الطعن رقم 1466 سنة 12 ق – جلسة 22 /06 /1942
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 681
جلسة 22 يونيه سنة 1942
برياسة حضرة محمد كامل الرشيدي بك وبحضور حضرات: سيد مصطفى بك ومحمد كامل مرسي بك ومنصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك المستشارين.
القضية رقم 1466 سنة 12 القضائية
( أ ) نيابة عمومية. وحدتها وعدم تجزئها. ذلك يصدق عليها بصفتها
سلطة اتهام. لا يصدق بصفتها سلطة تحقيق. مباشرة عضو إجراءات تحقيق في غير دائرة عمله.
تجاوز لاختصاصه. وكيل نيابة إصداره إذناً بتفتيش منزل واقع في غير دائرة عمله في جريمة
وقعت في غير اختصاصه. إذن باطل.
(المواد 60 من لائحة ترتيب المحاكم و5 و9 و18 و23 و68 و69 تحقيق والأمر العالي المؤرّخ
في 28 مايو سنة 1895 والقانون رقم 24 لسنة 1923)
(ب) بطلان التفتيش. أثره. استبعاد الأدلة المستمدّة منه. قيام أدلة أخرى في الدعوى.
صحة الإثبات بمقتضاها. وجوب بحثها.
1 – إنه إذا كانت النيابة العمومية وحدة لا تتجزأ، وكل عضو من أعضائها يمثل النائب
العمومي، والعمل الذي يصدر من كل عضو يعتبر كأنه صادر منه، فإن ذلك لا يصدق إلا على
النيابة العمومية بصفتها سلطة اتهام، أما النيابة بصفتها سلطة تحقيق فلا يصدق ذلك عليها،
لأنها خوّلت هذه السلطة استثناء وحلت فيها محل قاضي التحقيق لاعتبارات قدّرها الشارع.
ولذلك فإنه يجب أن يعمل كل عضو في حدود تلك السلطة مستمداً حقه لا من النائب العمومي
بل من القانون نفسه. هذا هو المستفاد من نصوص القانون في جملتها، وهو هو الذي تمليه
طبيعة إجراءات التحقيق باعتبارها من الأعمال القضائية البحت التي لا يتصوّر أن يصدر
فيها أي قرار أو أمر بناءً على توكيل أو إنابة، بل يجب – كما هي الحال في الأحكام –
أن يكون مصدرها قد أصدرها من عنده هو شخصياً ومن تلقاء نفسه. ولذلك ولأن القانون قد
نص فيه على أن أعضاء النيابة العامة يعين لكل منهم مقرّ لعمله فإنه يجب فيما يتعلق
بإجراءات التحقيق ألا يعمل العضو خارج الدائرة التي بها مقرّه وإلا عدّ متجاوزاً اختصاصه.
وإذن فإن الإذن الذي يصدر من وكيل نيابة بتفتيش منزل المتهم الواقع في غير دائرة عمله
في جريمة وقعت في غير دائرة اختصاصه يكون باطلاً.
2 – إن بطلان التفتيش لا يترتب عليه حتماً براءة المتهم، بل كل ما يقتضيه هو استبعاد
الأدلة المستمدّة من ذلك التفتيش وعدم الاعتداد بها في الإثبات. أما إذا كانت هناك
أدلة أخرى لا شأن للتفتيش بها فإن الإثبات بمقتضاها يكون صحيحاً ولا شائبة فيه. ولذلك
فإنه يجب على المحكمة إذا ما قضت ببطلان التفتيش أن تبحث فيما يكون قائماً في الدعوى
من الأدلة التي لا علاقة لها بالتفتيش وتقدّرها ثم تصدر حكمها بناءً على ما تراه بعد
ذلك من ثبوت الدعوى أو عدم ثبوتها.
المحكمة
ومن حيث إن النيابة العمومية تنعى بوجه الطعن المقدّم منها على
المحكمة أنها أخطأت إذ قضت ببطلان التفتيش الذي حصل ببلد المتهمين لصدوره من وكيل نيابة
الإسماعيلية وهو غير مختص بإصداره. لأن البلد المذكور تابع لنيابة الزقازيق لا الإسماعيلية.
ووجه الخطأ في ذلك أن النيابة العمومية وحدة لا تتجزأ، وكل عضو من أعضائها يعمل بالنيابة
عن النائب العمومي صاحب الاختصاص العام في جميع أنحاء الدولة المصرية.
ومن حيث إن واقعة الحال أن النيابة العمومية رفعت الدعوى على المتهمين بتهمة إحرازهما
جواهر مخدّرة، والمحكمة الابتدائية أدانتهما. ومما قالته في ذلك: "إنه فيما يتعلق بالمتهم
الأوّل فتهمة اتجاره بالمخدّرات ثابتة من تحرّيات البوليس السابقة على الضبط والتي
تأيدت بما شهد به البوليس الملكي عبد العزيز بيومي من أنه اشتري منه قطعتي الحشيش اللتين
قدّمهما. وأما واقعة ضبط الحشيش معه فثابتة مما أدلى به الضابطان ومن رافقهما وقت الضبط.
وقد أثبت الضابط أن هذا المتهم أقرّ بادئ الأمر شفاهاً أن الحشيش المضبوط معه مملوك
له، وأنه يتعاطاه، وثبت على اعترافه عند استجوابه في محضر البوليس، وذكر عند استجوابه
أمام النيابة أن الضابط استخرج من جيبه حقيقةً الحشيش وزعم أنه لا يعرف من دسه عليه.
وإنه بالنسبة للمتهم الثاني فقد شهد ضابط النقطة محمد سيف اليزل خليفة أفندي أثناء
تفتيشه للمتهم الأوّل أنه شاهد المتهم الثاني يضع بيده اليمنى على قاعدة النافذة المجاورة
له علبة الصفيح التي وجد بها الأفيون ولم تكن على النافذة علبة أو أشياء أخرى يمكن
أن تختلط بها العلبة المضبوطة. وشهد وكيل الأومباشي محمد الغريب الحسيني، والذي قرّر
ضابط النقطة أنه كان بجواره ينير له المكان بمصباح يحمله، أنه شاهد المتهم الثاني يضع
العلبة الصفيح على النافذة كما قرّر البوليس الملكي أحمد أمين حسين أنه شاهد رأي العين
هذه الواقعة أيضاً. كما شهد الضابط المحقق والبوليس الملكي عبد العزيز بيومي سعد بأنهما
سمعاً ضابط النقطة يقرّر أنه شاهد المتهم يضع علبة الأفيون المضبوطة على النافذة. وقد
تدعمت أقوال رجال القوّة بما شهد به بعض الحضور وهم إمام على غنيم ابن المتهم الأوّل
ومحمود عبد القادر عبد القادر وعباس عباس خضر من أنهم سمعوا الضابط يقرّر أنه شاهد
المتهم الثاني يضع علبة الأفيون على النافذة. وقد أثبت التحقيق الذي دار بالجلسة أن
الإضاءة بالمكان الذي تم فيه التفتيش كان كافياً بحيث تمكن ضابط النقطة من مشاهدة الحركة
التي بدرت من المتهم الثاني عند وضعه العلبة على النافذة. وقد أقرّ المتهم الثاني بضبطه
بمكان الحادث. ولم يدل في التحقيق أو الجلسة ما من شأنه أن يضعف الثقة بأقوال ضابط
النقطة ومن جاءت أقوالهم مدعمة لما أدلى به. ومن ثم يبين أن الأدلة القائمة قبله كفيلة
باتهامه. وكمية الأفيون التي ضبطت معه وقد بلغ وزنها 117.5 جم يستخلص من جسامتها أن
الإحراز لا يقف عند حدّ الاستعمال الشخصي بل جاوزه إلى الاقتران بقصد الاتجار". ولدى
المحكمة الاستئنافية تمسك الدفاع عن المتهمين ببطلان التفتيش بحجة أن الأمر به صدر
من وكيل نيابة الإسماعيلية، مع أن البلد الذي حصل فيه التفتيش تابع لمركز الزقازيق.
والمحكمة قضت ببراءة المتهمين، وقالت فيما قالته: "بما أن الجريمة المطروحة أمام هذه
المحكمة مسلم من النيابة العمومية بوقوعها بدائرة نيابة الزقازيق. وظاهر من الأوراق
أن هذه الواقعة محدودة زماناً ومكاناً ولا صلة لها بأية قضية منظورة أمام نيابة الإسماعيلية.
وبما أن مدار البحث الآن يتلخص فيما إذا كان من حق وكيل نيابة الإسماعيلية الذي يعمل
بدائرة نيابة محافظة بورسعيد أن يعطي إذناً بتفتيش منزل متهم يقيم بدائرة مركز الزقازيق
التابع لمديرية الشرقية وفي جريمة لا شأن له بها، أم أن أعضاء النيابة العمومية كل
لا يقبل التجزئة ولكل منهم الحق قانوناً في تحقيق أية جريمة وإصدار الإذن بالتفتيش
بصرف النظر عن قواعد الاختصاص. وبما أن النائب عن الجماعة والذي يتولى مباشرة الدعوى
العمومية هو النائب العام، ويقوم بهذا العمل في أنحاء البلاد رؤساء النيابة والنوّاب
وأعضاء النيابة، كل في دائرة اختصاصه، فهو الأصيل ومن عداء وكيل عنه وكالة محدودة إذا
جاوزها كان عمله باطلاً (تراجع المادة 60 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية). وبما أنه
باستعراض نصوص قانون تحقيق الجنايات منذ إنشاء المحاكم الأهلية في سنة 1883 يبين منها
أن سلطة التحقيق كانت في يد قاضي التحقيق حتى صدور الأمر العالي في 28 مايو سنة 1895
بجميع سلطتي الاتهام والتحقيق في يد النيابة العمومية ليكون ذلك داعياً للسرعة في إنجاز
التحقيق والقصد في حبس المتهمين احتياطياً مدداً طويلة، وأبقى نظام قاضي التحقيق لكي
تلجأ إليه النيابة العمومية لتحقيق بعض الجنايات وجنح التزوير والنصب وخيانة الأمانة
والتفالس. وبما أنه متى تبين أن النيابة العمومية حلت مكان قاضي التحقيق فليس لها أن
تجاوز سلطانه. ومن ثم لا يجوز لوكيل نيابة الإسماعيلية أن يأمر بتفتيش منزل متهم لم
يقترف جريمة في دائرته. وبما أنه يؤيد هذا الرأي ما نصت عنه المادة التاسعة من قانون
تحقيق الجنايات "يجب على مأموري الضبطية القضائية أن يقبلوا التبليغات التي ترد إليهم
في دائرة وظائفهم بشأن الجنايات والجنح والمخالفات، وأن يبعثوا بها فوراً إلى النيابة
العمومية بالمحكمة التي من خصائصها الحكم في ذلك". ومعنى ذلك صراحة أنه كان يتعين على
ضابط مكتب المخدّرات بالإسماعيلية أن يبلغ الواقعة لوكيل نيابة مركز الزقازيق وهو المختص،
ولكنه لم يفعل حتى لا يتجشم مشقة الانتقال إليه. وبما أنه بمراجعة النصوص الخاصة بتفتيش
المنازل وهي الوارد ذكرها في المواد 5 و18 و23 و30 و68 و69 من قانون تحقيق الجنايات
والمادة 29 من القانون رقم 24 سنة 1923 يشترط لحصول هذا التفتيش أن يكون هناك جريمة
معينة زماناً ومكاناً وفي دائرة اختصاص من يأذن بالتفتيش. وبما أنه متى استقرّ الرأي
على أن التفتيش الذي أذن به وكيل نيابة الإسماعيلية عن منزل منهم يقيم بدائرة مركز
الزقازيق وقع باطلاً، يتعين الأخذ بالدفع والحكم ببراءة المتهم الأوّل. وبما أنه بالنسبة
للمتهم الثاني فقد اشتمل الإذن على تفتيش المتهم ومنزله ومن يحتمل وجوده وقت التفتيش،
وقد كان المتهم الثاني بين من تناولهم هذا التفتيش. وبما أنه قد يعترض على ذلك بأن
ضابط نقطة التل الكبير شاهد المتهم الثاني يضع العلبة على النافذة التي كانت خلفه،
ومن ثم يكون في حالة تلبس يسوغ الضبط والتفتيش. وبما أن شاهد الإثبات الأوّل وهو ضابط
النقطة محمد سيف اليزل أفندي لا يمكن الاطمئنان لشهادته ومن تابعه من الشهود، لأنه
كان يباشر تفتيش المتهم الأوّل وضبط ما معه من الحشيش وفي ضوء محدود، وفي ذلك ما يشغله
عن رؤية المتهم الثاني. كما أن العلبة التي لا يعرف مصدرها وجدت على النافذة وعلى مقربة
من المتهم الأوّل، وقد اعترف بملكيتها في التحقيق ثم عدل عن ذلك. ومن ثم يتعين براءة
المتهم الثاني".
ومن حيث إنه إذا كانت النيابة العمومية لا تتجزأ يمثل أعضاؤها النائب العمومي فيعتبر
العمل الذي يصدر من كل منهم كأنه صادر منه إلا أن ذلك لا يصدق إلا على النيابة العمومية
بصفتها سلطة اتهام، أما النيابة بصفتها سلطة تحقيق فلكونها خوّلت هذه السلطة استثناء
وحلت فيها محل قاضي التحقيق لاعتبارات قدّرها الشارع يجب أن يعمل كل عضو في حدودها
مستمداً حقه، لا من رئيسه بل من القانون نفسه. هذا هو المستفاد من نصوص القانون في
مجموعها. وهذا هو الذي تمليه طبيعة إجراءات التحقيق باعتبارها من الأعمال القضائية
البحت التي لا يتصوّر أن يصدر أي قرار أو أمر فيها بناءً على توكيل أو إنابة، بل يجب
– كما هو الحال في الأحكام – أن يكون من أصدرها قد أصدرها من عنده هو باسمه ومن تلقاء
نفسه.
ومن حيث إنه متى كان الأمر كذلك، وكان القانون قد نص فيه على أن أعضاء النيابة العمومية
يعين لكل منهم مقرّ لعمله، فإنه يجب فيما يتعلق بإجراءات التحقيق ألا يعمل العضو خارج
الدائرة التي بها مقرّه وإلا عدّ متجاوزاً لاختصاصه.
ومن حيث إنه بناءً على ما تقدّم فإن هذه المحكمة تقرّ المحكمة الاستئنافية على النظر
الذي انتهت إليه في الحكم المطعون فيه، لأن إذن التفتيش بصدوره من وكيل نيابة غير مختص
يكون حقيقة قد صدر باطلاً. إلا أن هذا البطلان لا يترتب عليه بصفة عامّة براءة المتهم
الأوّل كما قالت المحكمة، بل إن كل ما يترتب عليه هو استبعاد الأدلة المستمدّة من التفتيش
الباطل وعدم الاعتداد بها في الإثبات. أما إذا كانت هناك أدلة أخرى لا شأن لها بالتفتيش
فإن الإثبات على مقتضاها يكون صحيحاً لا شائبة فيه، ولذلك فإنه كان واجباً على المحكمة
أن تبحث الأدلة القائمة في الدعوى فيما عدا المخدّر المضبوط بناءً على التفتيش مثل
اعتراف المتهم في التحقيقات حتى إذا ما تبينت أن لا علاقة لها بالتفتيش قدّرتها وأصدرت
حكمها بناءً على ما تراه بعد ذلك من ثبوت التهمة أو عدم ثبوتها.
ومن حيث إنه لذلك يتعين قبول الطعن لهذا السبب الذي يتضمنه حتماً الطعن المقدّم من
النيابة، ونقض الحكم المطعون فيه، وذلك بالنسبة إلى المتهم الأوّل وحده. أما بالنسبة
إلى المتهم الثاني فإن المحكمة قد أقامت براءته على عدم كفاية الأدلة القائمة ضدّه،
وليس لوجه الطعن المتقدّم ذكره أية علاقة به، فيتعين إذن رفض الطعن بالنسبة إليه.
