الطعن رقم 65 سنة 11 ق – جلسة 03 /02 /1941
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 388
جلسة 3 فبراير سنة 1941
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك ومنصور إسماعيل بك المستشارين.
القضية رقم 65 سنة 11 القضائية
تزوير في أوراق رسمية. دفتر قيد المواليد. تغيير الحقيقة في اسم الأب أو الأم. تزوير معاقب عليه.
(القانون رقم 23 لسنة 1912 والمواد من 355 – 362 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية و179 و180 و181 ع = 211 و212 و213)
إن القانون رقم 23 لسنة 1912 الخاص بالمواليد والوفيات وإن كان قد نص إجمالاً في المادة الأولى منه على وجوب التبليغ عن المواليد وقيدها في الدفاتر المخصصة لذلك إلا أنه قد أوجب صراحة في مواده الأخرى أن يكون هذا التبليغ متضمناً اسم ولقب وصناعة وجنسية وديانة ومحل إقامة الوالد والوالدة أو الوالدة فقط إذا كان الوالد غير معروف… … إلخ. كما أنه عيّن من وكل إليه القيام بالتبليغ، وفرض عليه أن يوقع بإمضائه أو بختمه أو بإبهام يده اليمنى على القيد وعلى كل ما يحصل في أثناء القيد من إضافة أو شطب أو تصحيح. ثم أجاز له أن يحصل مجاناً على صورة من القيد مصدّق عليها ممن في عهدته الدفتر بمطابقتها للأصل، كما رخص لكل شخص أن يأخذ صورة رسمية من القيد. وفي هذا كله ما يدل على أن دفاتر المواليد ليست معدّة لقيد واقعة الولادة مجرّدة عن شخصية المولود ووالديه المنتسب في الحقيقة إليهما، إذ أن إثبات الولادة وحدها بغير تعيين المولود ووالديه لا يمكن بداهة أن يكون وافياً بالغرض المقصود من القيد وهو استخراج صور منه لاستخدامها في مواد الإثبات المختلفة. وبناءً على ذلك إذا تعمد المبلّغ تغيير الحقيقة في شيء مما هو مطلوب منه، وأجرى القيد على خلاف الحقيقة بناء على ما بلّغ به فإنه يعدّ مرتكباً لجناية التزوير في أوراق أميرية. ولا يمكن أن يغير من ذلك ما جاء بلائحة المحاكم الشرعية من أحكام خاصة بمواد ثبوت النسب التي ترفع إلى هذه المحاكم فإن الحكم بثبوت النسب من هذه الجهة على مقتضى قواعد وأصول معينة لا ينفي إمكان الاستشهاد بالنسب من واقع القيد على قدر ما لهذا القيد في الدفاتر الرسمية من احترام وثقة. على أن هذا القيد إن لم يكن بذاته دليلاً على الحقيقة فهو قرينة ولو في الظاهر على صحة النسب الوارد فيه. ثم إنه إن كانت قوّته لدى المحاكم الشرعية في الإثبات في مواد النسب محدودة، أو حتى معدومة، فإن مجرّد إمكان الاستشهاد به لدى غيرها من الجهات في سائر المواد المختلفة يستوجب العمل على ما يكفل سلامته من العبث به بمعاقبة من يقوم على إفساده بتغيير الحقيقة فيه.
المحكمة
وحيث إن هذه الطاعنة تنعى بأوجه الطعن المقدّمة منها على الحكم
المطعون فيه أنه أخطأ إذ قضى بإدانتها في جناية الاشتراك في التزوير في دفتر المواليد.
وذلك لأن الواقعة التي أثبت وقوعها منها لا عقاب عليها على أساس أن تغيير الحقيقة في
اسم الأب أو اسم الأم في شهادة الميلاد لا يعتبر تزويراً في أوراق رسمية، لأن هذه الشهادة
ليست معدّة لإثبات هذا الاسم أو نسبة المولود لأب معين أو أم معينة، بل هي معدّة فقط
لإثبات حصول الولادة واسم المولود. فإذا كان تغيير الحقيقة واقعاً في هذين الأمرين
فإنه يعدّ تزويراً معاقباً عليه. أما إذا كان لم يتناول إلا أموراً لم يعد المحرّر
لإثباتها فلا جريمة ولا عقاب. والقانون في إثبات النسب قد وضع إجراءات معينة أوجب اتباعها
في مواد تحقيق الوفاة والوراثة، وهذه الإجراءات منصوص عليها بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية
في المواد من 355 إلى 361. فلو كان لشهادة الميلاد في مصر مالها في فرنسا من حجية في
إثبات النسب لما كانت هناك حاجة إلى ذلك.
وحيث إن القانون رقم 23 لسنة 1912 الخاص بالمواليد والوفيات وإن كان قد نص إجمالاً
في المادة الأولى منه على وجوب التبليغ عن المواليد وقيدها في الدفاتر المخصصة لذلك،
إلا أنه قد أوجب في صراحة بمواده الأخرى أن يكون هذا التبليغ متضمناً اسم ولقب وصناعة
وجنسية وديانة ومحل إقامة الوالد والوالدة أو الوالدة فقط إذا كان الوالد غير معروف…
إلخ. كما عيّن من وكل إليه القيام بالتبليغ وفرض عليه أن يوقع بإمضائه أو بختمه أو
بإبهام يده اليمنى على القيد وعلى كل ما يحصل في أثنائه من إضافة أو شطب أو تصحيح،
ثم أجاز له أن يحصل مجاناً على صورة من القيد مصدّق عليها ممن في عهدته الدفتر بمطابقها
للأصل, كما رخص لكل شخص أن يأخذ صورة رسمية من القيد. وفي هذا كله ما يدل بجلاء على
أن دفاتر المواليد لم تعد لقيد واقعة الولادة مجرّدة عن شخصية المولود ووالديه المنتسب
في الحقيقة إليهما، فإن إثبات الولادة وحدها بغير تعيين المولود ووالديه لا يمكن بداهة
أن يفي بالغرض المقصود من القيد وهو استخراج صور منه لاستخدامها في مواد الإثبات المختلفة.
فإذا تعمد المبلغ تغيير الحقيقة في شيء منه فإنه يعدّ مرتكباً لجناية التزوير في أوراق
أميرية متى كان القيد قد أجرى فيها على خلاف الحقيقة بناءً على تبليغه. ولا يمكن أن
يغير من ذلك ما جاء بلائحة المحاكم الشرعية من أحكام خاصة بمواد ثبوت النسب التي ترفع
إلى هذه المحاكم، فإن الحكم بثبوت النسب من هذه الجهة على مقتضى قواعد وأصول معينة
لا يتنافى مع مجرّد الاستشهاد بالنسب من واقع القيد على قدر ما لهذا القيد في الدفاتر
الرسمية من احترام وثقة. وهذا القيد إن لم يكن دليلاً على الحقيقة فهو قرينة ولو في
الظاهر على صحة النسب الوارد فيه. ثم هو إن كانت قوّته في الإثبات محدودة، أو حتى معدومة،
لدى المحاكم الشرعية في مواد النسب فإن الاستشهاد به لدى غيرها من الجهات في سائر المواد
المختلفة ممكن. وهذا يستوجب العمل على ما يكفل سلامته من العبث به بمعاقبة من يقدم
على إفساده بتغيير الحقيقة فيه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أدان الطاعنة في جناية التزوير في دفتر قيد المواليد باعتبارها
شريكة مع من باشر مفارقتها، وفي جناية استعمال شهادة ميلاد مع علمها بتزويرها، وأوقع
عليها عقوبة واحدة طبقاً للمادة 32 من قانون العقوبات. وذكر واقعة الدعوى كما حصّلتها
المحكمة من التحقيقات التي أجريت فيها بقوله: "إن المرحوم محمد بك جعفر المستشار السابق
بمحكمة استئناف أسيوط كان متزوّجاً من المتهمة الثانية زنوبة حسن عطا الله (الطاعنة
الثانية)، فلما مات طمعت زنوبة هذه في أن تفوز من تركته بأكثر مما تستحقه حقاً وعدلاً
فعوّلت على أن تدعي لنفسها ولداً منه لتحصل على نصيب ولد من التركة، فتقدّمت إلى المجلس
الحسبي وادّعت أن فيها حملاً مستكاً، وطلبت أن تقام وصية على حملها فأجابها المجلس
الحسبي إلى طلبها وندب في نفس الوقت أحد أطباء الولادة وهو الدكتور نجيب بك محفوظ للكشف
عليها وبيان حالتها، فعملت المتهمة جهدها على عدم تنفيذ قرار المجلس الحسبي فيما يتعلق
بالكشف عليها، وراحت كل الجهود التي بذلت في سبيل ذلك هباء. فرفع باقي ورثة محمد بك
جعفر بواسطة وكيلهم محمود بك جعفر وهو أخو المتوفى دعوى إثبات حالة على المتهمة المذكورة
أمام محكمة عابدين الجريئة، وقضى في هذه الدعوى بتاريخ 6 فبراير سنة 1932 بندب كبير
الأطباء الشرعيين الدكتور محمود ماهر للكشف على المتهمة زنوبة حسن عطا الله وإثبات
حالتها وعما إذا كانت حاملاً أم لا، فراوغت المتهمة في تنفيذ حكم إثبات الحالة كما
فعلت بالنسبة لقرار المجلس الحسبي. وقد راحت المتهمة في أوّل الأمر تسعى للحصول من
أحد الأطباء على شهادة بأنها حامل فلما لم تستطع سعت في الحصول على ولد، وكلفت بذلك
محمود موسى إبراهيم إلى أن توصلت أخيراً بواسطة سيد بدوي يوسف إلى معرفة حسن بنت أحمد
الهجين التي كانت قد حملت سفاحاً، واتفقت معها على أن تستولي على الطفل الذي يولد لها
مقابل مبلغ من المال جعلته لها، وبالفعل عندما حل أوان وضع حسن بنت أحمد الهجين استقدمتها
المتهمة زنوبة حسن عطا الله إلى منزل أحد أقاربها بجهة درب سعادة. وقبيل الولادة مباشرة
ذهبت زنوبة حسن عطا الله ووالدتها سيدة محمود وحسن بنت أحمد الهجين وأحد الشهود وهو
عبد القادر عفيفي الذي كان في ذلك الوقت موظفاً بمكتب الشيخ محمود شرف المحامي الشرعي
ووكيل زنوبة حسن عطا الله في بعض قضاياها إلى عيادة مولدة تدعى لولو قلادة بجهة السبتية
وهناك وضعت حسن بنت أحمد الهجين طفلاً ذكراً. وفي اليوم التالي أظهرت السيدة لولو قلادة
لزنوبة حسن عطا الله ومن معها بأن منزلها لا يتسع لبقائهنّ فيه، فاستأجرت زنوبة حسن
عطا الله شقة من سرية رفاعي رفاعي يوسف بالقرب من منزل المولدة لولو قلادة. وقد طلبت
هذه الأخيرة بيانات عن الاسم المزمع تسمية الطفل به واسم والده والوالدة إلى غير ذلك
مما يجب ذكره للتمكن من قيد الطفل بدفتر المواليد، فكتب لها عبد القادر عفيفي بعض البيانات
المطلوبة بناءً على إملاء زنوبة حسن عطا الله وأعطى الورقة للولو قلادة وفيها أن الطفل
اسمه محسن وأن والده هو المرحوم محمد بك جعفر والوالدة زنوبة حسن عطا الله. فأظهرت
لولو قلادة تشككها لما قيل لها من أن الوالدة زوجة مستشار, وطلبت بيانات أخرى فوعدها
عبد القادر عفيفي بتزويدها بكل ما تطلبه من البيانات ثم لم يعد إليها. والظاهر أن زنوبة
حسن عطا الله ومن معها لم يطمئنوا إلى لولو قلادة فرأوا أن يقيدوا الطفل بعيداً عن
القاهرة وبعد الولادة بمدة وجيزة عمدت زنوبة حسن عطا الله المتهمة الثانية ووالدتها
على ترحيل حسن بنت أحمد الهجين من القاهرة فأرسلتها إلى طنطا مع سيد بدوي يوسف. وفي
نفس الوقت اتفقت مع عائشة حمادة المتهمة الأولى وهي داية بطنطا بواسطة أحمد مراد السعدني
المتهم الثالث زوج نفيسة على أن يفيد الطفل الذي ولد لحسن بنت أحمد الهجين بدفتر مواليد
طنطا على أنه ولد بهذه البلدة الأخيرة في يوم 23 إبريل سنة 1932. وبالفعل تم قيد الطفل
بطنطا وذكر أن اسمه محسن وأن والده المرحوم محمد بك جعفر ووالدته زنوبة حسن عطا الله.
ولما أن تم للمتهمة الثانية ذلك أرسل وكيلها الشيخ محمود شرف للمجلس الحسبي تلغرافاً
بتاريخ 25 إبريل سنة 1932 يقول فيه إن موكلته زنوبة حسن عطا الله وضعت في اليوم السابق
وذلك ليتخذ المجلس الحسبي ما يراه بشأن إقامة زنوبة وصية على ابنها. ولما مضت المدّة
التي رأت المتهمة الثانية أنها كافية لضياع معالم الولادة المزعومة ذهبت في يوم 28
نوفمبر سنة 1932 وقدّمت نفسها للطبيب الشرعي للكشف عليها تنفيذاً لحكم إثبات الحالة
فقرّر كبير الأطباء الشرعيين أنه ليس هناك ما ينفي وضعها في 23 إبريل سنة 1932 لزوال
علامات الوضع بسبب مضي ثمانية شهور على هذا التاريخ. وقد قدّمت المتهمة الثانية شهادة
الميلاد المزوّرة للمجلس الحسبي في مادة إقامتها وصية على ابنها المزعوم ولوزارة المالية
لتحصل على نصيب له من معاش محمد بك جعفر". ثم عرض إلى الدفاع المشار إليه بوجه الطعن
فقال "إن ما ذهب إليه الدفاع من أن إثبات غير الواقع في دفتر المواليد فيما يتعلق بوالد
الطفل أو والدته لا يعدّ تزويراً غير صحيح، فإن دفتر المواليد معدّ لبيان اسم المبلغ
ويوم الولادة وساعتها ومحل ونوع الطفل ذكراً كان أو أنثى والاسم واللقب اللذين وضعا
له واسم ولقب وصناعة وجنسية وديانة ومحل إقامة الوالد والوالدة (تراجع المادة الثانية
من لائحة المواليد والوفيات). فإذا حصل تغيير الحقيقة في أحد هذه البيانات قامت المسئولية
الجنائية قبل من أقدم على هذا التغيير متى توافرت باقي عناصر جريمة التزوير، وهي متوفرة
بلا شك في هذه الدعوى".
وحيث إنه يتضح مما تقدّم أن ما تتمسك به الطاعنة في طعنها لا محل له. فالحكم المطعون
فيه لم يثبت عليها التزوير في اسم والدي المولود فقط، بل أثبت عليها أنها اشتركت في
تزوير بيانات أخرى ليست محل نزاع من جانبها. أما البيانات الخاصة بالنسب فلا وجه لما
تثيره الطاعنة بشأنها، لأن مدى القوّة التدليلية لدفاتر المواليد في أية ناحية من نواحي
الإثبات لا يمكن بحال أن يتوقف عليها قيام جناية التزوير في الدفاتر المذكورة، إذ يكفي
أن يكون للثابت فيها أي تقدير كائناً ما كان مبلغه عند الإثبات في أية جهة من جهاته
المختلفة. ولا يشترط أن يكون التغيير قد وقع فيما يثبته الموظف على مسئوليته هو في
شأن ما يكون قد أجراه أو رآه أو سمعه بنفسه مما لا يصح إثبات ما يخالفه إلا عن طريق
الطعن بالتزوير. ومتى كان المستخرج من هذه الدفاتر له اعتبار في الإثبات ومن شأنه –
بحسب الأصل فيه – أن تثبت به الحقوق على اختلاف أنواعها، والطاعنة نفسها قد استخدمته
كمستند لها في دعواها، فلا معنى لما تتعلل به في طعنها من وجوب تعليق قيام الجناية
على قدر قوّة المحرّر كدليل من ناحية ثبوت النسب لدى المحاكم الشرعية فقط.
