الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 93 سنة 11 ق – جلسة 16 /12 /1940 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 311

جلسة 16 ديسمبر سنة 1940

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك المستشارين.


القضية رقم 93 سنة 11 القضائية

( أ ) قوّة الشيء المحكوم فيه. محكمة جنائية. حكم من محكمة مدنية أو من أية جهة أخرى. لا تتقيد به المحكمة الجنائية عند نظرها الدعوى العمومية.
(ب) دفع أمام المحكمة الجنائية بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور حكم فيها. تعلقه بالدعوى المدنية فقط. ليس من النظام العام. لا يجوز أن تعرض له المحكمة من تلقاء نفسها. لا تجوز إثارته لأوّل مرة لدى محكمة النقض.
1 – إن المحكمة الجنائية وهي تحاكم المتهمين عن الجرائم المعروضة عليها لا يمكن أن تتقيد بأي حكم صادر من أية جهة أخرى مهما كانت. وذلك ليس فقط على أساس أن مثل هذا الحكم لا تكون له قوّة الشيء المحكوم فيه بالنسبة للدعوى الجنائية لانعدام الوحدة في الخصوم أو السبب أو الموضوع، بل ولأن وظيفة المحاكم الجنائية والسلطة الواسعة التي خوّلها القانون إياها للقيام بهذه الوظيفة بما يكفل لها كشف الواقعة على حقيقتها كيلا يعاقب برئ أو يفلت مجرم – ذلك يقتضي ألا تكون هذه المحاكم مقيدة في أداء وظيفتها بأي قيد لم يرد به نص في القانون، مما يلزم عنه ألا يكون للحكم الصادر من المحاكم المدنية أو غيرها من الجهات الأخرى أي شأن في الحدّ من سلطة المحاكم الجنائية التي مأموريتها السعي للكشف عن الحقائق كما هي في الوقائع، لا كما تقرّره تلك الجهات متقيدة بما في القانونين المدني أو المرافعات من قيود لا يعرفها قانون تحقيق الجنايات، وملتزمة حدود طلبات الخصوم وأقوالهم في تكييفهم هم للوقائع المتنازع عليها بينهم وهم دون غيرهم أصحاب الشأن فيها.
2 – الدفع أمام المحاكم الجنائية بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور حكم فيها لا يكون من النظام العام إن كان متعلقاً بالدعوى المدنية فقط، وإذن فلا يجوز للمحكمة أن تعرض له من تلقاء نفسها وإلا عدّ ذلك منها خروجاً عن حدود سلطتها. كما أنه لا تجوز إثارة هذا الدفع أمام محكمة النقض والإبرام إذا كان لم يسبق التمسك به أمام محكمة الموضوع ممن هو مقرّر لمصلحته.


المحكمة

وحيث إن الطاعن ينعى بأوجه الطعن المقدّمة منه على الحكم المطعون فيه أنه أخطأ. وذلك: (أوّلاً) لأن الحكم الذي يصدر بصفة نهائية في خصومة يجب – مدنياً كان أم جنائياً – أن يعتبر عنواناً للحقيقة لا يجوز معه إطلاقاً الرجوع إلى موضوع النزاع. وإذن فما كان لمحكمة الجنح أن تقبل الدعوى العمومية وتقضي فيها بالإدانة بعد أن فصلت المحكمة المدنية في نفس النزاع بصحة السندين وصار حكمها نهائياً حائزاً قوّة الشيء المحكوم فيه. (وثانياً) لأنه من المقرّر قانوناً أن من يتخذ أحد الطريقين المدني أو الجنائي ليس له أن يتخذ الطريق الآخر. وبما أن المدعي المدني سبق أن طعن بالتزوير أمام المحكمة المدنية وحكم في دعواه بصحة السند فما كان له أن يدخل مدعياً في الدعوى الجنائية الخاصة بذات الموضوع. ولذا يكون الحكم له بالتعويض مبنياً على مخالفة للقانون. (ثالثاً) لأن الإجراءات التي اتخذت في الدعوى وقعت باطلة إذ النيابة استشهدت على إدانة الطاعن بالمدعي المدني وبالخبير من أن الأوّل لم يحلف اليمين ولم تسمع أقواله إلا على سبيل الاستدلال فلا قيمة لشهادته إذن، ومع أن الثاني لا يعتبر شاهداً لأنه لم يشهد الواقعة وإنما هو من أهل الفن يعاون القضاء في المأمورية التي يرى ندبه لتقديم تقرير برأيه فيها.
ومن حيث إن المحكمة الجنائية وهي تحاكم المتهمين عن الجرائم التي يعرض عليها الفصل فيها لا يمكن أن تتقيد بأي حكم صادر من أية جهة أخرى مهما كانت. وذلك ليس فقط على أساس أن مثل هذا الحكم لا تكون له قوّة الشيء المحكوم فيه بالنسبة للدعوى الجنائية لانعدام الوحدة في الخصوم أو السبب أو الموضوع، بل ولأن وظيفة المحاكم الجنائية والسلطة الواسعة التي خوّلها القانون إياها للقيام بهذه الوظيفة بما يكفل لها اكتشاف الواقعة على حقيقتها كيلا يعاقب بريء أو يفلت مجرم – ذلك يقتضي ألا تكون مقيدة في أداء وظيفتها بأي قيد لم يرد به نص في القانون، كما يقتضي بالتالي ألا يكون للحكم الصادر من المحاكم المدنية أو غيرها من الجهات الأخرى أي شأن في الحدّ من سلطة المحاكم الجنائية التي مأموريتها السعي للكشف عن الحقائق كما هي في الواقع لا كما تقرّرها تلك الجهات متقيدة بما في القانونين المدني أو المرافعات من قيود لا يعرفها قانون تحقيق الجنايات وملتزمة حدود طلبات الخصوم وأقوالهم في تكييفهم هم للوقائع المتنازع عليها بينهم وهم دون غيرهم أصحاب الشأن فيها. وهذا النظر هو الذي توجبه مصلحة الجماعة فإنه إذ كانت الدعوى العمومية عن الجرائم من حقها هي ممثلة في النيابة العمومية التي لا صفة لها في الدعاوى الأخرى وجب ألا تتأثر دعواها بما يترتب على ما قد يقع في تلك الدعاوى من مثل تفريط المدعي في إثبات حقه أو تسليم المدعى عليه – لأمر ما – بحق مزعوم لخصمه. إذ الأحكام التي تصدر في هذه الأحوال وإن كانت تعتبر عنواناً للحقيقة فإن هذا الوصف لا يصدق عليها إلا بالنسبة للخصمين المتداعيين فيها ولكنها بالنسبة لمن عداهما لا يصح وصفها بهذا الوصف سواء من جهة الحقيقة في حدّ ذاتها أو من جهة مجرّد الاعتبار. وأحكام هذا شأنها لا يجوز أن يتقيد بها حق الجماعة الذي اختصه الشارع، مبالغة في صيانته، بأوسع الضمانات الكفيلة بإظهار الحقائق على وجه اليقين المطلق مما يبرر القول بأن أحكام المحاكم الجنائية في الدعاوى العمومية هي التي يصح أن تقيد المحاكم المدنية في دعاوى الأفراد، لا العكس.
وحيث إن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور حكم فيها لا يكون من النظام العام إذا كان متعلقاً بالدعوى المدنية فقط. وإذن فلا يجوز للمحكمة أن تعرض له من تلقاء نفسها وإلا عدّ ذلك منها خروجاً عن حدود سلطتها كما أنه لا تجوز إثارة هذا الدفع أمام محكمة النقض والإبرام إذا كان لم يسبق التمسك به أمام محكمة الموضوع ممن هو مقرر لمصلحته.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أدان الطاعن في جريمة استعمال سندين مزوّرين مع علمه بتزويرهما وذكر "أن وقائع الدعوى تتلخص في أن المتهم (الطاعن) رفع دعوى مدنية عن طريق المعافاة يطالب المدّعي بالحق المدني وحده بمبلغ 200 جنيه و84 مليماً ويطالبه مع آخرين بمبلغ 38 جنيهاً و975 مليماً واستند في إثبات دعواه ضد المدّعي بالحق المدني على السندين المؤرّخين في 10 مارس سنة 1925 و8 فبراير سنة 1929. وبعد أن قدّم المتهم هذين المستندين طعن فيهما المدّعي بالحق المدني بالتزوير. فقضت محكمة أوّل درجة بصحة هاتين الورقتين ولم تأخذ بتقريري الخبراء الأربعة الذين رأوا أن المستندين مزوّران، وقضت بالصحة معتمدة على مشاهدتها ومقارنتها للورقتين المطعون فيهما. فاستأنف المدّعي المدني حكم محكمة أوّل درجة، وقدّم أمام محكمة الاستئناف المدنية قرائن تؤيد ما ذهب إليه من تزوير الورقتين، كما تقدّم بتقرير خبير استشاري وضعه الخبير حسن أفندي شهاب 12 دوسيه استئناف المنيا في القضية رقم 104 سنة 1935، وقال هذا الخبير بتزوير الورقتين، كما تقدّم المتهم من جهته بتقرير خبير استشاري أيضاً وضعه الخبير محمد أفندي وهبي قال فيه بصحة الورقتين وخالف بذلك رأي زملائه الخبراء الخمسة الذين سبقوه في القول بأن المستندين مزوّران. وقد قضت المحكمة المدنية الاستئنافية بتأييد حكم محكمة أوّل درجة الذي قضى بصحة المستندين المطعون فيهما، فلجأ المدّعي المدني للنيابة العمومية واشتكى مصراً على تزوير الورقتين سالفتي الذكر، فباشرت النيابة التحقيق ثم ندبت الخبير محمد بك علي سعودي الذي قدّم تقريره وقال فيه بأن المستندين المحكوم بصحتهما مدنياً مزوّران، فرفعت النيابة الدعوى العمومية. وحيث إنه لا نزاع قانوناً في حق النيابة في رفع الدعوى الجنائية بالتزوير والاستعمال حتى إذا قضى نهائياً من المحاكم المدنية بصحة المستند المطعون فيه بالتزوير. وحيث إن محكمة أوّل درجة قضت بصحة المستندين وناقشت فقط تقريري الخبراء الذين قالوا أمامها بتزوير المستندين، ولم يطرح عليها ما يستند عليه المدّعي المدني من القرائن التي قدّمها ليدلل بها على تزوير هاتين الورقتين. أما محكمة الاستئناف فلم تناقش هذه القرائن لكي تصل إلى صحة أو تزوير السندين، واكتفت بقولها إنها استعرضت دفاع المدّعي المدني، وانتهت إلى النتيجة التي وصل إليها القاضي الجزئي، وقضت بتأييد حكمه الذي قضى بصحة الورقتين. وحيث إن المحكمة الجنائية رأت بحث هذه القرائن، وبعد بحثها والاطلاع على التحقيقات وأوراق القضايا المضمومة وتقارير الخبراء جميعاً، وبعد فحص السندين المطعون فيهما رأت أن هذه القرائن تؤدّي حتماً لتزوير الورقتين المطعون فيهما بالتزوير للأسباب الآتية: …… إلخ. وبعد ذلك أورد الحكم في بيان مستفيض القرائن والأدلة التي استخلصت المحكمة منها تزوير الورقتين وأن الطاعن استعملهما مع علمه بتزويرهما. ثم انتهى إلى القول بثبوت التهمة المرفوعة بها الدعوى على الطاعن وقضى بإدانته فيها.
وحيث إن يتضح مما تقدّم أن الحكم المطعون فيه لم يخطئ في شيء مما يقول به الطاعن وذلك: (أوّلاً) لأنه كان من حق المحكمة وهي تحاكم المتهم عن جريمة وقعت منه أن لا تعوّل على غير الحقيقة التي اطمأنت إليها واستخلصتها من الوقائع والأدلة التي أوردتها. فإذا ما انتهت من ذلك واقتنعت بأن السندين مزوّران في الحقيقة والواقع فلا تثريب عليها إذا هي قضت بذلك ولو كان قضاؤها مخالفاً للحكم السابق صدوره من المحاكم المدنية بصحة السندين. (وثانياً) لأنه ما دام المتهم لم يتمسك أمام محكمة الموضوع بأن المدّعي بالحق المدني سبق له أن سلك الطريق المدني حتى حكم ضدّه، وبأن تدخله بعد ذلك أمام المحكمة الجنائية ليس إلا عوداً إلى ذات ما قضت فيه المحكمة المدنية، فليس له أن يثير ذلك لأوّل مرة لدى محكمة النقض، لأن هذا الدفع ليس من النظام العام بل هو مقرّر لمصلحته وحده. (وثالثاً) لأن للمحكمة الجنائية أن تعتمد في قضائها على ما تراه من دليل أو قرينة موصلاً إلى كشف الحقيقة، فلها إذن أن تأخذ بأقوال المدّعي بالحق المدني مع علمها بأنها سمعت بغير يمين متى اطمأنت إلى صحتها، كما يكون لها أن تعتمد على تقارير الخبراء المقدّمة في الدعوى بغير حاجة إلى سماع الخبراء. فإذا ما هي سمعت أقوال الخبير وناقشته بنفسها في التقرير المقدّم منه كان ذلك منها أوفى لإظهار الحق ولا يصح نعته بالعيب. على أن المحكمة لم تقتصر في قضائها على أقوال المدّعي المدني والخبير بل إنها أفاضت في بيان الأدلة والوقائع الأخرى التي استخلصت منها في منطق سليم ثبوت الواقعة الجنائية التي أدين الطاعن من أجلها مما لا يدع له سبياً إلى الشكوى في حكمها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات