الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 386 سنة 11 ق – جلسة 06 /01 /1941 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 342

جلسة 6 يناير سنة 1941

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك ومنصور إسماعيل بك المستشارين.


القضية رقم 386 سنة 11 القضائية

أسباب الإباحة. حق الدفاع الشرعي. تقدير المتهم لفعل الاعتداء الذي استوجب الدفاع. تقدير المحكمة. مجرّد اختلافه مع تقدير المتهم. لا يسوّغ العقاب. المناط في التقدير.

(المادة 210 ع = 246)

يكفي في الدفاع الشرعي أن يكون تقدير المتهم لفعل الاعتداء الذي استوجب عنده الدفاع مبنياً على أسباب جائزة ومقبولة من شأنها أن تبرر ما وقع منه من الأفعال التي رأى هو – وقت العدوان الذي قدّره – أنها هي اللازمة لردّه. فإذا جاء تقدير المحكمة مخالفاً لتقديره هو فإن ذلك لا يسوّغ العقاب. إذ التقدير هنا لا يتصوّر أبداً إلا أن يكون اعتبارياً بالنسبة للشخص الذي فوجئ بفعل الاعتداء في ظروفه الحرجة وملابساته الدقيقة التي كان هو وحده دون غيره المحوط بها والمطلوب منه تقديرها والتفكير على الفور في كيفية الخروج من مأزقها مما لا يصح معه محاسبته على مقتضى التفكير الهادئ المطمئن الذي كان يستحيل عليه وقتئذٍ وهو في حالته التي كان فيها.


المحكمة

وحيث إن الطاعن ينعى بأوجه الطعن المقدّمة منه على الحكم المطعون فيه أنه قضى عليه بالعقوبة في جناية القتل العمد مع أن الواقعة التي أثبتها عليه لا عقاب عليها. وذلك لأنه كان في حالة دفاع شرعي تبيح له ارتكاب فعل القتل الذي لم يأته إلا لدفع جناية الشروع في السرقة التي قارفها القتيل وزميله في أثناء الليل ومع كل منهما سلاح. أما ما قالته المحكمة تدعيماً لقضائها بالإدانة من أن الطاعن كان يجب عليه أوّلاً أن يطلق عياراً للإرهاب أو أن يتسلل إلى مكان السارقين ليتبين شخصيتهم أو يقبض عليهم إلى غير ذلك – ما قالته من هذا خطأ لما فيه من تكليف الإنسان بأكثر مما يطيقه البشر.
وحيث إنه يكفي في تمسك المتهم بحق الدفاع الشرعي أن يكون تقديره لفعل الاعتداء الذي استوجب عنده الدفاع مبنياً على أسباب جائزة ومقبولة من شأنها أن تبرر ما وقع منه من الأفعال التي رأى هو، وقت العدوان الذي قدّره، أنها هي اللازمة لرده. وإذن فلا يجوز توقيع العقاب عليه على أساس أن تقدير المحكمة لفعل الاعتداء ولفعل الدفاع يخالف تقديره هو، وأنه بحسب تقديرها هي لم يكن ثمة محل للدفاع الذي يستمسك به. وذلك لأن التقدير هنا لا يتصوّر أبداً إلا أن يكون اعتبارياً بالنسبة للشخص الذي فوجئ بفعل الاعتداء في ظروفه الحرجة وملابساته الدقيقة التي كان هو وحده دون غيره المحوط بها والمطلوب منه تقديرها والتفكير على الفور في محاولة الخروج من مأزقها مما لا يصح معه مطالبته بمقتضى التفكير الهادئ المطمئن الذي كان يستحيل عليه وقتئذٍ وهو في حالته التي كان فيها.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على الطاعن لقتله عبد الرحمن شريف إبراهيم عمداً وعلى من يسمى عبد الحفيظ متولي بكار لشروعه ليلاً مع آخر (وهو عبد الرحمن شريف القتيل المذكور) في جناية سرقة ذرة وقطن بحمل سلاح. والحكم المطعون فيه أدان الطاعن في جناية القتل العمد كما أدان عبد الحفيظ متولي في جناية الشروع في السرقة، وذكر واقعة الدعوى كما حصلتها المحكمة من التحقيقات التي أجريت فيها بقوله: "إنه في ليلة 20 أغسطس سنة 1939 كان المتهم الأوّل علي سيد كنيال (الطاعن) وعبد القادر نوح وعبد السلام نوح، وهم خفراء زراعة لوقا عبد الملاك وعبد المعز عبد المالك، يمرّون في الزراعة فسمعوا خروشة في زراعة الذرة وصوت تكسير قناديل الذرة، فصوّب المتهم الأوّل بندقيته التي كان يحملها نحو الصوت وأطلق عياراً نارياً، ثم سمعوا وقع أقدام شخص يجري إلى خارج الزراعة فتبعوه حتى ضبطوا شخصاً فظهر أنه المتهم الثاني عبد الحفيظ متولي بكار، فذهب أحدهم وهو عبد القادر نوح إلى ناحية المنشأة الكبرى فبلّغ وكيل شيخ الخفراء طه فرحات فحضر معه، ثم سأل المتهم الثاني فأقرّ له بأنه كان يسرق من الذرة، ثم دخلوا في الزراعة إلى النقطة التي سرق منها الذرة فوجدوا كومين أحدهما في ملاءة والثاني في جلباب، كما وجدوا بعض القطن المسروق في كم الجلباب، ووجدوا خشتاً سأل وكيل شيخ الخفراء المتهم عنه فأقرّ بأنه له. وأثناء ذلك سمعوا أنين شخص فتوجهوا نحوه فوجدوه المجني عليه عبد الرحمن شريف فسأله وكيل شيخ الخفراء فقال: إنه كان يسرق مع المتهم الثاني فأطلق المتهم الأوّل عليه عياراً أصابه. ووجد بجواره سكيناً بحدّين سأله عنها فأجاب بأنها له فذهب لتبليغ الحادثة، وبوشر التحقيق، وسئل المتهم الأوّل وعبد القادر نوح وعبد السلام نوح وطه فرحات وكيل شيخ الخفراء فشهدوا بالوقائع المتقدّمة. وقال المتهم الأوّل إنه لما سمع الخروشة والتكسير في الذرة أطلق العيار نحو الصوت ولم يتبين أحداً لصعوبة مشاهدة من يكون بداخل الذرة". ثم عرض إلى الدفاع الذي تمسك به الطاعن فذكر "أن المحامي عن المتهم المذكور (الطاعن) دفع التهمة عنه بأنه كان في حالة دفاع شرعي عن المال لثبوت أن المتهم الثاني والمجني عليه كانا يسرقان الذرة التي كان المتهم يخفرها فيكون قتله للمجني عليه عملاً غير معاقب عليه لأنه كان يدافع عن مال مخدومه. وأنه يشترط لتوافر حق الدفاع الشرعي عن المال تطبيقاً للمادة 246/ 2 من قانون العقوبات شرطان: الأوّل حصول جريمة على المال مما هو منصوص عنه في المادة المذكورة، والثاني دفع الاعتداء على المال بالقوّة اللازمة لدفعه. وهذا الدفاع لا يبيح القتل إلا في الأحوال الواردة بالمادة 250 من قانون العقوبات. وأن المتهم لم يتبين حصول الجريمة التي ارتكبها المتهم الثاني وزميله بظروفها وقت إطلاق العيار، وكان يمكنه معرفة ذلك لو أنه استعمل شيئاً من الحكمة مما يقتضيه الحال، فكان يمكنه مثلاً المناداة على من كان في محل تكسير الذرة، أو يطلق عياراً لأعلى للإرهاب، أو يتسلل إلى محل مكان المتهمين هو وزميلاه ليتبين شخصيتهم، أن يقبض عليهم, خصوصاً وأن الوقت كان مقمراً، ولم يكن منفرداً بل كان معه شخصان. أما وأنه قد أطلق بندقيته المعمرة بقطع الرصاص على مصدر صوت كسير الذرة بغير اتخاذ أي احتياط أو مبالاة فأمر لا يمكن للمحكمة مجاراة الدفاع عليه واعتباره دفاعاً شرعياً عن المال لعدم توافر شروط هذه الحالة قانوناً. وأن المحكمة ترى رغم عدم توافر شروط الدفاع الشرعي عن المال أخذ المتهم بالرأفة مراعية في ذلك ظروف الحادثة وكبر سنّ المتهم، ولأنه قد ظهر فيما بعد أن المتهم الثاني وزميله كانا مسلحين بخشت وسكين، وتطبيق المادة 17 من قانون العقوبات بالنسبة له".
وحيث إنه يتضح مما تقدّم أن الحكم المطعون فيه إذ خطّأ الطاعن في الطريقة التي رأى سلوكها لدفع عدوان القتيل وزميله وردّهما عن فعل السرقة، وأدانه على اعتبار أن ما وقع منه لم يكن في رأي المحكمة دفعاً لعدوان، بل كان تعدّياً من جانبه لأنه كان في مقدوره أن يتغلب عليهم بغير إطلاق الأعيرة النارية – إذ فعل ذلك يكون قد أخطأ، لأن المناط في تقدير ظرف الدفاع الشرعي هو ما يرد على خاطر الشخص المهدّد بالعدوان وقت وقوع الحادث، وهذا بطبيعة الحال لا يمكن قياسه على التفكير الناضج الذي تطالبه به المحكمة. ومتى تقرّر ذلك، وكان الثابت بالحكم أن القتيل وزميله كانا يحاولان سرقة حاصلات من الزراعة التي يحرسها الطاعن، وكان ذلك ليلاً وحالة كونهما يحملان سلاحاً، وقد أطلق الطاعن عليهما الأعيرة النارية في هذه الظروف كيلا يتما مقصدهما ولكي يضبطهما، وأن هذه كانت هي الطريقة التي رأى في مقدوره أن يتخذها لتحقيق غرضه، فإنه يتعين القول بأن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي، ولا يصح أن يوقع عليه عقاب، لأن ما وقع من المتهمين من اعتداء على المال يكوّن جناية شروع في سرقة، ويسوغ لذلك ارتكاب الفعل الذي وقع من الطاعن دفاعاً عن المال. أما ما قالته المحكمة من أن الطاعن كان وقت الحادثة يجهل وجود السلاح مع القتيل وزميله فلا يعتد به ما دام السلاح كان موجوداً معهما فعلاً، وما دام ذلك يجعل الواقعة التي قارفاها جناية شروع في سرقة ولو كان السلاح مخبأ. وهذا – على عكس ما قالته المحكمة – يؤيد الطاعن فيما تصوّره من جسامة الفعل الذي وقع منهما والذي ارتكب فعل الدفاع على أساسه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات