الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 251 سنة 11 ق – جلسة 30 /12 /1940 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 328

جلسة 30 ديسمبر سنة 1940

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: علي حيدر حجازي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك ومنصور إسماعيل بك المستشارين.


القضية رقم 251 سنة 11 القضائية

نقض وإبرام. سبب جديد. تقرير خبير. الطعن ببطلانه لمباشرة المأمورية في غيبة الخصوم. موضوعي. الدفع به لأول مرة لدى محكمة النقض. لا يجوز. عمل الخبير في مرحلة التحقيقات الأوّلية. لا تشترط مباشرتها في حضور الخصوم.
الدفع ببطلان تقرير الخبير لمباشرة المأمورية في غيبة الخصوم لا يجوز إبداؤه لأوّل مرة لدى محكمة النقض. على أنه في الدعاوى الجنائية لا يكون عمل الخبير في مرحلة التحقيقات الأوّلية بغير حضور الخصوم باطلاً إذا كانت السلطة القضائية التي ندبته لم توجب عليه حضور الخصوم معه أثناء مباشرة العمل. وذلك لأن هذه التحقيقات لا يشترط قانوناً لصحتها أن تكون قد بوشرت حتماً في حضرة الخصوم كما هي الحال في إجراءات المحاكمة في جلسات المحاكم، بل إن القانون صريح في إجازة منع الخصوم عن الحضور أثناء مباشرة عمل أو أكثر من هذه الأعمال لسبب من الأسباب التي يقتضيها حسن سير التحقيق أو يوجبها الحرص على ظهور الحقيقة.


المحكمة

وحيث إن أوجه الطعن تتحصل: (أوّلاً) في أن الحكم المطعون فيه اعتمد على تقرير الخبير مع أنه باطل لأن الخبير باشر المأمورية في غيبة الطاعن الذي كان مريضاً مرضاً شديداً، والخبير لم ينتقل إليه في منزله ليسأله ويستوضحه عن المبالغ التي قال إنها في ذمته. (وثانياً) في أن محضر أعمال الخبير يتناقض مع تقريره لأن الفرق بين ما جاء في الفاتورة وبين ما جاء في دفتر الذمامات ليس 500 مليم كما قال الخبير بل 170 مليماً فقط. ثم إن الخبير قد استنتج أن مبلغ الفرق المذكور اختلسه الطاعن، وهذا الاستنتاج يكون له محل لو أن الطاعن دوّن في دفتر الذمامات مبلغاً أقل مما ورد بالفاتورة، ولكنه وقد دوّن في الدفتر أكثر من ذلك فإنه يكون قد أخطأ خطأً مادياً فقط. ومع ذلك فقد سألت المحكمة إبراهيم شلبي صاحب الحساب عما إذا كان الطاعن هو الذي حصّل منه فأجاب بالنفي. وكذلك نسب الخبير إلى الطاعن أنه استولى على 2 جنيه و160 مليماً من محمد شلبي قيمة الفرق بين الفاتورة والدفتر. وهذا الاستنتاج في غير محله لأن الطاعن إذا كان يتولى التحصيل بنفسه لأثبت بالدفاتر ما يتفق مع ما يثبته بالفاتورة، ولكن المتهم الآخر هو الذي كان يحصّل ويرصد ما يحصّله في دفتر الصندوق والطاعن ينقل عنه في دفاتر الذمامات، والخبير لم يسأل محمد شلبي، ولكن المحكمة الاستئنافية سألته فقرّر أن المحصل هو الذي قبض منه المبلغ. وأيضاً قال الخبير إن الطاعن استولى على 4 جنيهات و695 مليماً من السيدة شرشيرة ولم يدوّنه بالدفاتر مع أن ما ورد بتقرير الخبير يتناقض مع محضره لأنه أخطأ في محضره في ذكر المبلغ، ولما استدرك الخطأ صححه على الهامش ولكنه عند تحرير التقرير نقل الخطأ إليه ولم ينتبه إلى التصحيح فيكون الحكم بذلك خاطئاً لاعتماده على تقرير خاطئ. ولقد سألت المحكمة الاستئنافية السيدة المذكورة فقالت بأنها لا تعرف الطاعن ولم تره. وفضلاً عن ذلك فقد جاء بتقرير الخبير أن المبيعات اليومية لم تدرج بالدفاتر مدّة 160 يوماً، وفرض الخبير أنها تبلغ 2 جنيه يومياً، ثم قال بأنه يجب تحميل الطاعن نصف ثمن المبيعات في هذه المدّة، وجعله بناءً على ذلك مسئولاً عن 160 جنيهاً. ولقد أخطأ الخبير في ذلك لأن مأمورية الطاعن هي التدوين في دفاتر الحساب عدا دفتر الصندوق، فإذا كان المحصل لم يدوّن شيئاً في هذا الدفتر فإنه لا يكون مطالباً بشيء. ولقد أدركت المحكمة الاستئنافية ما وقع فيه الخبير من أخطاء فقرّرت استدعاءه لمناقشته ولكنه ادّعى المرض إلى أن تغيرت الدائرة التي نظرت الدعوى ففصلت فيها من غير استدعائه. (وثالثاً) في أن الحكم قد أخذ بتقرير الخبير لأسبابه دون أن يبين هذه الأسباب. وكذلك اعتمد على شهادة الشهود دون أن يذكر أسماءهم ومؤدّى شهادتهم، وهذا يبطل الحكم، خصوصاً إذا كان تقرير الخبير قد تضمن الأخطاء السالفة الذكر. وفضلاً عن ذلك فإن أمين جرجس قرّر أن المحصل وهو المتهم الآخر كان يحصّل نقوداً ولا يثبتها في الدفاتر، وقرّر أسعد حنا بأنه اشترى قنطار فحم ودفع الثمن للمحصل، ولم يشهد أي شاهد بأنه دفع شيئاً للطاعن. ثم إن الحكم الابتدائي المؤيد استئنافياً جاء متناقضاً لأنه ذكر بالتقرير أن الطاعن اختلاس 3 جنيهات و900 مليم مما حصّله من علي كامل بينما يقرّر الحكم في موضع آخر أنه ظهر طرف علي كامل مبلغ 770 قرشاً ولم يقيد منها بالدفاتر سوى 330 قرشاً، وبسؤال علي كامل أظهر قسائم التحصيل بالباقي وقدره 440 قرشاً بتوقيع المتهم الأوّل وهو المحصل. كما جاء في التقرير أيضاً أن الطاعن وحده بدّد 171 جنيهاً و255 مليماً وأن المحصل بدّد 346 جنيهاً و462 مليماً، بينما يقول الحكم في موضع آخر بأن المتهمين الاثنين اختلسا معاً مبلغ الـ 346 جنيهاً و462 مليماً وهذا التناقض في أسباب الحكم يبطله.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد أدان الطاعن مع آخر في جريمة اختلاس نقود للمدّعي بالحق المدني، وذكر أن وقائع الدعوى تتلخص في "أن المدّعي بالحق المدني يتجر في الفحومات وقد اتخذ لنفسه المتهم الأوّل محصلاً يقوم بتحصيل النقود من العملاء وإضافتها بعهدته مع ما يباع يومياً، وليصرف منها في شئون المحل، والمتهم الثاني (الطاعن) كاتباً حسابياً. وقد ترك المدّعي المدني الأمر لهما يدبرانه بحسب ما يتراءى لهما ثقة منه بهما. وأخيراً وبعد حوالي ثلاث سنوات عندما لاحظ عليهما آثار النعمة استفاق من غشيته، وأراد أن يعرف حساباته فكان يجد من المتهمين تلكؤاً. وأخيراً طلب المتهم الثاني إخلاء سبيله بحجة إزماعه الاشتغال بالتدريس دون أن ينجز أعماله الكتابية، فطلب إليه الانتظار حتى يتممها فلم يقبل، وألحف في طلبه، فعين الشاهد الثاني كاتباً بدله في يناير سنة 1937 وظل هذا الأخير يجدّ في إنجاز الأعمال المتأخرة، وتفادياً من ظهور ما أخفاه مع المتهم الأوّل من اختلاسات ألحف في أخذ شهادة بخلو طرفه فأعطاه المدّعي المدني هذه الشهادة بتاريخ 30 يناير سنة 1937 وأخذ عليه إقراراً باستعداده للإرشاد عن كل ما يلزم للكاتب الجديد من استفهامات. وعندما أنجز الكاتب الجديد العمل بدأت تظهر له الاختلاسات في الدفاتر التي كان يحرّرها كل من المتهمين ويوقعان عليها وقسائم التحصيل التي كان يوقعها المتهم الأوّل. وذلك على إثر اكتشاف أنه للمحل طرف من يدعى علي كامل مبلغ 770 قرشاً ظهر أنه مقيد منها 330 قرشاً فقط والباقي لم يقيد. وبسؤال هذا الأخير أظهر قسائم التحصيل بالباقي وقدره 440 قرشاً بتوقيع المتهم الأوّل، فبلغ المدّعي المدني النيابة بتاريخ 28 فبراير سنة 1937.
وحيث إن النيابة قد ندبت بعد ذلك خبيراً حسابياً هو محمود أفندي أمين لفحص ومراجعة الدفاتر والقسائم والفواتير الخاصة بالتحصيل وتطبيقها على ما دوّن بالدفاتر وفتح الخزينة وجرد جميع ما يوجد بها، وذلك لمعرفة إن كان قد حصلت هناك اختلاسات بمعرفة المتهمين.
وحيث إن الخبير المذكور قد باشر مأموريته وقدّم تقريره بما يتضمن أن الكاتب والمحصل قاما بتحصيل مبالغ من بعض عملاء المحل ولم يدوّنا قيمتها بدفاتر الصندوق ولا بيومية الخصم والإضافة ولم تخصم لأربابها بدفاتر الذمامات، وأن المحصل المتهم الأوّل استولى على مبالغ من بعض عملاء المحل لنفسه ولم يدوّنها بعهدته بحساب الصندوق ولم ترد بدفاتر الحسابات ولم تخصم لأربابها كذلك بدفاتر الذمامات، وأنهما معاً استوليا على مبيعات المحل اليومية حيث لم يدوّنا شيئاً من قيمة تلك المبيعات بدفاتر الصندوق ولا بباقي الدفاتر الأخرى، وذلك في المدّة من 16 أكتوبر سنة 1935 لغاية أغسطس سنة 1936، وأن قيام الكاتب المتهم الثاني بعدم إثبات قيمة المبيعات اليومية بدفاتر المحل جميعها دليل على اشتراكه مع المحصل في اختلاس قيمتها. وبعد إجراء الحساب ظهر له أن قيمة الاختلاس هو مبلغ 517 جنيهاً و717 مليماً من ذلك مبلغ 71 جنيهاً و255 مليماً (كذا) طرف المتهمين معاً ومبلغ 346 جنيهاً و462 مليماً طرف الثاني فقط. والمحكمة تأخذ بهذا التقرير للأسباب الواردة به. وحيث إنه متى تقرّر ما تقدّم، وأن الدفاتر وقسائم التحصيل كلها بخط المتهم الثاني وبعضها بخط المتهم الأوّل وموقع عليها منهما. وعلى ذلك يعتبر هذا مبدأ ثبوت بالكتابة قد كمل بما قرّره الخبير والشهود، وتكون التهمة ثابتة قبل المتهمين معاً وهي أنهما اختلسا المبلغ المذكور الذي تسلماه من زباين المحل لذمّة المدّعي بالحق المدني، وذلك على سبيل الوكالة بأجرة باعتبار الأوّل محصلاً والثاني كاتباً، ويتعين لهذا عقابهما بالمادة 296 عقوبات".
وحيث إن هذه المحكمة في سبيل تحقيق ما يدّعيه الطاعن بأوجه الطعن خاصاً بتقرير الخبير قد أمرت بضم مفردات الدعوى، ثم اطلعت على هذا التقرير المرافق لها والذي أحال إليه الحكم فتبين منه أنه عني بإثبات ما حصّله كل من الطاعن والمحصل وبذكر الأدلة والقرائن التي تبرّر الذي انتهى إليه، ثم خلص في نتيجته إلى أن مجموع ما ظهر بطرف كل من الكاتب والمحصل هو مبلغ 517 جنيهاً و717 مليماً منه مبلغ 171 جنيهاً و255 مليماً طرف الكاتب أي الطاعن ومبلغ 346 جنيهاً و462 مليماً طرف المحصل استولى عليه مع الطاعن من حساب عملاء محل تجارة المجني عليه.
وحيث إن ما يثيره الطاعن بأوجه الطعن مردود: (أوّلاً) بأنه لم يتمسك لدى محكمة الموضوع ببطلان تقرير الخبير الذي استند إليه الحكم فليس له أن يثير هذا البطلان لأوّل مرة لدى محكمة النقض. خصوصاً وأنه يقول بأوجه الطعن إن مرضه هو الذي منعه عن الحضور أمام الخبير، وإنه لا ينعي على الخبير سوى كونه لم ينتقل إلى منزله ليسأله عما ظهر في ذمته من الأموال المختلسة – ذلك الأمر الذي كان له إبداؤه على كل حال أمام المحكمة لمناقشته أثناء المحاكمة بكامل الحرّية. ومن جهة أخرى فإن عمل الخبير في التحقيقات الأوّلية في الدعاوى الجنائية لا يكون باطلاً إذا ما تم بغير حضور أحد من الخصوم إذا كانت السلطة القضائية التي ندبت الخبير لم توجب حضور الخصوم معه أثناء مباشرة العمل. وذلك لأن هذه التحقيقات الابتدائية لا يشترط القانون لصحتها أن تكون قد بوشرت حتماً في حضور الخصوم كما هو الحال في إجراءات المحاكمة أمام المحاكم، بل إن القانون صريح في إجازة منع الخصم عن الحضور أثناء مباشرة عمل واحد أو أكثر من هذه الأعمال لسبب من الأسباب التي يقتضيها حسن سير التحقيق أو تفرضها الرغبة في ظهور الحقيقة. (وثانياً) بأن الحكم المطعون فيه قد ذكر الأدلة التي اعتمد عليها في ثبوت إدانة الطاعن واستخلصت منها في منطق سليم النتيجة التي قال بها، فلا يقبل إذن من الطاعن كل ما يثيره بأوجه الطعن في صدد ما أثبته الخبير في تقريره أو ما قاله الشهود في شهادتهم لأنه لا معنى له سوى المناقشة أمام محكمة النقض في مسائل موضوعية من حق محكمة الموضوع وحدها تقديرها والفصل فيها بما تراه. (وثالثاً) بأن الحكم قد ذكر في بيان كافٍ الأدلة التي أقام عليها قضاءه فكان عماده تقرير الخبير الذي عني بإيراد مضمونه على صورة تتفق وحقيقته. وإذا كانت المحكمة لم ترَ داعياً لإيراد التفصيلات الواردة في هذا التقرير عن البيانات المستخرجة من الاطلاع على الدفاتر والأوراق واكتفت في حكمها بمجرّد الإحالة إلى التقرير فيما يختص بهذه التفصيلات فلا يصح أن يعدّ هذا عيباً في حكمها كما يزعم الطاعن. وذلك لأن ما أوردته المحكمة من التقرير المذكور يكفي وحده لأن يحمل عليه الحكم. هذا من جهة ومن جهة أخرى فليس هناك ما يمنع المحكمة من أن تكتفي في حكمها في صدد واقعة معينة بمجرّد الإحالة إلى ما جاء في تقرير الخبير بشأنها متى كان هذا التقرير مقدّماً في ذات الدعوى كدليل للخصوم أو عليهم.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات