة لما أن بلغ المدّعي
النيابة في 21 يناير سنة 1923 عن تزوير السند وتحويله لأجنبي ثم عدوله عن ذلك ورفعه
الدعوى أوّلاً أمام محكمة الإسكندرية غير المختصة، وبأن محمد إسماعيل شاهد السند لم
يكتب اسم بلده تحت اسمه الموقع به على السند المذكور، وبعدم معقولية إقراض مبلغ السند
وهو كبير بدون كفالة أو ضمانة وبدون فوائد والسكوت عن المطالبة من أكتوبر سنة 1921
تاريخ الاستحقاق حتى 19 فبراير سنة 1923 تاريخ رفع الدعوى بالسند أمام محكمة الإسكندرية،
واستدانة الدائن لمبلغ جنيهين اثنين، ولكون والد الدائن لا يملك أكثر من نصف فدان،
وسكوت ورثة الدائن المذكور لأكثر من أربع سنوات عن تحريك الاستئناف المرفوع منه عن
الحكم الصادر من محكمة طنطا برد وبطلان السند وعدم حصر تركته مع وجود قصر له، وبأنه
كان من السهل الحصول على ختم المدعي بواسطة السيد سليمان عامل تليفون البلدة إذ أنه
بصفته شيخ بلد في سنة 1921 وهي السنة المحرر فيها السند كان ينوب عن عمدة البلدة في
ختم أوراق إدارية وكان يسلم ختمه عند الحاجة لعامل التليفون المذكور، وأنه حكم على
هذا الأخير بالعقوبة لارتكابه تزويراً إضراراً بشخص آخر، فإن المحكمة ترى أن كل هذه
الأوجه ليست منتجة للتزوير المدّعى به".
"وبما أنه فيما يختص بالدليل الرابع المقول فيه بأن المدعي كان يوم تاريخ السند وهو
27 أغسطس سنة 1921 مشتغلاً بتأجير أرضه التابعة لبلدة الصوّاف بمديرية البحيرة، وأن
هذا يقطع بكذب الادعاء بتوقيعه على السند المطعون فيه في بلدته الزعيرة في ذلك اليوم،
فهذا الدليل متعلق بدعوى التزوير وجائز قبوله".
"وبما أن المدعي ذكر في مذكرته الختامية أن الأدلة التي يتمسك بها في إثبات التزوير،
ومنها الدليل الرابع المذكور، قد ثبتت من التحقيق الجنائي والتحقيق المدني الذي أجرته
محكمة أوّل درجة ومن المستندات المقدمة منه في الدعوى، وأن ذلك يغني عن تحقيقها من
جديد لأن التحقيقات المشار إليها ثابتة في محاضر رسمية لا تحتاج إلى تكرار، وأن القضية
ليست في حاجة إلى تحقيق جديد لإثبات أدلة التزوير".
وحيث إنه يبين من ذلك أن محكمة الاستئناف قد أطرحت كل ما تقدّم به الطاعن وأخذ به الحكم
الابتدائي في إثبات تزوير الورقة بعبارة واحدة هي أنه "غير منتج للتزوير المدعى به".
واستثنت من ذلك ما ذكره في الدليل الرابع الذي ناقشته مبتوراً عن بقية ما تمسك به الطاعن
ومن واقع التحقيقات والأوراق التي أشار إليها الطاعن في مذكرته الختامية وانتهت إلى
اطراحه أيضاً ورفض دعوى التزوير.
وحيث إن القاضي – حين يقضي في صلاحية القضية المقدّمة لإثبات دعوى التزوير فيستبعد
البعض لعدم تعلقه بالموضوع أو لاعتباره غير مقبول قانوناً، ويقبل البعض الآخر لتعلقه
بالموضوع ويأمر بتحقيقه – إن القاضي في هذه المرحلة فقط من الدعوى يصدر حكماً تمهيدياً
يكتفي في تسبيبه بمطلق القول إن الواقعة المطلوب تحقيقها بعيدة التصديق ويتعين عدم
قبولها، أو هي منتجة في الدعوى ومتعلقة بموضوعها ومتعينة القبول. أما إذا كان القاضي
مطلوباً منه الفصل مرة واحدة في صحة الورقة أو بطلانها موضوعاً بأن يكون مدعي التزوير
قد جمع بين المرحلتين: مرحلة بحث أدلة التزوير ومرحلة الفصل في موضوع التزوير وطلب
رد السند وبطلانه على أساس ذلك جميعاً، فحكم القاضي في ذلك هو حكم قطعي ينبغي تسبيبه
تسبيباً وافياً، ولا يكتفي فيه بمطلق الأسباب أو بالغامض منها.
وحيث إن الأدلة التي كانت مقدّمة للمحكمة لتدعيم دعوى التزوير لم تكن أدلة جديدة على
الخصومة يدعيها الطاعن بالتزوير ويعرض استعداده لإثباتها زاعماً أنها لو ثبتت لأفادت
ثبوت التزوير، بل هي أدلة قد تناولها التحقيق ومرافعة الخصوم يتمسك الطاعن بدلالتها
في إثبات التزوير، فهي في واقع الأمر لم تكن دليل تزوير (moyen) بالمعنى الذي أشارت
إليه المادة 282 من قانون المرافعات يتعين بحثه أوّلاً لبيان تعلقه أو عدم تعلقه بموضوع
التزوير قبل إقحامه، ويكون الحكم في قبوله أو عدم قبوله حكماً تمهيدياً يكتفي فيه بمطلق
القول بأنه غير منتج، بل هي أسانيد (preuve) مقدّمة للمحكمة لتعزيز دعوى التزوير المطروحة
عليها والمطلوب منها الفصل في موضوعها على أساسها. فالحكم الذي يصدر فيها هو حكم قطعي
يتعين تسبيبه تسبيباً وافياً.
وحيث إن الحكم المطعون فيه – إذ اقتصر في تسبيبه على مناقشة ما عبر عنه بالدليل الرابع
منفصلاً عن باقي وجوه الدفاع – يعتبر ناقص التسبيب متعين النقض. ولا يعترض على هذا
النظر بأن مسألة تعلق الأوجه بواقعة التزوير مسألة تدخل في سلطة قاضي الموضوع المطلقة،
لأن ما تمسك به الطاعن بما فيه الدليل الرابع لم يكن، كما تقدّم البيان، أوجه تزوير
(moyens)، وإنما كانت وجوه دفاع وأسانيد موضوعية مهمة ومؤثرة في ذات التزوير المدعى
به سبق تحقيقها وطلب الطاعن الاكتفاء بهذا التحقيق وقبلت منه المحكمة هذا الطلب، فكان
يتعين على محكمة الاستئناف، وهي تقضي في موضوع التزوير بحكم قطعي يوجب القانون تسبيبه،
أن تسبب حكمها برفض هذه الأسانيد وأوجه الدفاع التسبيب الكافي. خصوصاً وأن محكمة أوّل
درجة قد أخذت بهذه الأسانيد بعد تحقيقها، واعتمدتها، وقضت ببطلان السند المطعون فيه
على أساسها.
(1) إتماماً للفائدة ننشر هنا مقتبسات من المذكرة
التي قدّمها في هذه القضية الأستاذ محمد عبد الله محمد وكيل النيابة:
رسم المشرع لدعوى التزوير مراحل تمرّ بها بينتها المواد 273 وما بعدها من قانون المرافعات.
والذي يهمنا من هذه المراحل في الطعن الحالي هما المرحلتان الثانية والثالثة، أي إعلان
أدلة التزوير والفصل في موضوعه. ولقد أفصحت المادة 282 مرافعات عن أن المقصود من إعلان
أدلة التزوير هو تمكين القاضي من مراقبة تعلق الادعاء بالتزوير بالدعوى الأصلية وكونه
منتجاً فيها وجائز القبول أي مراقبة ما إذا كانت أدلة التزوير جائزة القبول قانوناً
ومفيدة في إثبات التزوير بحيث يصح تحقيقها وتعطيل الفصل في القضية الأصلية انتظاراً
لنتيجة هذا التحقيق.
وينبغي أن يلاحظ أن دور القاضي في مرحلة إعلان الأدلة يختلف عن دوره في الفصل في موضوع
التزوير. فهو في مرحلة إعلان الأدلة يكون بمثابة رقيب يمنع الوقائع البعيدة التصديق
أو غير المتعلقة بالموضوع أو غير المقبولة قانوناً من أن تدخل في نطاق القضية فتوسعه
من غير مقتضى وتعطل الفصل في الدعوى بما تستلزمه من تحقيق ومرافعة. ولعل ذلك هو السر
في أن الحكم الصادر في هذه المرحلة بقبول دليل التزوير أو برفضه يعتبر حكماً تمهيدياً
فقط (راجع كاريه وشوفو جـ 2 مسألة 1917)، ثم لعل ذلك يفسر اكتفاءهم في تسبيب رفض دليل
التزوير بمطلق قول القاضي إن الواقعة المطلوب تحقيقها بعيدة التصديق (راجع حكم محكمة
النقض الفرنسية الصادر في 28 ديسمبر سنة 1881 د 1882 – 1 – 345 وما علق عليه، وحكم
المحكمة المذكورة في 6 مارس سنة 1893 د 96 – 1 – 39).
أما مهمة القاضي في مرحلة الفصل في موضوع التزوير فلا تدور على استبعاد أو قبول واقعة
لم تدخل بعد في دائرة القضية ولم يتدافعها الخصوم إثباتاً ونفياً، بل مهمته تقدير ما
أصبح ضمن القضية فعلاً من الوقائع وما تحصل فيها من الإثبات، وذلك للفصل بصحة الورقة
المطعون فيها أو بطلانها. وحكمه في ذلك حكم قطعي ينبغي تسبيبه تسبيباً وافياً ولا يكتفي
فيه بمطلق الأسباب أو بالغامض منها أو المتخاذل، شأنه في ذلك شأنه في بقية الأحكام
القطعية. ولكن ماذا تكون أدلة التزوير (moyens du faux) التي أشارت إليها المادة 282
مرافعات. لم يبين القانون ذلك صراحة وإن يكن بيانه لمهمة القاضي في مرحلة إعلان الأدلة
يعين على تفهم ماهية تلك الأدلة. فهي، استنتاجاً من هذا البيان، وقائع جديدة على الخصومة
لم تدخل بعد في نطاقها، يدعيها الطاعن بالتزوير ويعرض استعداده لإثباتها زاعماً أنها
لو ثبتت لأفادت ثبوت التزوير. ولما كانت هذه الوقائع قد يندس بينها ما هو بعيد التصديق
وما هو على فرض ثبوت صحته غير متعلق بالادعاء بالتزوير، فقد أوجب القانون عرض أدلة
التزوير على القاضي ليستبعد منها قبل تحقيقها ما يراه غير متعلق بالدعوى أو غير محتمل
الصحة دفعاً للتعطيل.
أما الوقائع غير الجديدة على الخصومة التي قد تناولها من قبل التحقيق أو مرافعة الخصوم
والتي يتمسك الطاعن بدلالتها في إثبات التزوير، فلا تعتبر دليل تزوير (moyen) بالمعنى
المتقدّم، وإن صحت حجة على ثبوته، وذلك لأن إثبات التزوير (preuve) خلاف دليله (moyen).
فإثبات التزوير يقع بكافة الطرق ومنها القرائن، وقد تحكم المحكمة بالتزوير من غير أن
تعلن أدلة ما (moyens). أو تحقق، وذلك لنهوض الإثبات (preuve) على وقوع ذلك التزوير
(راجع المادة 292 مرافعات وراجع في أن إثبات التزوير يحصل بكافة الطرق عدا اليمين والإقرار
جلاسون وتيسييه ج 2 رقم 642 وحكم محكمة لييج في 31 مارس سنة 1920 باسكرزي 1920 – 2
– 205، وربرتوار بلج تحت عبارة (faux incident). ومثل ذلك يقال في القرائن التي يتمسك
بها الطاعن أو الحجج التي يستقيها من أوراق القضية، فإنها لا تعتبر أدلة تزوير في معنى
المادة 282 مرافعات، ولذلك إذا ذكرت هذه الوقائع أو القرائن أو الحجج في إعلان أدلة
التزوير، فلا يجوز أن تكون محلاً لحكم من القاضي برفض أو قبول. أما عدم جواز رفضها
فلأنها قد دخلت فعلاً ضمن دائرة القضية وأصبحت من عناصرها فلا يمكن أن يستبعدها وحدها.
وأما عدم جواز الحكم بقبولها فلأن مثل هذا الحكم يكون تحصيل حاصل، ولذلك يتعين على
القاضي أن يرجئ أمرها إلى حين الفصل في موضوع التزوير، فإن استبعد القاضي بعضها قبل
الفصل في الموضوع فلا يحول هذا بين الطاعن وبين إعادة الاحتجاج بها عند نظر الموضوع،
وذلك لأنه كان يمكنه أن يتمسك بها لأوّل مرة في هذه المرحلة الأخيرة، فإذا حال القاضي
بينه وبين التمسك بها أو استبعدها عند تقدير الموضوع باعتبارها أدلة (moyens) غير مقبولة،
فإنه يكون قد خالف مقتضى القانون وأفسد على نفسه طريق فهم الموضوع وأخل بحق الدفاع.
والواقع أن الطاعن لم يكن بإعلان أدلة التزوير يدعو محكمة الاستئناف إلى النظر في أوجه
تزوير لديه يريد أن يستأذن المحكمة في قبولها وتحقيقها، وإنما كان يدعوها للفصل في
صحة السند مباشرة أخذاً بالأدلة والقرائن الحاضرة في الدعوى. وقد ألجأه إلى تصوير أسانيده
ودفاعه في صورة أوجه تزوير (moyens de faux) وتقديمها بإعلان خاص ذلك الموقف الشاذ
الذي وجد نفسه فيه أمام محكمة الاستئناف، فإنه كان قد أنكر توقيعه على السند المطعون
فيه أمام محكمة أوّل درجة وقبلت منه ذلك وحكمت لمصلحته برد السند وبطلانه، فاستأنف
مورّث المطعون ضدّهم هذا الحكم. وفي أثناء نظر الاستئناف أصدرت محكمة النقض والإبرام
حكمها الذي قررت فيه أن من يقرّ بصحة الختم وينكر التوقيع يتعين عليه الطعن في الورقة
بالتزوير ولا يكتفي منه بالإنكار، فاضطر الطاعن إلى أن يطعن أمام محكمة الاستئناف بالتزوير
في السند المحكوم لمصلحته بردّه وبطلانه وصوّر دفاعه وأسانيده التي أخذت بها محكمة
أوّل درجة في صورة أدلة (moyens).
على أن حقيقة الموقف ظاهرة كما قدّمنا من نص إعلان الأدلة المذكورة ومن تصرف الطاعن
بعد ذلك، إذ قال في مذكرته الختامية إن الأدلة التي يتمسك بها في إثبات التزوير ومنها
الدليل الرابع قد ثبتت من التحقيق الجنائي والتحقيق الذي أجرته محكمة أوّل درجة ومن
المستندات المقدّمة في الدعوى وأن ذلك يغني عن تحقيقها من جديد لأن التحقيقات المشار
إليها في محاضر رسمية لا تحتاج إلى تكرار وأن القضية ليست في حاجة إلى تحقيق جديد لإثبات
أدلة التزوير.
ومع ذلك يبدو أن الحكم المطعون فيه قد أغفل هذه الاعتبارات كلها إذ نقرأ فيه: "وبما
أن أدلة التزوير الأوّل والثاني والثالث والخامس والسادس المبينة بعريضة الدعوى والمشروحة
في المذكرتين المقدّمتين من المدّعي وهي الخاصة بفقر الدائن مورّث المدّعى عليهم وبأن
المدّعي ثري وبأن ذلك الدائن فرّ من بلدته الزعيرة لما أن بلغ المدّعي النيابة في 21
يناير سنة 1923 عن تزوير السند وتحويله لأجنبي ثم عدوله عن ذلك ورفعه الدعوى أوّلاً
أمام محكمة الإسكندرية غير المختصة وبأن محمد إسماعيل شاهد السند لم يكتب اسم بلده
تحت اسمه الموقع به على السند المذكور وبعدم معقولية إقراض مبلغ السند وهو كبير بدون
كفالة أو ضمانة وبدون فوائد والسكوت عن المطالبة من أكتوبر سنة 1921 تاريخ الاستحقاق
حتى 19 فبراير سنة 1923 تاريخ رفع الدعوى أمام محكمة إسكندرية واستدانة الدائن لمبلغ
جنيهين اثنين ولكون والد الدائن المذكور لا يملك أكثر من نصف فدّان وسكوت ورثة الدائن
المذكور لأكثر من أربع سنوات عن تحريك الاستئناف المرفوع منه عن الحكم الصادر من محكمة
طنطا بردّ وبطلان السند وعدم حصر تركته مع وجود قصر له… الخ. فإن المحكمة ترى أن
كل هذه الأوجه ليست حجة للتزوير المدّعى به".
"وبما أنه فيما يختص بالدليل الرابع المقول فيه بأن المدّعي كان يوم تاريخ السند وهو
27 أغسطس سنة 1921 مشتغلاً بتأجير أرضه التابعة لبلدة الصوّاف بمديرية البحيرة وأن
هذا يقطع بكذب الادعاء بتوقيعه على السند المطعون فيه في بلدة الزعيرة في ذلك اليوم
فهذا الدليل متعلق بدعوى التزوير وجائز قبوله".
ولكن الحكم وجد أن هذا الدليل قد حقق من قبل فناقش هذا التحقيق وانتهى بقوله:
"وبما أنه يتبين مما تقدّم أن الأسانيد التي يرتكن إليها مدّعي التزوير في إثبات الدليل
الرابع لا تؤدي إلى النتيجة التي يذهب إليها ولا تثبت التزوير المدّعى به ومن ثم تكون
دعوى التزوير على غير أساس ويتعين رفضها".
فنرى من ذلك أن محكمة الاستئناف قد أطرحت كل ما تقدّم به الطاعن وأخذ به الحكم الابتدائي
في إثبات تزوير الورقة بعبارة واحدة هي أنه "غير منتج للتزوير المدّعى به" واستثنت
من ذلك ما ذكره في الدليل الرابع الذي ناقشته مبتوراً عن بقية ما تمسك به الطاعن وانتهت
إلى اطراحه أيضاً ورفض دعوى التزوير.
وعلة هذا الاضطراب كما ترى هي أن المحكمة حسبت خطأ أنها في صدد أوجه (moyens) مطلوب
منها النظر في قبولها للتحقيق أو عدمه عملاً بالمادة 282 مرافعات فاستبعدت منها ما
استبعدت مكتفية بأوجز القول على اعتبار أنها إنما تصدر قراراً تمهيدياً لا يحتاج لتسبيب،
ولكنها فطنت عند النظر في الدليل الرابع الذي رأت قبوله أنه غير مطلوب منها تحقيقه،
وأن الطاعن نفسه يطلب الحكم في موضوع التزوير فاضطرت إلى مناقشة هذا الدليل ولكنها
ناقشته مبتوراً عن بقية ما تمسك به الطاعن فبدا حكمها مسبباً من ناحية على تقدير أنه
حكم قطعي وغير مسبب من ناحية أخرى على تقدير أنه حكم تمهيدي (وهو في الواقع حكم قطعي
في كل نواحيه) وبذلك وقع الاختلال والفساد في التسبيب.
ولا شك أن ما جاء في الحكم الابتدائي وفي إعلان الأدلة متعلق كله بواقعة التزوير. فإن
هذه الواقعة تتلخص في أن ختم الطاعن خرج من يده في وقت مقارب لتاريخ ظهور السند المطعون
فيه وأنه وصل إلى مورّث المطعون ضدّه فاصطنع به السند المذكور. وقد ساق الطاعن لتأييد
ذلك الوقائع والقرائن والحجج التي أوردها في إعلان الأدلة والتي سبق أن قدّمها لمحكمة
أوّل درجة، فذكرتها في حكمها وأخذت بها ومن ضمنها واقعة ضياع ختمه وإعلانه عنه وإشهاده
بذلك أمام المحكمة الشرعية.
نعم إن تعلق الأوجه بواقعة التزوير مسألة تدخل في سلطة قاضي الموضوع المطلقة ولكن ما
تمسك به الطاعن بما فيه الدليل الرابع لم يكن أوجه تزوير (moyens) وإنما كانت وجوه
دفاع وأسانيد موضوعية مهمة مؤثرة في ذات التزوير المدعى به، فكان يتعين على محكمة الاستئناف،
وهي تقضي في موضوع التزوير بحكم قطعي يوجب القانون تسبيبه، أن تسبب حكمها برفض هذه
الأسانيد والدفاع تسبيباً كافياً. خصوصاً وأن محكمة أوّل درجة قد أخذت بهذه الأسانيد
واعتمدتها وقضت ببطلان السند المطعون فيه. ولا يقلل من قيمة هذا القول أن دعوى التزوير
قد رفعت لأوّل مرة أمام محكمة الاستئناف وأن الحكم الابتدائي لم يكن صادراً فيها، لأن
ذلك الحكم وإن لم يصدر في دعوى التزوير ذاتها فقد صدر في نفس موضوع دعوى التزوير وهو
صحة السند أو تزويره وانتهى إلى القضاء بتزويره.
وبما أنه إذا تقرر ما تقدّم يكون الحكم المطعون فيه معيب التسبيب مما يقتضي بطلانه
ونقضه. الخ.
