الطعن رقم 875 لسنة 35 ق – جلسة 09 /11 /1965
أحكام النقض – المكتب الفني- جنائي
العدد الثالث – السنة 16 – صـ 833
جلسة 9 من نوفمبر سنة 1965
برياسة السيد المستشار/ توفيق أحمد الخشن نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: حسين السركي، ومحمد صبري، وجمال المرصفاوي، ومحمد عبد المنعم حمزاوي.
الطعن رقم 875 لسنة 35 القضائية
(أ، ب) وصف التهمة. نقض. "المصلحة في الطعن" محكمة الموضوع.
(أ) عدم تقيد المحكمة بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة على الفعل المسند إلى المتهم.
حقها في تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف القانوني السليم.
(ب) القضاء بالبراءة على أساس الشك في صحة إسناد الواقعة إلى المتهمين. لا مصلحة للطاعن
من النعي على الحكم أنه لم يرد الحادث إلى وصف قانوني معين.
(ج) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". دعوى جنائية. دعوى مدنية.
مجرد تشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم. كفايته للقضاء بالبراءة ورفض الدعوى
المدنية.
(د، هـ، و) سبق إصرار. ترصد. ظروف مشددة. حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
(د) سبق الإصرار. ماهيته: حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني. استخلاص القاضي لها من وقائع
خارجية. ما دام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا الاستخلاص.
(هـ) الترصد. ماهيته: ظرف عيني مشدد وصفه لاصقة بذات الفعل المادي المكون للجريمة.
(و) جمع الحكم بين ظرفي سبق الإصرار والترصد عند تحدثه عنهما. لا يضيره ما دام قد دلل
على نفيهما تدليلاً سائغاً.
(ز) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". محكمة الموضوع.
لمحكمة الموضوع استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها وإطراح
ما يخالفه من صور أخرى. ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل
والمنطق ولها أصل في الأوراق.
(ح) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
المحاكمات الجنائية: العبرة فيها هي باقتناع القاضي بناء على الأدلة المطروحة عليه.
مطالبة قاضي الموضوع بالأخذ بدليل معين. لا تصح.
1- من المقرر أن المحكمة غير مقيدة بالوصف الذي تعطيه النيابة العامة للواقعة كما وردت
في أمر الإحالة أو التكليف بالحضور، بل إن من واجبها أن تسبغ على الواقعة المطروحة
عليها وصفها الصحيح طبقاً للقانون لأن وصف النيابة العامة ليس نهائياً بطبيعته وليس
ما يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف القانوني
الذي ترى هي أنه الوصف القانوني السليم.
2- متى كان الحكم المطعون فيه قضى ببراءة المطعون ضدهم على أساس الشك في صحة إسناد
الواقعة إليهم وعدم اطمئنانه إلى أقوال الفريقين بشأن تحديد المعتدى على كل منهما لانتشار
الظلام ليلة الحادث مما يحول دون استطاعة تمييز المعتدي – فإنه لا جدوى للطاعن من النعي
على الحكم أنه لم يرد الحادث إلى وصف قانوني بعينه ما دامت البراءة قد قامت على أساس
عدم ثبوت الواقعة في حق المطعون ضدهم.
3- يكفي في المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم ليقضي
ببراءته ورفض الدعوى المدنية.
4- سبق الإصرار حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني، فلا يستطيع أحد أن يشهد بها مباشرة، وإنما
هي تستفاد من وقائع خارجية يستخلص منها القاضي مدي توافره ما دام موجب هذه الوقائع
والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا الاستنتاج.
5- الترصد ظرف عيني مشدد، وصفه لاصقة بذات الفعل المادي المكون للجريمة.
6- لا يضير الحكم أن يكون قد جمع بين ظرفي سبق الإصرار والترصد عند تحدثه عنهما ما
دام قد دلل على نفيهما تدليلاً سليماً.
7- من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على
بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفه
من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها
أصل في الأوراق.
8- الأصل في المحاكمة الجنائية أن العبرة في إدانة المتهم أو براءته هي باقتناع القاضي
بناء على ما يطمئن إليه من أدلة وعناصر في الدعوى. فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل دون
آخر.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة المطعون ضدهم بأنهم في ليلة 28/ 3/ 1965 بدائرة مركز أجا محافظة الدقهلية: (أولاً) أحدثوا عمداً بعبد الحميد إبراهيم البيومي الإصابات الموصفة بالتقرير الطبي الشرعي والتي نشأت عن إحداها عاهة مستديمة يستحيل برؤها هي فقد عظمي بالجدارية اليمنى لا ينتظر ملؤه بالعظام مستقبلاً لذا سيبقى المخ في هذا الوضع عرضة للمؤثرات الخارجية البسيطة التي ما كانت لتؤثر فيه من قبل وسيبقى المخ في هذا الوضع عرضة للمضاعفات الخطيرة كالالتهام السحائي والخراريج والصرع وغيرها من الأمراض التي لا يمكن التكهن بحدوثها في الوقت الحاضر مما يقلل من كفاءته على العمل بنحو 6% وكان ذلك مع سبق الإصرار والترصد (وثانياً) أحدثوا عمداً بعبد اللطيف حسن محمود الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي والتي نشأت عن إحداها عاهة مستديمة يستحيل برؤها هي بعض العسر البسيط في حركة ثني المرفق وحركة كب الساعد الأيسر مما يقلل بعض الشئ من قوة الطرف العلوي الأيسر وفائدته بالنسبة للمجني عليه ومقدرته على العمل بنحو 4%. وكان ذلك مع سبق الإصرار والترصد. وطلبت من مستشار الإحالة إحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمادة 240/ 1 – 2 من قانون العقوبات، فقرر بذلك. وادعى المجني عليهما مدنياً وطلبا الحكم لكل منهما قبل المتهمين متضامنين بمبلغ مائة جنيه على سبيل التعويض والمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة. ومحكمة جنايات المنصورة قضت حضورياً في 19 نوفمبر سنة 1963 عملاً بالمادتين 304/ 1 و381 من قانون الإجراءات الجنائية (أولاً) ببراءة المتهمين. و(ثانياً) رفض الدعويين المدنيتين المرفوعتين من المجني عليهما مع إلزام كل بمصاريف دعواه وخمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة. فطعن المدعي بالحق المدني الأول في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
حيث إن الطاعن ينعي على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضي ببراءة المطعون
ضدهم من جريمة إحداث عاهتين مستديمتين بالمجني عليهما وبرفض الدعوى المدنية قد شابه
قصور وتناقض في التسبيب وفساد في الاستدلال وانطوى على خطأ في تطبيق القانون وخطأ في
الإسناد، ذلك بأن الحكم استبعد ظرفي سبق الإصرار والترصد وذهب في تدليله إلى أن المتهمين
لم يعلموا بتوجه المجني عليهما إلى المسقاة ليلة الحادث وأن الزعم بأن المتهم الأخير
أخطر باقي المتهمين بهذه الواقعة لم يقم عليه دليل وهو استخلاص خاطئ لواقعة الدعوى
لأن المتهمين أقروا في بلاغهم بأن توجهوا إلى الحقل فور علمهم من المتهم الأخير بأن
المجني عليهما في طريقهما إلى المسقى لهدمها ليحولوا بينهما وبين تنفيذ مقصدهما فضلاً
عن أن ما أورده الحكم على هذا النحو إن جاز اعتباره مبرراً لاستبعاد ظرف الترصد فإنه
لا يصلح سبباً لنفي سبق الإصرار لأن جهل المتهمين بمرور المجني عليهما في مكان الحادث
لا ينفي نيتهم المبيتة على الاعتداء والتي ظهرت بما ورد في بلاغهم من سبق حصول مشاجرة
بينهم وبين المجني عليه الأول عصر اليوم السابق للحادث ويكون الحكم بذلك قد أغفل التدليل
على نفي ركن سبق الاصرار بأسباب مستقلة. ثم إن ما أورده الحكم من انتشار الظلام ليلة
الحادث بحيث يحول دون تمييز كل من الفريقين للآخر لا يتفق وما قرره المتهمون من أنهم
تمكنوا من رؤية المجني عليهما. ومن ناحية أخرى فقد ذهب الحكم في تصويره لواقعة الدعوى
إلى أن المتهمين توجهوا ليله الحادث لري أرضهم في الوقت الذي توجه المجني عليهما للري
أيضاً فتقابل الفريقان مصادفة وهو أمر لا سند له من الأوراق. كما أخطأ الحكم في تطبيق
القانون حين قضى ببراءة المتهمين على أساس انتفاء سبق الإصرار والترصد دون أن يتعقب
محدثي الاعتداء أو يقضي بالقدر المتيقن في حق كل منهم خاصة وأن من بين المتهمين من
أقر بالتحامه مع المجني عليهما وعلى الرغم من أن عدد إصابات المجني عليهما يفوق عدد
المتهمين.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن أشار إلى تصوير الاتهام لواقعة الدعوى وحصل عناصرها
وأدلتها خلص إلى الصورة الصحيحة التي اعتنقها لواقعة الدعوى في قوله "وحيث إنه لا خلاف
في أن المجني عليه الأول عبد الحميد إبراهيم البيومى – الطاعن – ومعه عبد اللطيف حسن
محمود – المجني عليه الثاني – توجه لفتح المياه لري أرضه كما توجه محمد عبد الكريم
الجندي – المطعون ضده الأول – ومعه الدسوقي حسين الجندي لفتح المياه لري أرضه ويقوم
الخلاف بعد ذلك فيما زعمه المجني عليهما من أنه كان مع محمد عبد الكريم الجندي آخرون
ذكرهم في التحقيقات واعتدوا عليهما بالضرب وما يقول به المتهم الأول من أنه كان مع
المجني عليهما آخرون اعتدوا عليه وزميله الدسوقي بالضرب. كما أنه لا خلاف في أن الجو
كان مظلماً ولا يوجد قمر يخفف من حلكة الظلمة فليس من المعقول والحالة هذه أن يميز
أحد الطرفين أفراد الطرف الآخر إن صح ما زعمه كلاهما من وجود العديد من الرجال اشتركوا
في المشاجرة والاعتداء أو يحدد ما مع كل من الطرف الآخر من آلات الاعتداء" ثم عرض الحكم
إلى ظرفي سبق الإصرار والترصد. ونفى قيامهما في قوله: "إن كلاً من الطرفين المجني عليهما
والمتهم الأول والدسوقي الجندي توجه لفتح المياه لري أرضه وحدث أن تقابل الطرفان في
الطريق واعتدى أحدهما على الآخر فلا يمكن في هذه الحالة وجود سبق إصرار وترصد خصوصاً
وأنه لم يقم أي دليل على معرفة المتهمين بمرور المجني عليهما في هذا الطريق وفي هذه
الليلة. أما ما يزعمه عبد الحميد إبراهيم البيومي أن عبد الحميد أصلان هلول – المطعون
ضده الأخير – هو الذي أخطر المتهمين بمروره وزميله من هذا المكان في هذا الوقت فإنه
فضلاً عن أنه لم يقم دليل على وجود عبد الحميد أصلان هلول مع المتهمين فإنه لم يقم
دليل على أن هذا الشخص كان عند عبد الحميد البيومي في منزله في تلك الليلة ومن ثم يكون
ركن سبق الإصرار والترصد منتفيا ولا دليل عليه" وخلص الحكم بعد ذلك إلى القضاء ببراءة
المتهمين في قوله "وحيث إنه متى كان ذلك كذلك وكان الموضوع لا يعدو مشاجرة اشترك فيها
أكثر من شخصين حسب الثابت من أقوال الطرفين فإنه لا يمكن تحديد من أحدث إصابة كل من
المجني عليهما وتكون التهمة والحالة هذه موضع شك كبير مما يتعين معه براءة المتهمين
مما هو منسوب إليهم". لما كان ذلك، وكان الترصد ظرفاً عينياً مشدداً وصفه لاصقة بذات
الفعل المادي المكون للجريمة، أما سبق الإصرار فحالة ذهنية تقوم بنفس الجاني فلا يستطيع
أحد أن يشهد بها مباشرة، وإنما هي تستفاد من وقائع خارجية يستخلص منها القاضي مدي توافره،
ما دام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا الاستنتاج. ولما كان الحكم
المطعون فيه قد استخلص من وقائع الدعوى وسائر عناصرها أن المتهمين لم يعلموا بمرور
المجني عليهما بمكان الحادث ليلة وقوعه والتفت عما أثاره الطاعن من سبق قيام خلاف بينه
وبين المطعون ضده الأول مما يفيد ضمناً اطراحه لهذه الواقعة وعدم اطمئنانه إليها، فإنه
يكون قد دلل على نفي قيام سبق الإصرار والترصد تدليلاً سليماً، ولا يضيره في ذلك أن
يكون قد جمع بين هذين الظرفين عند تحدثه عنهما، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا
الشأن لا يكون سديداً. أمام ما ينعاه الطاعن على الحكم من فساد في الاستدلال لالتفاته
عما تضمنه بلاغ المتهمين عن الحادث من إخطار المتهم الأخير لهم بتوجه المجني عليهما
إلى الحقل وأنهم قصدوا من انتقالهم الحيلولة بينهما وبين هدم المسقى فإنه مردود بأن
الأصل في المحاكمة الجنائية أن العبرة في إدانة المتهم أو براءته هي باقتناع القاضي
بناء على ما يطمئن إليه من أدلة وعناصر في الدعوى فلا يصح مطالبته بالأخذ بدليل دون
آخر. وإذ ما كان الطاعن لا ينازع في أن المتهمين أنكروا في التحقيقات علمهم بانتقال
المجني عليهما إلى الحقل ليلة الحادث أو إخطار المتهم الأخير لهم بهذه الواقعة، فإنه
لا يقبل من الطاعن مصادرة المحكمة في عقيدتها أو مطالبتها بالركون إلى بلاغ الحادث
دون التحقيقات أما ما استطرد إليه الطاعن من منازعة في التصوير الذي اعتنقه الحكم للحادث
ونعيه عليه اطراحه الصورة التي أوردها الاتهام للحادث فمردود بأن الأصل أن من حق محكمة
الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة
الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفه من صور أخرى ما
دام استخلاصها سائغاً مستنداً على أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق.
ولما كان الثابت من الاطلاع على المفردات التي أمرت المحكمة بضمها تحقيقاً لوجه الطعن
أن ما صورته المحكمة لواقعة الدعوى له أصله الصحيح بالأوراق، فإن ما يثيره الطاعن في
هذا الشأن لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة غير مقيدة بالوصف
الذي تعطيه النيابة العامة للواقعة كما وردت في أمر الإحالة أو التكليف بالحضور، بل
إن من واجبها أن تطبق على الواقعة المطروحة عليها وصفها الصحيح طبقاً للقانون لأن وصف
النيابة العامة ليس نهائياً بطبيعته وليس ما يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد
الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف القانوني الذي ترى هي أنه الوصف القانوني السليم، إلا
أنه وقد قضى الحكم المطعون فيه ببراءة المطعون ضدهم على أساس الشك في صحة إسناد الواقعة
إليهم وعدم اطمئنانه إلى أقوال الفريقين بشأن تحديد المعتدي على كل منهما لانتشار الظلام
ليلة الحادث مما يحول دون استطاعة تمييز المعتدين، فإنه لا جدوى للطاعن من النعي على
الحكم أنه لم يرد الحادث إلى وصف قانوني بعينه ما دامت البراءة قد قامت على أساس عدم
ثبوت الواقعة في حق المطعون ضدهم، ذلك بأنه يكفي في المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضي
في صحة إسناد التهمة إلى المتهم ليقضى ببراءته ورفض الدعوى المدنية. لما كان ذلك، وكان
باقي ما يثيره الطاعن في أسباب طعنه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً لا يجوز إثارته
أمام محكمة النقض، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً وإلزام
الطاعن المصروفات المدنية ومصادرة الكفالة.
