الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 92 سنة 11 ق – جلسة 16 /12 /1940 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 307

جلسة 16 ديسمبر سنة 1940

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك المستشارين.


القضية رقم 92 سنة 11 القضائية

مخدّرات. مجرّد حمل المخدّر مع العلم بماهيته. إحراز. بيع مندوب من قبل البوليس مخدّراً للمتهم لإثبات التهمة عليه. قبول المتهم الشراء وأخذه المخدّر لنفسه مع علمه به. إحراز معاقب عليه.

(المواد 1 و2 و35/ 6 ب من قانون المخدّرات)

إن مجرّد حمل المتهم للمخدّر وهو عالم بماهيته يكفي للإدانة حتى ولو كان البوليس في سبيل إثبات التهمة عليه هو الذي باعه المخدّر بواسطة مندوب من قبله. وذلك لأن قبوله أخذ المخدّر لنفسه مع علمه بحقيقته تتوافر به جميع العناصر القانونية لجريمة الإحراز بصرف النظر عن التدبير السابق ما دام الإحراز قد وقع منه برضائه وعن عمد منه.


المحكمة

وحيث إن هذا الطاعن ينعى بأوجه الطعن المقدّمة منه على الحكم المطعون فيه أنه أخطأ خطأ يعيبه بما يستوجب نقضه. وفي بيان ذلك يقول: (أوّلاً) إنه دفع أمام المحكمة ببطلان جميع الإجراءات لأن المخدّرات المقول بضبطها في الحقيبة مع المتهم الآخر هي لقلم المخدّرات الذي أرسل مندوباً من قبله استدرج هذا المتهم وأغراه على قبولها. ولذلك فما كان يجوز أن يعاقب الطاعن على إحراز ذلك المخدّر، والمحكمة الاستئنافية إذ لم تعوّل على هذا الدفع قالت إن الطاعن والمتهم الآخر كانا يحملان حقيبة بها مخدّرات، وهذا لا يكفي في الرد لأن الدفع مبناه أن البوليس هو الذي خلق الواقعة فلا يصح إذن أن تعتبر جريمة. ثم إنها قالت أيضاً بأنه لم يثبت اشتراك البوليس في التدبير المقول به، ولكنها أغفلت التعرّض إلى ما استند إليه الدفاع خاصاً بذلك إذ طلب الرجوع إلى دفتر الفندق المقول بأن المخدّرات سلمت للمتهم الآخر فيه، وسؤال ذوي الشأن في الفندق… إلخ. وفضلاً عن ذلك فإن الإذن الذي صدر بالتفتيش في 12 أغسطس سنة 1939 باطل لأنه لم يكن مدعماً بتحرّيات تبرّره كما ذهبت المحكمة، ولأن النيابة تجاوزت فيه الطلب المقدّم إليها من البوليس فقد كان مقصوراً على مسكن الطاعن ومحل تجارته وسيارته ومن يتواجد معه في هذه المحال. (وثانياً) إنه دفع بأن الاعتراف المنسوب صدوره من المتهم الآخر غير صحيح لأنه وليد الإكراه، ودلل على ذلك بوجود إصابات بهذا المتهم. والمحكمة لم تأخذ بهذا وأدانته على مقتضى هذا الاعتراف وقالت إن الإصابات لا بد أن تكون حدثت للمتهم الآخر أثناء ضبطه. وهذا منها لا سند له في الأوراق.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أدان الطاعن للأسباب التي أقيم عليها الحكم الابتدائي، وعرض إلى الأوجه المشار إليها في وجوه الطعن بقوله "إن الدفاع دفع ببطلان محضر التفتيش وما تلا ذلك من إجراءات لاحقة من ضبط للمتهمين وتحقيق ضدّهما، وللرد على ذلك الدفع يتعين استعراض ما تم من الإجراءات. والثابت أنه في يوم 12 أغسطس سنة 1939 أثبت ضابط المواد المخدّرة محمد أفندي مصطفى في محضر تحرّيات أنه علم من مصدر سري بأن المتهم الأوّل (الطاعن الأول) يتجر في المواد المخدّرة، وأنه سبق اتهامه في قضايا عدّة، وأنه وردت له كمية كبيرة من المواد المخدّرة وسيصير نقلها بواسطة سيارته هو وبعض أتباعه، وطلب من النيابة الإذن بالتفتيش فأذنت له النيابة بالتفتيش في ذلك اليوم بتفتيش محل سكنه وتجارته وسيارته ومن يوجد معه في المحلات التي يوجد بها ممن تحوم حولهم الشبهة. وفي يوم 15 أغسطس سنة 1939 أثبت ضابط المباحث أن المتهم الأوّل يخفي كميات بمنزل المتهم الثاني (الطاعن الثاني) بشارع معين وفي جهة معينة فأصدرت النيابة إذنها بتفتيش المتهم الثاني في ذلك اليوم بناءً على التحرّيات والتحقيقات المرفقة. بعد ذلك وفي مساء يوم 16 أغسطس سنة 1939 ضبط المتهمان على الوجه المبينة وقائعه تفصيلاً بالحكم المستأنف. وحيث إن إجراءات التفتيش والضبط لا غبار عليها مما سلف بيانه إذ واضح أن الإذن بالتفتيش الأوّل ليس قاصراً على الأوّل بل يمتد إلى كل شخص يوجد معه ممن تحوم حولهم الشبهة وكان هذا الإذن بمفرده كافياً لضبطه والقبض على المتهمين معاً بالحالة الواردة بالحكم المستأنف، ولكن زيادة في الاحتياط وأخذاً بالأحوط استصدر ضابط المباحث إذناً بتفتيش المتهم الثاني. ومن ثم يتعين رفض الدفع ببطلان التفتيش وما تلاه. وحيث إن الدفاع أشار فيما أشار إلى أن المتهم الثاني قد وجدت به إصابات ادّعى أن البوليس قد أحدثها به فيكون اعترافه بالبوليس غير مؤيد للتهمة. والرد على ذلك أمر ميسور لأن إصاباته لا بدّ وأن تكون قد حدثت أثناء ضبطه. وفضلاً عن ذلك فإن المتهم الأوّل والثاني لم ينكرا جوهر الوقائع التي وردت على لسان الشهود من جهة ذهابهما للوكاندة فرنسا في الساعة التي ضبطا فيها وأنهما قابلاً أحد الخواجات هناك، وقال المتهم الأوّل أمام النيابة عن ذلك إنه ليس له شأن لأن الحقيبة التي ضبطت بها المواد المخدّرة كانت بيد المتهم الأوّل فقط. وهذا القول غير معقول لأن رائحة الأفيون كانت تتصاعد منها بشكل واضح. وشهد الشهود بأنهم أبصروا المتهمين يدخلان معاً إلى اللوكاندة ثم يخرجان معاً، ونادى المتهم الأوّل على سيارة، وتبعه المتهم الثاني يحمل الحقيبة في يده، وعندما هم المتهم الثاني بوضع الحقيبة في السيارة التي انتظرتهما دهمهما الكونستابل فرانكو والكونستابل إبراهيم رضوان وقبضا عليهما قبل أن يبادرا إلى الهرب. هذا فضلاً عن شهادة السائق أندريا بتلك الوقائع، وفضلاً عما قرّره بوّاب اللوكاندة جابلي حسن أحمد أن المتهمين حضرا الساعة 12 مساءاً وسألاه عن أحد الخواجات وأنهما هما الاثنان دخلا سوياً إلى اللوكاندة. وحيث إن المتهم الثاني قد قرّر أمام النيابة ما يستفاد منه عن جوهر الوقائع أنهما كانا معاً وذهبا إلى اللوكاندة سوياً، وخالف المتهم الأوّل بأنه قرّر أن المتهم الأوّل هو الذي صعد بمفرده وأحضر الحقيبة، وأنه هو الذي أحضر السيارة. وظاهر من كل ذلك أن المتهمين لا ينكران أمام النيابة الوقائع التي قرّرها البوليس، إنما كل منهما يلقي حمل الحقيبة على الآخر، وإذن يصبح غير مجدٍ القول بأن الاعتراف أخذ كرهاً، ولا حاجة لإثبات اعتراف المتهم الثاني تفصيلاً بما حدث. ويؤخذ من الأدلة ما يكفي لتكوين اعتقاد المحكمة بثبوت التهمة ضدّ المتهمين من أقوالهما أمام النيابة. وحيث إن الدفاع أشار أيضاً إلى أنه كان واجباً على البوليس أن يضبط أحد الخواجات الذي كان باللوكاندة والذي سلم الحقيبة للمتهمين، وإن ذلك كان ميسوراً بالكشف من دفاتر اللوكاندة لمعرفة من هو الموقع بإمضائه على الدفتر، وأن هذا الخواجة ليس إلا أحد رجال الضبطية القضائية، وتكون التهمة منهارة لاشتراك البوليس في التدبير. وحيث إنه فضلاً عن عدم ثبوت اشتراك البوليس في التدبير الذي قال به الدفاع، وفضلاً عن أن الدفاع قد انتهز فرصة عدم العثور على هذا الخواجة لتشكيك المحكمة فيما قرّره، فإن الوقائع بذاتها وفي مجموعها تنطق بأن المتهمين كانا يحملان حقيبة بها المواد المخدّرة، وهذا في ذاته يكفي بغض النظر عن أي اعتبار آخر".
وحيث إنه يتضح من البيان المتقدّم أن ما يثيره الطاعن بأوجه الطعن مردود: (أوّلاً) بأن الحكم المطعون فيه قد عرض لدفاعه من أن البوليس هو الذي دبر له الواقعة وأعطاه وزميله المخدّرات للإيقاع بهما، ونفى صراحة ما ادّعاه الطاعن من ذلك. على أن الحكم لم يكتفِ بهذا الذي قال به بل استطرد في الإثبات إلى أن مجرّد حمل المتهمين للمخدّرات مع علمهما بحقيقتها يكفي وحده لإدانتهما بغض النظر عن أي اعتبار آخر. وما قرّره الحكم من ذلك صواب لا شائبة فيه. حتى لو كان صحيحاً ما يدعيه الطاعن من أن البوليس هو الذي باعه المخدّر بواسطة مندوب من قبله لأن قبوله أخذه لنفسه مع علمه به – هذا وحده تتوافر به جميع العناصر القانونية للجريمة. وكل ما يكون قد سبق ذلك من التدبير لا تأثير له ما دام فعل الإحراز قد وقع من المتهم برضائه ولم يكن للتدبير أي أثر في هذا الفعل الجنائي الذي قارفه المتهم وهو قاصد ارتكابه وعالم أنه إنما يرتكب جرماً معاقباً عليه إلخ.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات