الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 13 سنة 11 ق – جلسة 02 /12 /1940 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 290

جلسة 2 ديسمبر سنة 1940

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك المستشارين.


القضية رقم 13 سنة 11 القضائية

قوّة الشيء المحكوم فيه. العبرة في ذلك بمنطوق الأحكام. الاعتداد بالأسباب. حكم من محكمة الجنح بعدم الاختصاص لأن الواقعة جناية. تقديم القضية إلى قاضي الإحالة بتهمة ضربه المجني عليه بسكين في وجهه مما نشأ عنه عاهة بالعين. أمره باعتبار الواقعة جنحة بالمادة 242/ 1. تحدّثه في أسباب هذا الأمر عن إصابة العين. تشككه في صحة نسبتها إلى المتهم. عدم إشارته في منطوق الأمر إلى ذلك. تقريره في منطوق الأمر باعتبار الواقعة بشقيها (إصابة الرأس وإصابة العين) جنحة. إصدار الأمر على هذه الصورة. خطأ. وجوب إحالة المتهم على محكمة الجنايات لمحاكمته بطريق الخيرة بين الجناية والجنحة. طعن النيابة في هذا الأمر. لا اعتداد عند نظره بما ورد في أسبابه غير متعلق بالمنطوق.
العبرة فيما تقضي به الأحكام والأوامر هي بما ينطق به القاضي في وجه الخصوم بمجلس القضاء عقب نظر الدعوى. ولذلك يجب ألا يعوّل على الأسباب التي يدوّنها القاضي في الحكم أو الأمر الذي يصدره إلا بقدر ما تكون هذه الأسباب موضحة للمنطوق ومدعمة له، لأن حقوق الخصوم إنما تتعلق بهذا المنطوق ولا تتحدّد إلا به هو دون غيره، فلا يمكن قانوناً أن تتأثر بشيء مما قد يدوّنه القاضي في الحكم أو في الأمر بعد نطقه بما انتهى إليه في النزاع الذي كان مطروحاً عليه، إذ يكون حقه في الفصل في الدعوى قد انتهى. فإذا كانت الدعوى العمومية قد رفعت على المتهم أمام المحكمة المركزية بتهمة أنه ضرب المجني عليه وأحدث به الإصابات الموضحة في المحضر، وقضت المحكمة بعدم اختصاصها لما ثبت لها من أن الحادثة جناية لتخلف عاهة بعين المجني عليه عن إحدى إصاباته، ثم قدّمت القضية لقاضي الإحالة بتهمة أنه "أحدث بالمجني عليه المذكور الإصابات الموضحة بالتقرير الطبي الشرعي بأن ضربه بسكين في وجهه مما نشأ عنه عاهة مستديمة بالعين" فأصدر قاضي الإحالة فيها أمراً باعتبار الواقعة جنحة بالمادة 242/ 1 عقوبات وإعادة القضية للنيابة للتصرف فيها على هذا الاعتبار، ومع أنه تحدّث في أسباب هذا الأمر عن إصابة العين، وبيّن أوجه الشك في صحة نسبتها إلى المتهم، فإنه لم يقرر في منطوق الأمر الذي أصدره أن لا وجه لإقامة الدعوى على المتهم بالنسبة لإصابة العين، بل جاء هذا الأمر صريحاً في منطوقه باعتبار الواقعة المقدّمة بشقيها – أي الإصابة التي شوهدت بالرأس والإصابة التي شوهدت بالعين – جنحة لا جناية، فإنه عند الفصل في الطعن المرفوع من النيابة عن هذا الأمر لا يعتد بما جاء بهذه الأسباب مع صراحة ما ورد في المنطوق. وبذلك يعتبر القاضي مخطئاً في إصدار الأمر على هذه الصورة، إذ ما دام هو لم يقرر بأن لا وجه لإقامة الدعوى بالنسبة لإصابة العين كان الواجب عليه قانوناً، مع صدور الحكم من محكمة الجنح بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لأنها جناية، أن يصدر أمره بالإحالة إلى محكمة الجنايات لمحاكمة المتهم إما على أساس وقوع جناية منه، كما رأت محكمة الجنح، وإما على أساس الخيرة بين الجناية وبين ما ارتآه هو من أن ما وقع من المتهم ليس إلا جنحة أو مخالفة.


المحكمة

وحيث إن مبنى الطعن المرفوع من النيابة العمومية أن قاضي الإحالة ليس له وقد صدر الحكم من محكمة الجنح بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لأن الواقعة جناية أن يقرر باعتبار الواقعة جنحة وبإعادة الأوراق للنيابة، بل كان متعيناً عليه قانوناً أن يأمر بإحالتها إلى محكمة الجنايات ولو بطريق الخيرة بين الجناية والجنحة لأن هذه المحكمة هي وحدها التي تملك في هذه الحالة إعطاء الواقعة وصفها الصحيح.
وحيث إنه يبين من الحكم الصادر في الدعوى بعدم اختصاص المحكمة المركزية بنظرها ومن أمر الإحالة المطعون فيه أن الدعوى العمومية رفعت على المتهم أمام المحكمة المركزية بتهمة "أنه ضرب زوج والدته مصطفى علي عيسى وأحدث به الإصابات الموضحة في المحضر وتقرّر له علاج مدة أقل من عشرين يوماً وتحوّل المستشفى للعلاج". والمحكمة قضت بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لما قالته من أنه ثبت من إفادة المستشفى أن المجني عليه فقد عينه اليسرى، وبذلك تكون الحادثة جناية وتكون المحكمة غير مختصة بنظرها. ثم قدّمت القضية لقاضي الإحالة من النيابة لإحالة المتهم إلى محكمة الجنايات بتهمة أنه: أحدث بمصطفى علي عيسى الإصابات الموضحة بالتقرير الطبي الشرعي بأن ضربه بسكين في وجهه مما نشأ عنه عاهة مستديمة يستحيل برؤها وهي فقد تام تقريباً لإبصار العين اليسرى فأصدر قاضي الإحالة فيها أمراً باعتبار الواقعة جنحة بالمادة 242/ 1 من قانون العقوبات وإعادة القضية للنيابة للتصرف فيها على هذا الاعتبار". وذكر في أسباب هذا الأمر "وحيث إن المجني عليه ادعى في محضر تحقيق البوليس المحرّر بتاريخ 11 فبراير سنة 1939 أن المتهم طعنه بسكين في رأسه واتصلت الضربة بعينه اليسرى، وذكر في محضر تحقيق البوليس المحرّر بتاريخ 5 مارس سنة 1939 أن المتهم ضربه بسكين في عقله وقطع عرق النظر. ثم عاد وقرّر في تحقيق النيابة بأن المتهم طعنه بسكين في رأسه طعنة واحدة وذلك بحضور أم السعد عبد الرحمن محمد والدة المتهم وفاطمة إبراهيم زوجته. وحيث إن أم السعد عبد الرحمن محمد وفاطمة إبراهيم أجمعتا على أن المجني عليه التقط حلقاً لأم السعد وجرى فلحقته وأمسكت بقدمه فوقع على الأرض فاصطدم رأسه برخام كان ملقى بحوش المنزل وأصيب. وحيث إن المعاينة التي أجراها البوليس دلت على وجود كمية من قطع الرخام المصقول بالصالة الكائنة بخارج الغرفتين سكن المتهم ووالدته بعضها سليم والبعض الآخر مكسور، ولاحظ المحقق أن لكل من هذه القطع حرفاً مدبباً ومثلث الشكل، وشاهد بإحداها بقعاً دموية من الطرف وعلى أحد جوانبها. وحيث إنه بالرجوع إلى الكشف الطبي يبين أن المجني عليه مصاب بجرح قطعي بفروة الرأس وكدم شديد بجسم العين اليسرى. وجاء بتقرير أخصائي العيون بالمستشفى الأميري تخلف عاهة مستديمة لدى المجني عليه بهذه العين، وحيث إنه بعرض المجني عليه على حضرة الطبيب الشرعي قرر حضرته أنه من المستبعد حدوث إصابة العين اليسرى من نفس ضربة السكين التي أحدثت جرح المنطقة الصدغية أو حتى من ضربة أخرى مستقلة بجسم مثل السكين، كما استبعد حصول جرح المنطقة الصدغية اليسرى لفروة الرأس من المصادمة من قطعة رخام مدببة، بل إنه حدث من المصادمة بجسم صلب قاطع كسكين أو مطواة أو ما أشبه. وحيث إنه لذلك يكون المتهم قد أحدث بالمجني عليه جرحاً قطعياً بفروة الرأس عولج من أجله مدة أقل من عشرين يوماً، الأمر الذي تنطبق عليه المادة 242/ 1 عقوبات".
وحيث إن نص الأمر المطعون فيه في منطوقه باعتبار الواقعة جنحة يدل بذاته على أن قاضي الإحالة الذي أصدره قد رأى أن الواقعة التي قدّمت إليه والتي اتهم المتهم بمفارقتها إنما تكوّن في مجموعها وبكل العناصر الداخلة فيها جنحة لا جناية. ولما كانت العبرة فيما تقضي به الأحكام والأوامر القضائية هي بما ينطق به القاضي في وجه الخصوم بمجلس القضاء عقب نظر الدعوى، وجب أن لا يعوّل على الأسباب التي يدوّنها القاضي في الحكم أو الأمر الذي يصدره إلا بقدر ما تكون هذه الأسباب موضحة ومدعمة للمنطوق، لأن حقوق الخصوم تتعلق بهذا المنطوق وتتحدّد به دون غيره. ولا يمكن قانوناً أن تتأثر بشيء مما قد يدوّنه القاضي في الحكم أو الأمر بعد أن نطق بما انتهى إليه في النزاع الذي كان مطروحاً عليه، وبعد أن يكون حقه في الفصل في الدعوى قد انتهى.
وحيث إنه متى تقرّر ذلك تكون النيابة إذ عوّلت في طعنها على منطوق الأمر المطعون فيه ولم تتقيد بشيء مما جاء في أسبابه خاصاً بإصابة العين التي تخلفت فيها العاهة تكون على حق، لأن هذه الأسباب وإن تحدّث القاضي فيها عن إصابة العين وبيّن أوجه الشك في صحة نسبة وقوعها من المتهم لا أثر لها في منطوق أمر الإحالة ما دام القاضي لم يقرّر فيه بأن لا وجه لإقامة الدعوى على المتهم فيما يختص بإصابة العين بل صرح في منطوقه بأنه اعتبر الواقعة المقدّمة إليه بشقيها – أي الإصابة التي شوهدت بالرأس والإصابة التي شوهدت بالعين – جنحة لا جناية مما لا يكون معه محل للاعتداد بهذه الأسباب مع المنطوق عند الفصل في الطعن المرفوع عن الأمر كما صدر.
وحيث إنه لما تقدّم يكون قاضي الإحالة قد أخطأ في الأمر الصادر منه إذ كان الواجب عليه قانوناً، بعد أن صدر الحكم من محكمة الجنح بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لأنها جناية، وبعد أن رأى أن هناك محلاً لمعاقبة المتهم عن الواقعة المنسوبة إليه، أن يصدر أمره بالإحالة إلى محكمة الجنايات لمحاكمة المتهم سواء على أساس وقوع جناية منه كما رأت محكمة الجنح أو على هذا الأساس بطريق الخيرة مع ما يكون هو قد ارتآه من أن ما وقع من المتهم لم يكن سوى جنحة أو مخالفة. فلذلك، وبما أن قاضي الإحالة قد رأى كما مر القول أن ما وقع من المتهم يعتبر جنحة يجب نقض الأمر المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى قاضي الإحالة ليصدر أمره بإحالتها إلى محكمة الجنايات بطريق الخيرة بين الجناية والجنحة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات