الطعن رقم 1839 سنة 10 ق – جلسة 09 /12 /1940
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 299
جلسة 9 ديسمبر سنة 1940
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك المستشارين.
القضية رقم 1839 سنة 10 القضائية
( أ ) وصف التهمة. أساس الفصل في الدعوى. الوصف المقدّم به المتهم
للمحاكمة والمواد المطلوب المحاكمة بمقتضاها. تقديم طلبات من الخصوم في الجلسة مخالفة
لها. لا أثر له. ضرب بناءً على إصرار سابق. عدم تمسك النيابة في الجلسة بهذا الظرف.
مؤاخذة المتهم بموجبه. لا يعيب الحكم.
(ب) ضرب أفضى إلى عاهة. نية خاصة. لا يشترط. نية الإيذاء. بيان هذا الركن صراحة في
الحكم. لا يشترط. يكفي أن يكون توافر هذه النية عند المتهم مستفاداً من الحكم.
(المادة 204 ع = 240)
1 – إن المحكمة إنما تفصل في الدعوى على أساس وصف التهمة المقدّم به المتهم للمحاكمة
والمواد المطلوب محاكمته بمقتضاها عن الجريمة المبينة بهذا الوصف. فهذا الوصف وهذه
المواد هي التي تعتبر أساساً للمرافعة في جلسة المحاكمة ولو تقدّمت من الخصوم في الجلسة
طلبات مخالفة لها. فإذا رفعت الدعوى العمومية على المتهم بوصف أن الضرب وقع منه على
المجني عليه بناءً على إصرار سابق، وأدانته المحكمة على هذا الأساس، فليس له أن يعيب
عليها أنها آخذته عن سبق الإصرار مع أن النيابة في الجلسة لم تتمسك به.
2 – إنه وإن كانت جناية الضرب الذي أفضى إلى العاهة تتطلب لتوافرها أن يكون الجاني
قد تعمد بفعلته إيلام المجني عليه في جسمه إلا أنه لا يشترط لصحة الحكم بالإدانة فيها
ما يشترط في الجرائم التي يكون ركن العمد فيها قوامه نية إجرام خاصة كالقتل العمد الذي
يجب فيه أن يتعمد الجاني إزهاق روح المجني عليه لا مجرّد إيقاع الأذى به، الأمر الذي
يقتضي من المحكمة أن تفرد لهذا الركن في حكمها بحثاً صريحاً خاصاً به، وإنما يكفي أن
يكون مستفاداً من الحكم في جملته أن المحكمة، عند قضائها في الدعوى، قد اقتنعت بأن
المتهم بفعل الضرب الذي وقع منه كان يقصد إيذاء المجني عليه.
المحكمة
وحيث إن الطاعن ينعى بأوجه الطعن المقدّمة منه على الحكم المطعون
فيه أنه أخطأ: (أوّلاً) لأن النيابة العمومية لم تطلب إلى المحكمة معاملة الطاعن بالفقرة
الثانية من المادة 240 من قانون العقوبات على أساس توافر سبق الإصرار لديه، ومع ذلك
اعتبرت المحكمة أن الحادث حصل مع سبق الإصرار والترصد وشدّدت العقوبة بناءً على ذلك،
(وثانياً) لأنه لم يذكر أن الطاعن تعمد ضرب المجني عليه مع أن النص الذي طبقه يشترط
هذا الركن. (وثالثاً) لأن الدفاع تمسك بأن الواقعة بدأت بتماسك بين الطاعن وبين المجني
عليه أدّى إلى سقوط هذا الأخير على عربة فأصيب، ودلت المعاينة وشهد المجني عليه بوجود
عربات في مكان الحادثة، والمحكمة لم تأخذ بهذا الدفاع استناداً منها إلى شهادة المجني
عليه والعسكري تمام موسى مع أن هذا الأخير لم يكن حاضراً وقت الحادثة، ومع أنها لم
تعرّض للخلاف بين قول المجني عليه بأنه كان يحمل طفلة وقت الحادثة وبين تكذيب الشاهد
المذكور له في هذه الواقعة. ويقول الطاعن إن في ذلك من القصور والإخلال بحق الدفاع
ما يستوجب نقض الحكم.
وحيث إنه يبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أن الدعوى العمومية رفعت على الطاعن
أمام محكمة الجنايات بتهمة أنه: "شرع في قتل محمد إبراهيم السيد عمداً مع سبق الإصرار
والترصد بأن عزم على قتله وترصد له في طريقه إلى سكنه ومعه آلة حادّة (لبيسة حذاء مشحوذة
حديثاً) وطعنه بها في رأسه بقصد قتله فأحدث به جرحاً قطعياً بالجبهة وكسراً مضاعفاً
شرخياً بالعظم الجبهي تخلفت عنه عاهة فقد عظمي مستدير قطره 1 سم، وخاب أثر الجريمة
لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو إسعاف المجني عليه بالعلاج". والمحكمة رأت بعد أن حققت
الدعوى أن ما وقع من الطاعن لا يكوّن إلا جريمة الضرب الذي نشأت عنه عاهة مستديمة،
وأدانته على هذا الأساس طبقاً للمادة 240 فقرة ثانية من قانون العقوبات. وذكرت "أنه
ثبت من التحقيق الذي تم في هذه القضية وشهادة الشهود بالجلسة أنه بينما كان المجني
عليه عائداً لمسكنه إذ فاجأه المتهم وانقض عليه وضربه بلبيسة حذاء على رأسه فأحدث به
الإصابة الموصوفة بالكشف الطبي والتي نشأت عنها عاهة مستديمة. وحضر على الاستغاثة تمام
موسى محمد الذي حصلت أمام منزله الحادثة، وذهب بالمتهم والمجني عليه إلى البندر حيث
أخذ في التحقيق، وأن هذه الوقائع ثبتت من شهادة المجني عليه بالتحقيق وبالجلسة، ومؤداها
أنه كان عائداً لمنزله ليلة الحادثة فباغته المتهم وضربه باللبيسة، ثم حضر العسكري
على الاستغاثة وذهب به إلى البندر، وعزا سبب التعدّي إلى أنه سبق من عام أن ضرب المتهم
بعصا خيزران ثم اصطلحا. والظاهر أن المتهم لم يصفَ قلبه تماماً فكان كثيراً ما يتحرّش
به إلى أن اعتزم الانتقام منه وضربه ليلة الحادثة، ومن شهادة تمام موسى عسكري البوليس
بالتحقيق وبالجلسة ومفادها أنه كان في منزله ليلة الحادثة وسمع صياحاً أمام منزله فنزل
فوجد المتهم والمجني عليه متماسكين وبينهما لبيسة مشحوذة وكان المجني عليه مصاباً ويتهم
الآخر بضربه فذهب بهما إلى البندر، وأن الكشف الطبي على المجني عليه ظهر منه أن عنده
كسراً مضاعفاً شرخياً بعظم الجبهى تحت جرح قطعي بالجبهة طوله نحو 5 سم كاشف للعظم ملتهم
وملوّث وعملت له عملية تربنة في مساحة قطرها نحو 1 سم من عظم الجبهى وكان بذل نخاعه
تحت ضغط عادي ورائق، ويجوز حدوث مثل هذه الإصابة من اصطدامه بجسم حاد صلب كضربة لبيسة
جزمة حادّة الطرف كما يدّعي المصاب وستتخلف عن الإصابة عاهة مستديمة هي فقد جزء من
عظم الجبهى مستدير قطره نحو 1 سم يجعله أكثر عرضة للإصابات والمؤثرات الجوّية مستقبلاً.
وثبت من تقرير الطبيب الشرعي جواز حصول الإصابة من اللبيسة المضبوطة، كما ظهر منه أيضاً
أن الإصابة أحدثت كسراً بعظم الجبهى استوجبت إجراءً جراحياً فنشأ عنه فقد من غير المنتظر
ملؤه بنسيج عظمي. وبذلك يمكن القول بأن المصاب شفي مع تخلف عاهة مستديمة تقدّر بنحو
10 % تقريباً، وأن المتهم أنكر التهمة ولم يبدِ سبباً معقولاً لاتهامه، ولم يجرّح الشاهد
ولا المجني عليه أي تجريح بل قرّر أنه لا يعرف المجني عليه وأنه أمسك به في الطريق،
وقد قرّر المحامي عنه بالجلسة أن نية القتل غير متوافرة، وقد أقرّته المحكمة على هذا
الدفاع كما سيأتي بيانه، وطلب احتياطياً استعمال الرأفة قائلاً: إنه يجوز أن يكون حصل
تماسك بين المتهم والمجني عليه أدّى إلى سقوط المجني عليه على الأرض وحدوث العاهة،
وبذلك تكون مسئولية هذا المتهم خفيفة. والمحكمة لا تأخذ بهذا الدفاع لما سبق بيانه
من الأدلة، وأن نية القتل غير متوافرة لأن من يعتزم على قتل إنسان ويترصد له في الطريق
لا بد أن تكون معه آلة قاتلة كسكين أو سلاح ناري أو عصا غليظة تحطم الهامة إذا استعملت
في الضرب، أما اللبيسة فهي ليست من الأدوات التي تحدث القتل أو تستعمل في إحداثه.
وشحذها يؤخذ منه أن المتهم كان يريد أن تكون أكثر تأثيراً وقوّة عند ضرب المجني عليه
إذ ثبت من معاينة اللبيسة أنها سوداء اللون وطرفها الأعلى مبيض بسبب شحذها نوعاً ولم
تكن حادّة، وأن سبق الإصرار واضح من انتظار المتهم المجني عليه ليلاً وفي الطريق التي
اعتاد أن يسلكها للتوجه لمنزله، ومهاجمته والاعتداء عليه بالضرب دون أن يبدو منه ما
يحمله على التعدّي، هذا فضلاً عن الضغينة التي يحملها المتهم للمجني عليه والسابق ورودها
على لسان هذا الأخير، وأنه مما تقدّم يكون قد ثبت للمحكمة أن المتهم ضرب المجني عليه
فأحدث برأسه إصابة نشأت عنها عاهة مستديمة وهي المبينة بالكشف الطبي وذلك مع سبق الإصرار،
وعقابه ينطبق على المادة 240/ 2 من قانون العقوبات".
وحيث إنه يتضح مما تقدّم أن كل ما يثيره الطاعن بأوجه الطعن المقدّمة منه لا أساس له:
(أوّلاً) لأن الدعوى العمومية كانت مرفوعة عليه أمام المحكمة بوصف أن الضرب وقع منه
على المجني عليه مع إصرار سابق. فإذا ما أدين على هذا الأساس فليس له أن يعيب على المحكمة
أنها اعتمدت في حكمها على توافر ظرف سبق الإصرار بدعوى أن النيابة العمومية لم تتمسك
في الجلسة أمامها بقيام هذا الظرف. وذلك لأن المحكمة إنما تفصل في الدعوى على أساس
الوصف المقدّم به المتهم للمحاكمة أمامها والمواد المطلوب محاكمته بمقتضاها على الجريمة
المبينة بهذا الوصف الذي تجرى عليه المرافعة في جلسة المحاكمة. وإذن فلا يصح بحال أن
ينسب للمحكمة أنها تجاوزت سلطتها إذا هي أقرّته وأخذت به ولو كان ذلك منها مخالفاً
للطلبات التي تبدى من الخصوم في الجلسة. (وثانياً) لأنه وإن كان حقاً أن جناية الضرب
المفضي إلى العاهة تتطلب لتوافرها أن يكون الجاني قد تعمد بفعلته إيلام المجني عليه
في جسمه إلا أنه لا يشترط لصحة الحكم بالإدانة فيها ما يشترط في الجرائم التي يكون
ركن العمد فيها قوامه نية إجرام خاصة كالقتل العمد الذي يجب فيه أن يتعمد الجاني إزهاق
روح المجني عليه لا مجرّد إيقاع الأذى به، الأمر الذي يقتضي من المحكمة أن تفرد لهذا
الركن في حكمها بحثاً صريحاً خاصاً به – لا يشترط ذلك بل يكفي أن يكون مستفاداً من
الحكم في جملته أن المحكمة عند قضائها في الدعوى قد اقتنعت بأن المتهم قصد بفعل الضرب
الذي وقع منه إيذاء المجني عليه. وإذ كان الحكم المطعون فيه من هذه الناحية لا شك في
دلالته فلا محل إذن لما يثيره الطاعن حول ذلك. (وثالثاً) لأن الحكم المطعون فيه قد
عنى ببحث ما ادعاه الطاعن من أن إصابة المجني عليه إنما حصلت من السقوط على الأرض،
وانتهى إلى عدم الأخذ به استناداً إلى أدلة الثبوت التي أوردها. فإذا كان الطاعن يرمي
بطعنه إلى مناقشة هذه الأدلة فإن ذلك لا يقبل منه لتعلقه بالموضوع الذي لا شأن لمحكمة
النقض به.
