الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 63 سنة 6 ق – جلسة 03 /12 /1936 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 40

جلسة 3 ديسمبر سنة 1936

برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك المستشارين.


القضية رقم 63 سنة 6 القضائية

محرّر. تفسيره. مدى سلطة قاضي الموضوع في ذلك. مثال. سند. تكييفه بأنه وصية. (المواد 138 و139 و140 مدني)
للقاضي السلطة في تفسير العقود والمحررات على وفق نية المتعاقدين أو نية الملتزم منهما ولو اقتضى ذلك مخالفته للمعنى اللغوي للألفاظ التي صيغت بها، وإنما يجب عليه في هذه الحالة أن يبين سبباً مقبولاً لعدم اعتداده بالمعنى الظاهري ولأخذه بالمعنى الذي ذهب إليه.
فإذا كان الثابت بالحكم أن محكمة الاستئناف قد عرضت لما قدّمه كل من طرفي الخصومة تأييداً لوجهة نظره في حقيقة سند صادر من مورّثهم، ووازنت بين القرائن التي اعتمد عليها كل منهما، ثم استشفت من مقارنة عبارة السند بسندات أخرى صادرة من المورّث نفسه، ومما دوّنه في مفكراته اليومية، ومن حالة المدعين المالية وتصرفهم اللاحق لكتابة السند وعدم مطالبتهم بقيمته إلا بعد وفاة المورّث – استشفت من ذلك كله أن ما قصده الملتزم بالسند إنما هو الإيصاء فوصفته بأنه سند وصية لم يجزها الورثة المدعى عليهم، وحكمت برفض الدعوى مبينة كل ذلك في حكمها فلا يصح الطعن في هذا الحكم بالخطأ في تكييف السند بأنه وصية مع أنه هبة منجزة مستترة.


الوقائع

تتلخص وقائع الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والحكم الابتدائي المؤيد به – في أن المرحوم مصطفى سالم أفندي مورّث طرفي الخصومة توفي في 6 يناير سنة 1935 عن بناته الأربع (الطاعنات) وزوجته السيدة ليلى أحمد مصطفى وأخته السيدة فاطمة سالم. وعقب وفاته بأربعين يوماً رفعت الطاعنات على زوجة أبيهنّ وعمتهنّ هاتين، هذه الدعوى لدى محكمة الزقازيق الابتدائية ادّعين فيها أن أباهنّ مدين لهنّ ب 4106 جنيهات، من ذلك 4000 جنيه بموجب سند مؤرّخ في 10 ديسمبر سنة 1929، وثابت التاريخ في 22 أكتوبر سنة 1934 لكل منهنّ الربع و3250 قرشاً إلى إحداهنّ السيدة نفوسة بإيصال تاريخه 25 مارس سنة 1932 و4000 قرش إلى السيدة فاطمة المدّعية الثالثة بسند تاريخه 25 مايو سنة 1932 أيضاً و3350 قرشاً إلى السيدة نعيمة المدعية الرابعة بسند تاريخه 25 مارس سنة 1932، وطلبن الحكم بإلزام المدّعى عليهما بأن يدفعا لهنّ من تركة مورّثهن ومورّثهما المبالغ المتقدّمة مع المصاريف والأتعاب.
ولدى المرافعة أمام المحكمة الابتدائية دفع المدّعى عليهما الدعوى بأن السند الأوّل هو وصية مضافة إلى ما بعد الموت قصد بها مورّثهما حرمانهما من إرثه، وجعل هذا الإرث منحصراً في بناته دونهما. والمحكمة المذكورة قضت بتاريخ 14 مايو سنة 1935 بإلزام المدعى عليهما بأن يدفعا من تركة مورّثهما حصصهما في المبالغ الثلاثة الأخيرة، ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات في ذاكرة حكمها "أنه اتضح لها من ظروف القضية أن المورّث المذكور لم يرزق بولد، وقد كتب السند الأوّل (الذي قيمته 4000 جنيه) لبناته المدّعيات ليميزهن عن باقي الورثة… وأنه لم يقصد منه إلا إضافة تنفيذه إلى ما بعد الوفاة، وأنه في الواقع وصية مستورة… لا تجوز إلا بإجازة الورثة".
فاستأنفت المدعيات المذكورات هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر وطلبن تعديله والحكم بإلزام المستأنف عليهما بأن يدفعا أيضاً من تركة مورّثهما إليهنّ أربعة آلاف جنيه مصري والمصاريف والأتعاب.
ومحكمة الاستئناف حكمت في 6 يونيه سنة 1936 بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وبتأييد الحكم المستأنف وإلزام المستأنفات الخ.
أعلن هذا الحكم للطاعنات في 6 يونيه سنة 1936، فطعن فيه وكيلهنّ بطريق النقض الخ.


المحكمة

ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف قد أيدت الحكم المستأنف القاضي برفض دعوى الطاعنات بالنسبة للسند المؤرخ في 10 ديسمبر سنة 1929 الثابت التاريخ في 22 أكتوبر سنة 1934، واعتمدت في قضائها هذا على أن السند المذكور لا يتضمن في واقع الأمر إلا الإيصاء لهن بقيمته من والدهن. وتقول الطاعنات إن الحكم المطعون فيه قد جاء من جهةٍ مخطئاً في تكييف هذا السند واعتباره وصية، وكان ينبغي على الأقل اعتباره هبة منجزة مستترة في شكل سند تحت الإذن. ووقع باطلاً من جهة أخرى لقصور أسبابه عن إيراد ما استظهرت منه المحكمة أن ورقة السند لا تفيد إلا الوصية المضافة إلى ما بعد الموت، وعن الرد على ما لفتت الطاعنات المحكمة إليه من العبارات الواردة في السند الدالة على أنه مستحق السداد وقت الطلب، وأنه قابل للتحويل، وأن قيمته دفعت نقداً، ولا على ما ادّعينه من أن والدتهنّ كانت تداين والدهنّ بمبالغ، فحرّر لهنّ السند إثباتاً لمديونيته لهنّ.
هذا. وحيث إن الثابت الواضح في أسباب الحكم المطعون فيه والحكم الابتدائي المؤيد به أن موضوع النزاع بين الطاعنات والمدعى عليهما في الطعن كان يدور على السند ذي الأربعة آلاف جنيه المؤرّخ في 10 ديسمبر سنة 1929 هل هو في حقيقته سند بدين كما تقول الطاعنات أم هو سند بوصية مضافة إلى ما بعد الموت كما تقول المدّعى عليهما. وكان لكل من الطرفين قرائن تؤيد وجهة نظره. ولذلك دوّنت محكمة الاستئناف في رأس حكمها ما اعترض به الطاعنات على الحكم المستأنف مما تضمنه دفاعهنّ في الدعوى، وما أجاب به المستأنف عليهما وما استدلا به على وجهة نظرهما من القرائن والأدلة الأخرى المحرّرة من مورّثهنّ جميعاً. ثم أوردت المحكمة عبارة هذا السند وقارنتها بعبارات السندات الثلاثة الأخرى، ثم قالت "إن هذه الاختلافات وإن كانت يسيرة إلا أنها تنم عن نفسية المورّث وقت تحرير كل منها فكان يشعر أن المبلغ المحرّر به الثلاثة السندات الأخرى لا يحتمل نزاعاً في المستقبل لجدّيته. أمّا السند الآخر فكان المنتظر قيام النزاع من باقي الورثة على صحته لجسامته وعدم قدرة الدائنات على إقراضه فأحاطه في نصه وفي ثبوت تاريخه بما عساه يدفع في نظره هذا النزاع…". ثم أخذ الحكم المطعون فيه يورد دفاع الطاعنات دفاعاً دفاعاً ويرد عليه فقال "إن القول بأن المرحومة والدة المستأنفات كانت تداين زوجها المورّث مقابل مصاغ باعه ونقود اقترضها في مبلغ الأربعة آلاف جنيه لم يقم عليه دليل وإنما قام هذا الدليل على عكسه. فقد ثبت من الاطلاع على المفكرات الدقيقة التي حررها المورّث حال حياته، وكان يقيد بها ما يرد إليه من النقود وما يصرفه، مهما كان تافهاً، أن المصاغ الذي كانت تملكه الوالدة لا تتجاوز قيمته مبلغاً ضئيلاً، مستشهداً في ذلك بالصحيفة المؤرّخة في 10 أكتوبر سنة 1925 من النوتة … … كما أنه لم يرد في تاريخ 10 ديسمبر سنة 1929 من النوتة المذكورة، الذي هو التاريخ العرفي للسند المختلف على حقيقته ما يؤيد استلام المورّث لهذا المبلغ من أية ناحية من النواحي…". وهكذا استرسل الحكم في بيان ووضوح وتفصيل حتى انتهى إلى ما دفع به الطاعنات من جواز اعتبار السند متضمناً هبة منجزة مستترة فبين خطأهنّ. ثم اختتم الحكم أسبابه بتأييد الحكم المستأنف بأسباب غير مخالفة لأسبابه هو.
وحيث إنه ينتج من ذلك أن محكمة الاستئناف لم تقصر في استعراض ما قدّمه كل طرف من طرفي الخصومة تأييداً لوجهة نظره في السند المتنازع علي حقيقته، وما كان للمورّث من نية فيه، ولا في الموازنة بين القرائن المقدّمة من كل منهما، وأنها قد استشفت مقصود الملتزم من عبارة السند المذكور بعد مقارنته بالسندات الأخرى مستهدية في ذلك بما دونه المورّث في مفكراته اليومية وبحالة الطاعنات المالية وتصرفهم اللاحق لكتابة السند وعدم مطالبتهم بقيمته إلا بعد الوفاة فتبين لها أن المقصود هو الوصية، فوصفت السند بأنه وصية لم يجزها المدعى عليهما ورفضت الدعوى به. وقد بينت كل ذلك في حكمها المطعون فيه فلا وجه للنعي عليها بالخطأ في فهم الواقع في الدعوى ولا بقصور أسباب الحكم ولا بخطئه في تكييف السند بأنه لا يتضمن إلا وصية لا هبة منجزة مستترة، لأن لقاضي الدعوى تفسير المحررّات والأوراق على مقتضى نية المتعاقدين والملتزم منهما والعدول في تفسيرها عن المعنى الظاهر من ألفاظها إلى المعنى الذي يتفق مع هذه النية بشرط أن يدوّن في حكمه لم عدل عن المعنى الظاهر ولم أخذ بالمعنى الذي استظهره وأن يكون له في ذلك وجه مقبول معقول بينه في حكمه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه لم يخالف ذلك.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات