الطعن رقم 925 سنة 11 ق – جلسة 03 /03 /1941
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 411
جلسة 3 مارس سنة 1941
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك ومنصور إسماعيل بك المستشارين.
القضية رقم 925 سنة 11 القضائية
( أ ) دفاع شرعي. شرطه. الاعتداء الذي يرمي المتهم إلى دفعه. حال
أو وشيك الوقوع. انتهاء الاعتداء. انعدام وجود حق الدفاع. تحديد الانتباه. اختلافه
باختلاف الجرائم. مثال في جريمة حريق عمد.
(ب) دفاع شرعي. انتفاؤه. معاملة المتهم بالمادة 251 ع. لا تجوز.
(المادتان 214 و215 ع = 250 و251)
1 – يشترط في الدفاع الشرعي أن يكون الاعتداء الذي يرمي المتهم إلى دفعه حالاً أو وشيك
الوقوع. فإذا كان الاعتداء قد انتهى فلا يبقى لهذا الحق وجود. وتحديد ذلك يختلف باختلاف
الجرائم وظروف ارتكابها. ففي الحريق العمد تنتهي حالة الدفاع الشرعي بانتهاء الجاني
من وضع النار فعلاً في المال المراد إحراقه. وإذن فإذا كانت الواقعة الثابتة بالحكم
هي أن المجني عليه وضع النار في قش القصب الملاصق لمنزل المتهم ثم اتصلت النار بهذا
المنزل، وأن المتهم لم يرَ المجني عليه إلا وهو يقرّ بعد أن وضع النار إلى جهة زراعة
القصب المملوكة له، فأطلق عليه عياراً نارياً أودى بحياته، واستخلصت المحكمة من ذلك
أن المتهم إذ قتل المجني عليه لم يكن في حالة دفاع شرعي فهذا منها سائغ وليس فيه مخالفة
للقانون.
2 – من الخطأ أن تعامل المحكمة المتهم بالمادة 251 من قانون العقوبات على اعتبار أنه
تجاوز حق الدفاع الشرعي بعد قولها بانتفاء هذا الحق، لأن تجاوز حدود الحق لا يتصوّر
مع انعدام ذات الحق.
المحكمة
وحيث إن حاصل وجه الطعن أن الطاعن دفع التهمة بأنه لم يقتل المجني
عليه إلا في سبيل الدفاع الشرعي لأنه فاجأه وهو يضع النار عمداً في قش قصب موضوع في
حوش ملحق بالمنزل الذي يسكنه، وقد اقتنعت المحكمة من الأدلة التي سردتها في الحكم بأن
الطاعن أطلق النار على المجني عليه على إثر وضعه النار في القش الملاصق لمنزله بقصد
حرقه، غير أنها عندما طبقت الأحكام القانونية على الوقائع التي ثبتت لها انتهت إلى
أنه لم يكن هناك محل لقتل المجني عليه لانتفاء وجود حالة الدفاع الشرعي عن المال الذي
يبيح القتل ولكنها اعتبرته معذوراً لأنه أطلق العيار الناري على المجني عليه بقصد قتله
وكان يكفي إصابته في غير مقتل. وبما أن الوقائع التي أثبتها الحكم تدل على أن الطاعن
كان في حالة دفاع شرعي لذا يكون من حق محكمة النقض أن تتدخل لتصحيح ما استنتجته محكمة
الموضوع بما يقضي به المنطق وتقرّر أن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي يبيح القتل. إذ
المفهوم من الوقائع المذكورة أن القتل قد وقع في ظروف ليس من السهل معها افتراض أن
المجني عليه كان قد أتم كل ما كان ينوي من اعتداء على المال أو النفس وأنه كان وقتئذٍ
في حالة هرب وأن القتل حصل بعد زوال الاعتداء، لأن المجني عليه اتجه على إثر الحريق
إلى الزراعة المملوكة للطاعن والقريبة من منزله، وكان يحمل الأدوات التي تصلح للاعتداء
على نفس الطاعن وعلى زراعته، فلا يمكن لذلك اعتبار المجني عليه أنه قد انتهى من اعتدائه
بمجرّد مفاجأته على إثر اشتعال النار في قش القصب كما قال الحكم، ومن المحتمل أن يكون
وضع النار بداية سلسلة اعتداءات. على أن ما ذكرته محكمة الجنايات صراحة في حكمها من
أنه لو كان الطاعن أصاب المجني عليه في غير مقتل لكان هناك سبب للإباحة يدل على أنها
تطالب الطاعن – بعد أن وصفت حالته في ذلك الوقت بما أوردته في الحكم المطعون فيه –
أن يحسن الرماية في الظلام فلا يصيب المجني عليه إلا في غير مقتل الأمر المتعذر في
هذه الظروف. ويقول الطاعن في النهاية إن ما أثبته الحكم فيما يختص بظروف القتل ووقته
ومكانه وحالة الطاعن من فقد الصواب وصحة التقدير – كل ذلك من شأنه أن يجعله في حالة
دفاع شرعي مما يتعين معه نقض الحكم والقضاء ببراءته.
وحيث إنه يشترط لاعتبار الشخص في حالة دفاع شرعي أن يكون الاعتداء حالاً أو على وشك
الوقوع، فإذا ما انتهى الاعتداء فلا يكون هناك محل للدفاع الشرعي. وتحديد ذلك يختلف
باختلاف الجرائم وظروف ارتكابها. ففي جريمة الحريق العمد تنتهي حالة الدفاع الشعري
بانتهاء الجاني من وضع النار فعلاً في الأماكن أو الأشياء المراد إحراقها.
وحيث إن الواقعة الثابتة في الحكم هي "أن المجني عليه وضع النار في قش القصب الملاصق
لمنزل المتهم واتصلت بمنزله على الوجه المشروح في محضر المعاينة، ورأى المتهم أن المجني
عليه، وهو الذي وضع النار، قد فرّ لجهة زراعة القصب المملوكة للمتهم فأطلق عليه عياراً
نارياً قاصداً قتله فأحدث به الإصابة التي أودت بحياته". وقد علق الحكم على ذلك بأن
"القتيل كان قد انتهى من اقتراف جريمة وضع النار عمداً في القش الملاصق لمنزل المجني
عليه بقصد الوصول إلى احتراق المنزل وما فيه، وما كان هناك محل لقتله لانتفاء وجود
حالة الدفاع الشرعي عن المال الذي يبيح القتل". فإذا ما استخلصت المحكمة مما أثبتته
بالصفة المتقدّمة أن الطاعن لم يكن في حالة الدفاع الشرعي عن النفس أو المال وقت أن
ارتكب جريمة قتل المجني عليه في أثناء قراره بعد أن انتهى من وضع النار فعلاً في الأشياء
المراد إحراقها كان استخلاصها سليماً ومطابقاً للقانون.
وحيث إن ما ذهبت إليه محكمة الجنايات بعد ذلك من أن الطاعن كان معذوراً، وأنها رأت
معاملته بالمادة 251 من قانون العقوبات لا يستقيم مع ما انتهت إليه من انتفاء وجود
حالة الدفاع الشرعي عن المال الذي يبيح القتل. لأنه يجب لجواز اعتبار الطاعن معذوراً
إذا ما تخطى الحدود التي رسمها القانون لاستعمال حق الدفاع الشرعي أن يكون له في الأصل
استعمال هذا الحق. ومع أن هذا خطأ من المحكمة إلا أنه وقع لمصلحة الطاعن وهو وحده رافع
الطعن فلا سبيل إلى إصلاحه من جهة القانون. على أنه كان للمحكمة أن تصل إلى النتيجة
التي رأتها من معاقبته بالحبس لمدّة ثلاث سنوات بدلاً من العقوبة المقرّرة قانوناً
لجريمة القتل العمد بتطبيق المادة 17 من قانون العقوبات استناداً إلى الظروف المخففة
التي اتخذتها أساساً لاعتباره متجاوزاً حق الدفاع الشرعي.
