الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 61 سنة 6 ق – جلسة 26 /11 /1936 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 28

جلسة 26 نوفمبر سنة 1936

برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك المستشارين.


القضية رقم 61 سنة 6 القضائية

وقف. مطالبة ناظر الوقف بدفع معاش مستحق في الوقف بمقتضى كتابه ولا نزاع فيه. اختصاص المحكمة الأهلية بذلك. النزاع على الاستحقاق. عدم تعيين المستحق باسمه في كتاب الوقف. استناده إلى وظيفته في ادعاء الاستحقاق. اختصاص المحكمة الشرعية بالفصل فيه. وجوب وقف النظر في الموضوع حتى يفصل في أمر الاستحقاق. (المادتان 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية و26 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية)
مطالبة الناظر بدفع معاش مستحق في وقف لا تكون من اختصاص المحاكم الأهلية إلا إذا كان الاستحقاق مبيناً في كتاب الوقف ولا نزاع فيه. فإن لم يكن المدعي معيناً باسمه في كتاب الوقف، بل كانت وظيفته هي سنده في المطالبة بالاستحقاق على اعتبار أن عبارة كتاب الوقف عن استحقاق موظفيه تشمل هذه الوظيفة وتشمله شخصياً بالتالي، كان الفصل في النزاع بشأن ذلك من اختصاص المحاكم الشرعية وحدها. لأن المحاكم الأهلية ممنوعة من أن تفسر أية عبارة في كتاب الوقف متى كانت غامضة وكان تفسيرها على وجه دون آخر يعطي حقاً أو يهدر حقاً.
وإذن فإذا دفع لدى المحكمة الأهلية بعدم اختصاصها بالنظر في دعوى استحقاق في وقف لوجود نزاع عليه لغموض في كتاب الوقف، فإن عليها أن توقف النظر في موضوع الدعوى ريثما تفصل المحكمة الشرعية في أصل الاستحقاق. فإذا هي رفضت الدفع وفصلت في الدعوى كان حكمها واجب النقض.


المحكمة

وبما أن الطعن بني على وجهين: الوجه الأول وهو المهم يتلخص في أن محكمة الاستئناف قد خالفت القانون حين قضت باختصاص المحاكم الأهلية بالفصل في أصل استحقاق المدعى عليه أو عدم استحقاقه في الوقف. ذلك أن المادة 16 من لائحة ترتيب تلك المحاكم قد نصت على منع القضاء الأهلي من النظر في المنازعات المتعلقة بأصل الوقف. وتقول الطاعنة إن المقصود بأصل الوقف هو عقد الوقف بما اشتمل عليه من التقارير، سواء أكانت تلك التقارير متعلقة بذات أصل عقد الوقف من ناحية صحته وبطلانه أم كانت من محتويات شرط من شروط عقد الوقف، إذ أن كل هذه الشروط متعلقة بأصل الوقف ما دامت مشروطة فيه. كذلك نصت المادة 26 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية على أن دعاوى الاستحقاق في الوقف بجميع أسبابه من اختصاص القضاء الشرعي. وجاء في نصوص أخرى بتلك اللائحة ما يدل دلالة يقينية على أن جميع الدعاوى المتعلقة بوجود أصل الوقف أو بما اشترط فيه من شروط منصبة على أصله أو على ترتيب درجات المستحقين وتعاقبهم أو على مقادير استحقاقهم والحرمان أو الزيادة والنقص فيها – كل ذلك من اختصاص المحاكم الشرعية. أما الوجه الثاني، وقد عنون ببطلان جوهري في الحكم، فيتلخص في أن الحكم المطعون فيه وقد فصل خطأ في مسألة الاستحقاق قد جاءت أسبابه قاصرة لا يمكن معها لمحكمة النقض مراقبة سلامته قانوناً.
وبما أن ما أورده الحكم الابتدائي رداً على الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى يتلخص في "أنه وإن كانت دعاوى الاستحقاق في الوقف هي أصلاً من اختصاص المحاكم الشرعية إلا أن محل هذا هو قيام نزاع جدّي في الاستحقاق وعدم ظهوره بصفة واضحة، ولكن متى كان الاستحقاق واضحاً من كتاب الوقف بدون حاجة إلى حكم شرعي، فليس هناك ما يمنع المحاكم الأهلية من اعتبار أي شخص مستحقاً في الوقف"، ثم ذكر الحكم هذه الفقرة:
"ومن حيث إن المدعي (الدكتور عبد الفتاح فهمي أفندي) معين في كتاب الوقف ص 64".
"ومن حيث إنه لا نزاع في أن مرتبه كان 25 جنيهاً وأنه خدم في الوقف أكثر من 25 سنة. ومن حيث إنه يستند في تقرير معاشه كاملاً على النص الصريح الوارد في ص 73 من كتاب الوقف الذي يقضي بأن من قام بخدمة الوقف بالصدق والأمانة مدة عشرين سنة استحق معاشاً ورتب له ما كان يأخذه. ومن حيث إنه لذلك ترى المحكمة أن استحقاق المدعي في الوقف واضح وضوحاً تاماً في كتاب الوقف، وأن الدفع غير جدّي ويتعين رفضه".
أما الحكم الاستئنافي فقد استهل بأن الحكم الابتدائي في محله لما قضى به عن الدفع بعدم الاختصاص وعن الموضوع للأسباب الواردة به. ثم زاد الحكم أسباباً أخرى قوامها أن الواقف أراد أن تبرأ ذمته من التزام عليه لموظفيه الذين خدموه وخدموا الوقف بالصدق، وأن هؤلاء الموظفين لا يعتبرون من مستحقي الوقف. فالنزاع إذن قائم على مسألة مدنية لا شأن لها بالاستحقاق، ويكون الدفع بعدم الاختصاص على غير أساس.
وبما أن الذي يؤخذ من اتجاه الحكمين فيما ذكراه عن الاختصاص أن المحكمتين أرادتا توكيد اختصاص المحاكم الأهلية بنظر موضوع الدعوى وهو مطالبة ناظر وقف بدفع معاش مستحق في وقف بمقتضى كتابه ولا نزاع فيه. وهذا أمر مسلم به، ولكن كلا من الحكمين وهو يشير إلى هذه القاعدة الصحيحة رداً على دفاع الوزارة قد انزلق إلى التكلم في المسألة الأولية la question prejudicielle وهي استحقاق في أصل الوقف بحسب كتابه، فقرر أن المحاكم الأهلية مختصة بالفصل في هذه المسألة في الدعوى القائمة معللاً ذلك بأن النزاع بين المتخاصمين في الاستحقاق غير جديّ، وأن الدكتور معين تعييناً في كتاب الوقف. وعلى هذا الاعتبار قد أيد الحكم المطعون فيه قضاء محكمة أول درجة باختصاصها بنظر الدعوى، ثم أيده أيضاً بالنسبة للموضوع.
وبما أن ما ذكره الحكم الابتدائي المؤيدة أسبابه عن تعيين الدكتور عبد الفتاح فهمي أفندي بالذات في كتاب الوقف هو نظر خاطئ إذ أن الدكتور المذكور ليس معيناً باسمه للاستحقاق، بل إن وظيفته كطبيب أول لمستشفى المنشاوي هي التي كانت سنده في المطالبة بالاستحقاق على زعم أن عبارة كتاب الوقف عن استحقاق موظفيه تشمل هذه الوظيفة بدون أي لبس وتشمله شخصياً بالتبع.
وبما أن تأويل كتاب الوقف فيما يتعلق باستحقاق الدكتور بصفته طبيب أول مستشفى طنطا كان محل نزاع قديم بينه وبين وزارة الأوقاف، وصدرت فتوى من إدارة القسم الشرعي بهذه الوزارة قبل رفع الدعوى الحالية فحواها أن كتاب الوقف لا يؤذن باستحقاقه.
وبما أن هذه المسألة الأولية تتصل بشرط من شروط الوقف، والمحاكم الأهلية ممنوعة من أن تفسر أية عبارة من عبارات كتاب الوقف متى كانت غامضة وكان تفسيرها على وجه دون آخر يعطي حقاً أو يهدر حقاً، بل كل هذا من اختصاص المحاكم الشرعية وحدها. أما المحاكم الأهلية فلا تقضي باستحقاق مستحق إلا إذا كان واضحاً من كتاب الوقف ولا نزاع فيه بينه وبين الناظر، لا من جهة أصله ولا من جهة مقداره. (انظر حكم محكمة النقض الرقيم 16 مايو سنة 1935 في الطعن رقم 71 سنة 4 قضائية).
وبما أنه يبين من ذلك أنه ما كان لمحكمة الاستئناف، بعد أن فصلت في أمر الاختصاص برفض الدفع، أن تفصل في الوقت نفسه في موضوع الدعوى، بل كان يتعين عليها أن توقف النظر فيه أمامها ريثما يفصل في أصل استحقاق المدعى عليه في الطعن وهو المسألة الأولية التي ثبت قيام نزاع جدّي بشأنها بين طالب الاستحقاق وناظر الوقف والتي ليس من اختصاص المحاكم الأهلية الفصل فيها، بل إن ذلك من اختصاص المحاكم الشرعية.
وبما أنه يخلص مما تقدّم أن الحكم المطعون فيه واجب النقض في الشق المتعلق بموضوع الدعوى مع القضاء بإيقاف الفصل في ذلك أمام محكمة الاستئناف ريثما تفصل المحكمة الشرعية في أصل الاستحقاق.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات