الطعن رقم 855 سنة 12 ق – جلسة 25 /05 /1942
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 665
جلسة 25 مايو سنة 1942
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك ومنصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك المستشارين.
القضية رقم 855 سنة 12 القضائية
مسئولية مدنية. مسئولية السيد عن فعل خادمه. شرطها. وقوع الخطأ
المنتج للضرر من التابع في أثناء تأدية وظيفته لدى المتبوع. ثبوت تقصير أو إهمال من
المتبوع. لا يشترط. قاصر. مساءلته مدنياً عن تعويض الضرر الناشئ عن أفعال خدمه الذين
عينهم له وصية أثناء تأدية أعمالهم لديه. (المادة 152 مدني)
إن المادة 152 من القانون المدني إذ نصت بصيغة مطلقة على أنه "يلزم السيد بتعويض الضرر
الناشئ للغير عن أفعال خدمه متى كان واقعاً منهم في حال تأدية وظائفهم "فقد أفادت أنه
لا يقتضي ثبوت أي تقصير أو إهمال من جانب المتبوع الذي يلزم بالتعويض، بل يكفي لتطبيقها
أن يكون الخطأ المنتج للضرر قد وقع من التابع أثناء تأدية وظيفته لدى المتبوع. وإذن
فيصح بناءً على هذه المادة مساءلة القاصر عن تعويض الضرر الذي ينشأ عن أفعال خدمه الذين
عينهم له وليه أو وصيه أثناء تأدية أعمالهم لديه. ولا يردّ على ذلك بأن القاصر بسبب
عدم تمييزه لصغر سنه لا يتصوّر أي خطأ في حقه إذ المسئولية هنا ليست عن فعل وقع من
القاصر فيكون للإدراك والتمييز حساب وإنما هي عن فعل وقع من خادمه أثناء تأدية أعماله
في خدمته.
المحكمة
وحيث إن الطاعن ينعي بوجوه طعنه على الحكم المطعون فيه أنه جاء
قاصراً في بيان الأسباب، ومسخ وقائع الدعوى، وأخطأ في تأويل القانون. لأن المحكمة تقول
فيه إن السيارة رقم 4797 ملاكي مصر هي التي أصابت المجني عليه لأن الشاهدين طارداها
وقتاً طويلاً، وتجمهر عدد من الناس وقت ضبطها، وأخذت نمرتها على إثر الحادثة مباشرة،
وإن سائقها كان يقودها بسرعة كبيرة ولم ينبه المارة بالبوق. ثم تقول في الرد على دفاع
الطاعن عن الورقة التي حررت عليها نمرة السيارة ولم يعرف محرّرها إنها لا تأخذ به لأن
النمرة كتبت وقت ضبط السيارة مباشرة وبعد تجمهر عدد من الناس حولها، ولأن الشاهدين
قرّرا أنهما تحققا من نمرتها تماماً، ولأن أحدهما يعرف القراءة والكتابة، وقد استعرفا
على السيارة لما عرضت عليهما – تقول ذلك مع أن الوقائع الثابتة بالأوراق تخالف هذا
الذي تذكره المحكمة. فلم يثبت مطلقاً أن السيارة ضبطت، ولا أن الثمرة كتبت عند ضبطها
مباشرة، ولا أن عدداً من الناس تجمهر حولها. وإنما الذي ثبت هو أن كلا من حسن إبراهيم
وحنفي محمود عوض تقدّما لعسكري البوليس في مساء اليوم التالي لوقوع الحادث، وذكر تلك
الرواية الخيالية التي تدور حول تعقب السيارة واللحاق بها في شارع الملك بعد تتبعها
بسيارة ملاكي أخرى، ثم تجمهر الناس حولها وقيام بعضهم بمنعها من أخذ السيارة وسائقها
إلى مخفر البوليس، ثم ظهور الشخص المجهول الذي كتب رقم السيارة على ورقة وتقديم هذه
الورقة إلى السلطات. وهذه الرواية نسجها الشاهدان من الخيال بدليل أنهما لم يستطيعا
تقديم كاتب الورقة ولا سائق أو صاحب السيارة التي طاردا بها السيارة الفارة. فإذا أضيف
إلى ذلك أن المحكمة نفسها قد جرحت شهادتهما من ناحية تعرّفهما على الطاعن عند عرضه
عليهما مع أنهما أكدا أنه هو الذي كان يقود السيارة وأنه هو الذي امتنع عن الحضور معهما
إلى القسم، فما كان يحق لها بعد هذا أن تأخذ ببقية روايتهما فتعتبرها صحيحة، ثم تؤكد
في عبارة قاطعة أن تلك السيارة هي التي ارتكبت بها الحادثة. ثم إن محكمة أوّل درجة
وهي تتحدّث عن الدعوى المدنية قرّرت بحق أن القانون المصري لا يعترف بنظرية المسئولية
الشيئية، أي مسئولية صاحب السيارة عن الضرر الذي ينشأ منها دون حاجة إلى إثبات خطأ
ما عليه، وكان من المتعين عليها – نزولاً على هذه القاعدة الصحيحة – أن تثبت في حق
الطاعن شخصياً أو في حق ابنته القاصر والمحرر باسمها رخصة السيارة خطأ معيناً يستند
إلى المادتين 151 و152 من القانون المدني، ثم تؤسس عليه إلزام أحدهما أو كليهما بالتعويض.
أما وقد قضت ببراءة الطاعن والسائق من التهمة، وتبينت أن البنت قاصر لا يتجاوز عمرها
الثلاثة أعوام فقد كان الواجب أن لا تحكم قبلهما بأي تعويض لعدم وقوع أي خطأ منهما.
وقد استعانت في حكمها بالقول "إنه إذا أهمل صاحب السيارة في حراسة سيارته، ووقع منها
حادث أصبح مسئولاً عن التعويض". ثم افترضت أن صاحب السيارة في هذه الدعوى قد أهمل الحراسة
وتركها، وأن مجهولاً هو الذي ارتكب الحادث بها عندما اعترضها صغر سنّ مالك السيارة
وعدم إمكان نسبة التقصير أو الإهمال إليه، ثم عادت وذكرت بأن السيارة كانت في خدمته
أحياناً فيجب اعتباره مخطئاً إذا تركها للغير. واستناداً إلى هذا التضارب في ترتيب
الخطأ والإهمال انتهت إلى القضاء بتعويض قدره 150 جنيهاً وألزمت به القاصر شخصياً.
وهذا منها فيه مسخ للوقائع، لأنه خلق واقعة جديدة لا أثر لها في الأوراق هي أن الطاعن
أو بنته قد تركا السيارة للغير فارتكب بها الحادث. وأن أن أحدهما قد أهمل في حراسة
السيارة الأمر الذي مكن الغير المجهول من ارتكاب تلك الحادثة. أما الخطأ في تطبيق القانون
فواضح بالحكم من إلزام الطاعن بصفته وفي مال ابنته القاصر رغم ما استقرّ عليه من أنه
لا يجوز أن يسأل بناءً على مجرّد نظرية المسئولية الشيئية ورغم ما هو مسلم به من أن
هذه القاصر لم يقع منها خطأ أو إهمال يجعلها مسئولة طبقاً للقانون بل ولا يتصوّر أن
يقع شيء من ذلك منها لأنها لا تتجاوز بعد الثالثة من العمر، هذا ولقد دفع الطاعن أمام
محكمة الجنح المستأنفة بكل تلك العيوب فقال بأن مسئولية مالك السيارة منتفية عن ابنته
لصغرها انتفاء تاماً، كما أنها منتفية عنه لأنه لم يثبت أن السيارة في حيازته، والمسئولية
منتفية عن عاتقه وعاتقها لأن أساس المساءلة عن فعل الغير هو وقوع خطأ أو إهمال من المسئول
سواء أكان هو أم ابنته. وشيء من ذلك لا وجود له في الدعوى على الإطلاق. وقد حاولت المحكمة
الاستئنافية في حكمها أن تلقي المسئولية على عاتق الطاعن شخصياً فزعمت أنه مسئول عن
ابنته القاصر، كأن هذه القاصر قد ارتكبت خطأ ما، ومسئول عن خطأ الغير المجهول. ثم عادت
بعد هذا تقول بعدم إمكان إلقاء عبء التعويض على الطاعن لأن المدّعين بالحق المدني لم
يستأنفوا الحكم الابتدائي. ثم استطردت من ذلك إلى القضاء بتأييد الحكم المستأنف فأضافت
بذلك إلى وجوه الطعن خطأ تضارب الأسباب مع منطوق الحكم، لأن تلك الأسباب ترمي إلى إلقاء
عبء المسئولية على عاتق الطاعن وحده شخصياً، وهذا لا يتفق مع إلزام ابنته القاصر في
مالها بالتعويض، مع أنه ليس يكفي لإلقاء عبء المسئولية على عاتق البنت القاصر أو على
عاتق الطاعن شخصياً أن يستند الحكم إلى مجرّد القول بمسئولية صاحب السيارة عن فعل الغير.
لأن هذه القاعدة مشروطة بأن يكون هناك خطأ أو إهمال من المالك في الرقابة على ملكه.
وإلا فإن إطلاق هذه القاعدة بغير تعيين وإثبات الخطأ على المالك معناه الرجوع إلى نظرية
"المسئولية الشيئية" التي يجهلها القانون المصري.
وحيث إن المادة 152 من القانون المدني إذ نصت بصفة مطلقة على أنه: "يلزم السيد بتعويض
الضرر الناشئ للغير عن أفعال خدمته متى كان واقعاً منهم في حالة تأدية وظائفهم" لا
تقتضي ثبوت أي تقصير أو إهمال من جانب المتبوع الذي يلزم بالتعويض بل يكفي لتطبيقها
أن يقع الخطأ المنتج للضرر من التابع أثناء تأدية وظيفته. فيصح إذن مساءلة القاصر بناءً
عليها عن تعويض الضرر الذي ينشأ عن أعمال خدمه الذين عينهم له وليه أو وصيه أثناء تأدية
أعمالهم لديه، ولا يحق للمساءل في هذه الحالة أن يرد على ذلك بأنه هو بسبب عدم تمييزه
لصغر سنه لا يمكن أن يتصوّر أي خطأ في حقه.
وحيث إنه لما كان الثابت بالحكم المطعون فيه أن القتيل أصيب من السيارة التي تملكها
القاصر المحكوم عليها بالتعويضات بصفتها مسئولة عن حقوق مدنية، ولما كان المستفاد مما
جاء في ذلك الحكم أيضاً أن والد القاصر المذكورة، وهو الولي الطبيعي عليها، قد سلم
في سيارتها إلى شخص يقودها فارتكب بها الحادثة، مما يفيد أن المحكمة اعتبرت أن ذلك
السائق الذي لم يوفق التحقيق إلى معرفته إنما كان تابعاً للقاصر نصبه والدها بصفته
الولي عليها ليقود السيارة – لما كان كل ذلك، وكان الحكم قد عنى في ذات الوقت بإثبات
التقصير الكبير والخطأ الجسيم على ذلك السائق المجهول مما أدى إلى وقوع الحادث فإن
الحكم بالتعويضات على والد القاصر بصفته يدفعها من مال ابنته صاحبة السيارة باعتبارها
مسئولة عن أعمال تابعها السائق يكون صحيحاً في القانون ولو كانت القاصر يستحيل نسبة
التقصير إليها بسبب صغر سنها، لأن مسئوليتها في هذه الحالة ليست عن فعل وقع منها هي
حتى كان يجب أن يتوافر فيها الإدراك والتمييز، بل عن فعل وقع من خادمها أثناء تأدية
أعماله في خدمتها.
