الطعن رقم 1454 سنة 10 ق – جلسة 21 /10 /1940
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 251
جلسة 21 أكتوبر سنة 1940
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك المستشارين.
القضية رقم 1454 سنة 10 القضائية
( أ ) عقوبة. ظروف مخففة. تطبيق المادة 17 ع. وجوب توقيع العقوبة
الواردة في هذه المادة باعتبارها حالة بنص القانون محل العقوبة الأصلية. متهم في جناية
اختلاس. معاملته بالمادة 17. توقيع عقوبة السجن عليه. خطأ. لمحكمة النقض أن تحكم عليه
بالحبس الذي لا تنقص مدّته عن ثلاثة شهور.
(ب) سرقة. اختلاس. ظرف مغلق. حقيبة مقفلة. تسليمهما بموجب عقد من عقود الائتمان. اختلاس
ما فيهما. يصح اعتباره سرقة.
1 – إن نص المادة 17 من قانون العقوبات وإن كان يجعل النزول بالعقوبة المقرّرة للجريمة
إلى العقوبة التي أباح هذا النص النزول إليها جوازياً إلا أنه يتعين على المحكمة، إذا
ما رأت أخذ المتهم بالرأفة ومعاملته طبقاً للمادة 17 المذكورة، ألا توقع العقوبة إلا
على الأساس الوارد في هذه المادة باعتبار أنها حلّت بنص القانون محل العقوبة المنصوص
عليها فيه للجريمة. فإذا أدانت المحكمة المتهم في جناية الاختلاس، وذكرت في حكمها أنها
رأت معاملته طبقاً للمادة 17 ع، ومع ذلك أوقعت عليه عقوبة السجن المقرّرة لهذه الجناية
بالمادة 112 من قانون العقوبات، فإنها تكون قد أخطأت، إذ كان عليها أن تنزل – تطبيقاً
للمادة 17 ع – بعقوبة السجن إلى الحبس الذي لا يجوز أن تنقص مدّته عن ثلاثة شهور. ولمحكمة
النقض في هذه الصورة أن تصلح هذا الخطأ وتحكم بعقوبة الحبس المدة التي تقدّرها.
2 – إن تسليم الظرف مغلقاً أو الحقيبة مقفلة بموجب عقد من عقود الائتمان لا يدل بذاته
حتماً على أن المتسلم قد اؤتمن على ذات المظروف أو على ما بداخل الحقيبة بالذات، لأن
تغليق الظرف وما يقتضيه من حظر استفتاحه على المتسلم، أو إقفال الحقيبة مع الاحتفاظ
بمفتاحها، قد يستفاد منه أن صاحبهما، إذ حال مادياً بين يد المتسلم وبين ما فيهما،
لم يشأ أن يأتمنه على ما بداخلهما.
وإذن فاختلاس المظروف بعد فض الظرف لهذا الغرض ثم إعادة تغليقه يصح اعتباره سرقة إذا
رأت المحكمة من وقائع الدعوى أن المتهم لم يؤتمن على المظروف وأن صاحبه إنما احتفظ
لنفسه بحيازته ولم يشأ بتغليفه الظرف أن يمكّنه من هذه الحيازة.
المحكمة
وحيث إن مبنى الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن المحكمة أخطأت في تطبيق
القانون على واقعة الدعوى، لأنها ذكرت في حكمها أنها تأخذ المتهم بالرأفة طبقاً للمادة
17 من قانون العقوبات ثم أوقعت عليه عقوبة السجن مع أنه كان من المتعين عليها في هذه
الحالة أن تحكم بعقوبة الحبس. ذلك لأن العقوبة المقررة لجناية الاختلاس التي هي أشدّ
الجرائم التي أثبت الحكم وقوعها من المتهم هي السجن، وأن هذه العقوبة عند تقرير استحقاق
المحكوم عليه لأن يعامل بالمادة 17 المذكورة يجب حتماً كصريح نص القانون أن ينزل بها
إلى الحبس الذي لا يجوز أن تنقص مدّته عن ثلاثة شهور.
وحيث إن مؤدى الوجه الثاني أن الواقعة الثابتة بالحكم لا عقاب عليها. وفي بيان ذلك
يقول الطاعن إنه عوقب على اعتبار أنه مختلس لمبلغ 695 مليماً بناءً على مجرّد القول
بأنه باع طوابع بريد بهذا المبلغ، مع أن جريمة الاختلاس لا تتم قانوناً إلا إذا ثبت
أن المتهم بارتكابها أضاف المال إلى ملكه وتصرف فيه. وهذا ما لم يقل به الحكم الذي
لم ينفِ دفاع الطاعن المؤيد بالوقائع الثابتة في الدعوى من أنه كان يعتزم إبدال المبلغ
بطوابع أخرى من العامل المختص في صياح اليوم التالي. صحيح أن الحكم لم يأخذ بقول الطاعن
من عدم وجود عجز في عهدته لما ذكره من أن الجنيه المضبوط الذي قيل بأنه يكمل العجز
ثبت أنه أرسل من بريد أسيوط، وقد سرقه الطاعن من الخطاب المستعجل بعد أن تسلم له، ولكن
ذلك معناه أن المحكمة رأت أن مجرّد وجود العجز يكفي في ثبوت الجريمة. وهذا القول يخالف
المتفق عليه فقهاً وقضاءً من أن الاختلاس لا يثبت بمجرّد التأخير عن رد الشيء المختلس
وإنما يثبت بالامتناع عن رده بعد المطالبة به. وما دام الطاعن لم يكلف برد ثمن الطوابع.
ولم تجرد عهدته، فلا يمكن القول بوقوع اختلاس منه. وأما عن تهمة السرقة فقد ذكر الحكم
أن الطاعن سرق الجنيه من الخطاب بعد أن تسلم له. فالتسليم إذن وقع اختياراً، وذلك يمنع
من قيام الاختلاس وينفي بالتالي جريمة السرقة. ولا يردّ على ذلك بأن للتسليم وقع أصلاً
على الخطاب الذي كان للطاعن يجهل محتوياته لأن المرسل قد أخرج الخطاب بمحتوياته من
حيازته المادية بتسليمه لمصلحة البريد التي يعمل الطاعن فيها.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على الطاعن بأنه: (أوّلاً) بصفته أميناً على الودائع
اختلس ورقة بنكنوت من فئة الجنيه من خطاب مرسل بالبريد المستعجل سلم إليه بسبب وظيفته
لوضعه في رسالة البريد المرسلة إلى القاهرة ففض مظروف الخطاب واستولى منه على ورقة
البنكنوت سالفة الذكر. (وثانياً) بصفته أميناً على الودائع ومندوباً للتحصيل اختلس
مبلغ 695 مليماً من قيمة طوابع البريد المسلمة إليه بسبب وظيفته والتي كان يستولي على
قيمتها من الجمهور عند بيع هذه الطوابع له. وطلب عقابه بالمادة 112 من قانون العقوبات.
والمحكمة أثناء نظر الدعوى لفتت الدفاع للمرافعة على أساس أن اختلاس الجنيه يعتبر سرقة
منطبقة على المادة 317 من قانون العقوبات. ثم أدانت الطاعن في جناية اختلاس مبلغ الـ
695 مليماً المنطبقة على المادة 112 عقوبات وفي جنحة سرقة ورقة البنكنوت المنطبقة على
المادة 317 عقوبات. وذكرت أن أخذ المتهم وهو موظف بمصلحة البريد لهذه الورقة من أحد
الخطابات التي كانت تمرّ عليه في عمله يكوّن جريمة السرقة لا جريمة الاختلاس، لأنه
لم يتسلم هذه الورقة على وجه من الوجوه المبينة في المادة 341 من قانون العقوبات. ثم
اعتبرت الجريمتين مرتبطتين ببعضهما ارتباطاً لا يقبل التجزئة، وأنهما ارتكبتا لغرض
واحد، وأوقعت على الطاعن عقوبة السجن لمدّة ثلاث سنين على أساس أنها المقرّرة للجريمة
الأشدّ طبقاً للمادة 32 من القانون المذكور، وذلك بعد أن ذكرت أنها "ترى أخذ المتهم
بالرأفة طبقاً للمادة 17 من القانون المذكور بسبب حالته وظروف الدعوى".
وحيث إن نص المادة 17 من قانون العقوبات وإن كان يخوّل القاضي النزول بالعقوبة المقرّرة
للجريمة إلى العقوبة التي أجاز هذا النص النزول إليها، إلا أنه متى رأت المحكمة أخذ
المتهم بالرأفة ونصت في حكمها على أن ذلك يقتضي منها تطبيق المادة 17 المذكورة يكون
من المتعين عليها أن لا توقع على المتهم سوى العقوبة الواردة في هذا المادة على أساس
حلت بحكم القانون محل العقوبة الأصلية.
وحيث إنه متى تقرّر ذلك، وكانت عقوبة السجن هي المقرّرة بالمادة 112 من قانون العقوبات
لجناية الاختلاس التي رأت المحكمة توقيع عقوبتها على المتهم، فإن المحكمة تكون قد أخطأت
إذا أوقعت عقوبة السجن على الطاعن بعد أن رأت أخذه بالرأفة وبعد أن قضت بأنها تعامله
بالمادة 17 من قانون العقوبات. وكان يجب عليها والحالة هذه أن تنزل – وفقاً للمادة
17 – بعقوبة السجن إلى الحبس الذي لا يجوز أن تنقص مدّته عن ثلاثة شهور. ولذا يتعين
إصلاح هذا الخطأ بإلغاء الحكم المطعون فيه بالنسبة لعقوبة السجن فقط والحكم على الطاعن
بالحبس لمدّة ترى هذه المحكمة تقديرها بسنة واحدة مع بقاء الحكم على أصله فيما عدا
ذلك.
وحيث إن تسليم الظرف المغلق أو الحقيبة المقفلة بموجب عقد من عقود الائتمان لا يدل
بذاته على أن المستلم قد اؤتمن حتماً على المظروف أو على ما بداخل الحقيبة من أمتعة
كما اؤتمن على ذات الظرف أو الحقيبة. لأن غلق الخطاب وما يستتبعه من تحريم فتحه على
المستلم، وغلق الحقيبة مع الاحتفاظ بمفتاحها، قد يكون المقصود به أن صاحب الخطاب أو
الحقيبة لم يشأ أن يأتمن المستلم على ما بداخلهما أو أن تصل يده إليه.
وحيث إنه ينبني على ذلك أن لمحكمة الموضوع أن تعتبر اختلاس المظروف بعد فض الظروف المسلم
ثم إعادة غلقه مكوّناً لجريمة سرقة إذا ما اقتنعت من وقائع الدعوى وأدلتها، ولا سيما
واقعة تسليم الخطاب مغلقاً، بأن المتهم لم يؤتمن على المظروف، وأن صاحبه إنما احتفظ
بالحيازة ولم يشأ أن يمكّن المتهم منها بإقامته ذلك الحائل المادي بينه وبينها.
وحيث إنه يبين مما تقدّم أن لا محل لما يزعمه الطاعن في الوجه الثاني من طعنه من خطأ
المحكمة في اعتبارها واقعة اختلاس ورقة البنكنوت من داخل الخطاب بعد فتحه سرقة، لأنها
استخلصت من وقائع الدعوى – كما مر القول – أن ورقة البنكنوت لم تسلم للمتهم تسليماً
يمتنع معه القول بأن اختلاسه إياها يعد سرقة.
