الطعن رقم 1085 سنة 11 ق – جلسة 31 /03 /1941
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 429
جلسة 31 مارس سنة 1941
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك المستشارين.
القضية رقم 1085 سنة 11 القضائية
كفالة. محصل بشركة سنجر. كفيل للمحصل باعتباره مجرد محصل. تعيين
المحصل من غير علم الكفيل وكيلاً للشركة. تخويله حقوقاً غير حقوق المحصل. استخلاص المحكمة
من ذلك انتفاء ضمانة الكفيل له في عمله الجديد. لا تثريب عليها فيه. عقد الاتفاق بين
المحصل والشركة.
إن المحكمة إذا استخلصت من ظروف الدعوى ومن أن المتهم، بعد أن كفله المسئول عن الحقوق
المدنية على اعتبار أنه مجرّد محصل (بشركة سنجر لماكينات الخياطة) يحصل الأقساط المستحقة
من العملاء ويوردها للشركة يومياً، قد عينته الشركة من غير علم الكفيل وكيلاً لها بمرتب
أسبوعي ثابت تضاف إليه عمولة عن المبيعات، وأجازت له تسلم الإيرادات من المحصلين وإبقاءها
طرفه ليورّدها للشركة جملة في كل أسبوع – إذا استخلصت من كل ذلك أن كفيل المتهم لا
يضمنه في عمله الجديد لاختلافه عن العمل الأوّل من حيث أهمية الالتزامات وجسامتها فلا
تثريب عليها في ذلك. ولا يصح أن يعدّ ذلك منها تغييراً لحقيقة الاتفاق المعقود بينه
وبين الشركة وما جاء فيه من تخويل الشركة نقل عاملها إلى فرع آخر من فروعها أو ندبه
لأية خدمة أخرى أو تعديل مرتبه مع بقاء الكفالة، فإن تفسير المحكمة لعقد الاتفاق على
الصورة التي فسرته بها تسوّغه الاعتبارات التي ذكرتها، كما أنه ليس فيه خروج عن مدلول
عبارات الاتفاق وحقيقة المقصود منه.
المحكمة
وحيث إن حاصل وجوه الطعن: (أوّلاً) ……. (وثانياً) …… (وثالثاً)
أن المحكمة أخطأت في تكييف الدعوى لأنها ذكرت أن صفة المتهم تغيرت من محصل وبائع إلى
وكيل فرع مع أن البند الحادي عشر من عقد الاستخدام يفيد أن الشركة اشترطت لنفسها كامل
الحرّية في نقل الموظف إلى أي فرع آخر دون أن يؤثر ذلك على العقد، وعلى الأخص فيما
يتعلق بالتأمين. وقد نبه الطاعن المحكمة الاستئنافية إلى هذا الشرط الصريح ولكنها لم
تلتفت إليه، كما لفتها إلى أن العمل الجديد الذي عهد به إلى المتهم لا يعدّ تغييراً
لصفته التي دخل الشركة على أساسها وهي محصل وبائع، لأنه هو هو عمل المحصل تماماً، وكون
المسئول عن الحق المدني يعلم أو لا يعلم بهذا التغيير لا يسقط التزامه بالكفالة والضمان.
وهذا كله مع التسليم بصحة تفسير الحكم للبند الخاص بالتأمين الذي اكتفى بتفسيره وحده
دون مراعاة البنود الأخرى، على أن عبارة العقد لا تحتمل التفسير المذكور. كذلك ذكرت
المحكمة أن الشركة قصرت في اقتضاء التأمين المنصوص عنه في المادة العاشرة ولكنها قالت
إن هذا التأمين أقصاه مائة جنيه، وعلى الرغم من هذا التحديد فإنها حكمت برفض الدعوى
المدنية جميعها مع أنه لو فرض وكان رأيها تطبيق القانون على الكفالة باستبعاد مائة
جنيه لكان يجب أن تقضي بإلزام الكفيل بالفرق بين ما ضاع من التأمينات وبين ما هو ملزم
به. ويشترط في التأمينات أن تكون موجودة وقت الكفالة. والدائن إذا أهمل الحصول على
تأمينات جديدة لضمان الدين فإنه لا يكون مسئولاً لأن القانون إنما يلزمه بالمحافظة
على التأمينات الموجودة لا بإيجاد غيرها. والكفيل لا يستطيع الاستفادة من إهمال الدائن
إلا إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى الدائن من شأنها أن تضيع عليه حقاً مكتسباً. والرأي
الراجح هو أن الدائن غير ملزم بأن يحافظ لمصلحة الكفيل على تضمينات غير مطلوبة ولقد
قدم الطاعن هذا الدفاع ولكن المحكمة لم تلتفت إليه وفهمت أن الشركة هي الملتزمة مع
أن الموظف هو الملتزم وقد كفله الكفيل في التزامه، وليس بين الكفيل والشركة شرط يحتم
عليها تحصيل مثل هذا المبلغ لأنه من قبيل الضمان التبعي بينها وبين المستخدم مستقلاً
عن الضمان الأصلي موضوع كفالة الكفيل بدليل أن للشركة حجزه مدّة ثلاث سنوات على الرغم
من انتهاء عقد الاستخدام وانتهاء عقد الكفالة.
وحيث إن الحكم الابتدائي الذي تأيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أدان الطاعن وذكر فيما
ذكره أن "وقائع الدعوى تتلخص في أنه بتاريخ 20 أكتوبر سنة 1925 التحق المتهم بشركة
سنجر بصفة محصل وبائع بالشروط المبينة بعقد الاستخدام، وكلها تدور حول تعهد المتهم
ببيع الماكينات بالشروط التي تعينها الشركة وبالقيام بتحصيل الأقساط بالذمة والإخلاص
الواجبين على مثله من المستخدمين. وقد جاء بالبند العاشر من العقد السالف الذكر أن
المتهم سيدفع للشركة بصفة ضمان لتنفيذ عقد الاستخدام مبلغاً نقداً لم يقدّر، كما يتعهد
بقبول خصم أسبوعي من مرتبه أو عمولته لا يقل عن 10 % لإبلاغ التأمين إلى مبلغ 100 جنيه،
كما نص في البند الحادي عشر أنه في حالة ما ترى الشركة ضرورة لانتقال المتهم إلى فرع
آخر من فروعها أو ندبه لأية خدمة أو حصل تعديل في ماهيته فتظل بنود العقدة نافذة بأكملها،
وبالأخص فيما يتعلق بالتأمين. وقد وقع سلامة حنين المسئول عن الحقوق المدنية بصفته
ضامناً متضامناً مع المتهم في تنفيذ جميع الشروط المدوّنة به. ثم ترقى المتهم إلى أن
عين وكيلاً للشركة بمرتب أسبوعي ثابت يضاف إليه عمولة عن المبيعات، وأصبحت مأموريته
أن يبيع الماكينات لحساب الشركة وبشروطها، وكذلك استلام الإيرادات من المحصلين وتوريدها
للشركة أسبوعياً. وقد لاحظ مدير الشركة وهو الشاهد الأوّل أن المتهم لم يرسل إيراد
الأسبوع من 18 إلى 24 مارس سنة 1939 وقدره 3608.5 قرش، ثم لم يرسل إيراد الأسبوع التالي
المنتهي في 31 مارس سنة 1939 وقدره 3096 قرشاً ولا مبلغ 636 قرشاً قيده لحساب بعض الزباين
ولم يورّده، فانتقل المدير المذكور إلى فرع الشركة بدسوق في 6 إبريل سنة 1939 وطالب
المتهم بتوريد المبالغ سالفة الذكر فاعتذر بأنه لا يملك نقوداً في الوقت الحاضر فطالبه
الشاهد ببيان المبالغ المتحصلة بمعرفته من الزبائن ولم يورّدها فأملى عليه المتهم كشفاً
بأسماء الزبائن والمبالغ التي حصّلها منهم لحساب الشركة. وقد بلغت حملة المبالغ المذكورة
469 جنيهاً و315 مليماً بما فيها الأقلام الثلاثة السابق التنويه عنها. والمتهم قد
اعترف في تحقيق البوليس أن جميع المبالغ الوارد ذكرها بالكشف المقدّم من الشاهد الأوّل
قد حصلها فعلاً من الزبائن، وأنها موجودة طرفه، وأنه هو المسئول عنها أمام الشركة،
وأن العجز في الحساب كان في البدء يتراوح بين 20 و30 جنيهاً. ولما فوجئ من الشركة بخطاب
نقله من دسوق في 27 مارس سنة 1939 ذهل وقام من فوره ومر على عملاء الشركة، وكان يستلم
من كل منهم مبالغ عبارة عن جزء من الباقي عليه ويعطيه مخالصة نهائية عن كل الدين، وذلك
بدون مسئولية الشركة لأنه على حدّ تعبيره كان مستعداً لتوريد المبالغ جميعها للشركة.
واعترف بأن المخالصات المقدّمة وتحمل ختم الشركة وتوقيعه قد صدرت منه فعلاً". ثم عرض
إلى الدعوى المدنية فقال "إن التعويض المطلوب للشركة في محله إذ أن المبالغ المتحصلة
بمعرفة المتهم من عملائها قد ضاعت عليها، ولا تستطيع الرجوع بها على هؤلاء العملاء
نظراً للمخالصات المعطاة لهم من المتهم والتي تحمل طابع الشركة، ومن ثم يتعين الحكم
للمدعية على المتهم بالمبلغ المختلس والبالغ قدره باعتراف المتهم نفسه 469 جنيهاً و316
مليماً. أما فيما يختص بكفالة سلامة حنين المدخل في الدعوى كمسئول عن الحقوق المدنية
فتلاحظ المحكمة أن عقد الاستخدام في 20 أكتوبر سنة 1925 قد نص على أن المتهم قد تعين
بصفة محصّل وبائع طرف الشركة، وأن عليه أن يدفع تأميناً ويقبل خصم مبالغ من مرتبه وعمولة
البيع والتحصيل إلى أن يبلغ هذا التأمين مبلغ 100 جنيه، وأن المبلغ المذكور بظل طرف
الشركة إلى ما بعد ثلاث سنوات من تاريخ انفصال المتهم من أعمال الشركة. وقد قبل المسئول
عن الحقوق المدنية كفالة المتهم على أساس الشروط المتقدّمة الذكر. وأن الشركة قد قصرت
في استيفاء التأمين المنصوص عنه وذلك رغم مضي مدّة طويلة للمتهم إلى تاريخ خروجه من
خدمتها وهو مبلغ 4 جنيهات و331 مليماً فقط. وبذلك تكون الشركة قد فرّطت في اقتضاء التأمين
اللازم لها وتكون أضاعت بفعلها الكفالة المالية المشترطة. وفضلاً عما تقدّم فقد تغيرت
صفة العقد الحاصل بين المتهم والشركة بتعيين الأوّل من محصل وبائع إلى وكيله لها. وبهذا
التغيير كبرت مسئولياته واختلفت عما كانت عليه، ولم يؤخذ في ذلك التغيير رأي الكفيل
الذي يصبح متحرّراً من عقد الكفالة بمجرّد تغيير صفة العقد. إذ لا يعقل أن تظل التزامات
الكفيل قائمة مدى مدة تقرب من 14 سنة رغم ما يحصل من التطورات في علاقة الشركة بالمتهم
في خلال هذه المدّة ورغم ازدياد مسئولياته. ولما تقدّم يتعين رفض الدعوى المدنية قبل
سلامة حنين".
وحيث إنه يبين مما تقدّم أن كل ما يثيره الطاعن بوجوه الطعن لا محل له. فالمحكمة إذ
استخلصت من ظروف الدعوى ومن كون المتهم بعد أن كفله المسئول عن الحقوق المدنية على
اعتبار أنه مجرّد محصل يحصل الأقساط المستحقة من العملاء ويورّدها للشركة يومياً عينته
الشركة من غير علم الكفيل وكيلاً لها بمرتب أسبوعي ثابت تضاف إليه عمولة عن المبيعات
وأجازت له تسلم الإيرادات من المحصلين وإبقاءها طرفه ليورّدها للشركة جملة في كل أسبوع
– إذ استخلصت من كل ذلك أن الكفيل لا يمكن أن يضمن المتهم في عمله الجديد لاختلافه
اختلافاً كبيراً عن العمل الأوّل فيما يختص بجسامة المسئولية لا تثريب عليها فيه، ولا
يصح عدّه منها تغييراً الحقيقة الاتفاق وما جاء فيه من تخويل الشركة نقل المتهم إلى
فرع آخر من فروعها أو ندبه لأي خدمة أخرى أو تعديل مرتبه مع بقاء الكفالة، فإن تفسير
المحكمة لعقد الاتفاق على هذه الصورة تسوّغه الاعتبارات التي ذكرتها، كما أنه ليس فيه
خروج عن مدلول عبارات الاتفاق وحقيقة المقصود منه. ومتى تقرّر ذلك وكانت المحكمة إذ
نفت عن الكفيل مسئوليته عما وقع من المتهم في عمله الجديد لم تتجاوز حقها القانوني
في تفسير عقد الاتفاق، فإن باقي ما يتمسك الطاعن به لا يجديه لتعلقه بمسئولية الكفيل
عند التسليم بقيامها، فليس له جميعه من وجه عند انعدام هذه المسئولية من أساسها.
