الطعن رقم 981 سنة 10 ق – جلسة 22 /04 /1940
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 184
جلسة 22 إبريل سنة 1940
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك وحسن زكي محمد بك المستشارين.
القضية رقم 981 سنة 10 القضائية
مسئولية مدنية. مسئولية السيد عن أعمال خادمه. مناطها. وقوع الفعل من التابع في أثناء تأدية وظيفته. مسئولية السيد على الإطلاق. وقوع الفعل من التابع في غير وقت تأدية وظيفته. شرط قيام المسئولية في هذه الصورة وأساسها. فرّاش بمدرسة. ترصده عند باب المدرسة لناظرها واغتياله. مسئولية وزارة المعارف عن تعويض هذا الضرر.
(المادة 152 مدني)
إن القانون إذ نص في المادة 152 من القانون المدني على إلزام السيد بتعويض الضرر الناشئ للغير عن أفعال خدمه متى كان واقعاً منهم في حال تأدية وظائفهم إنما قصد بهذا النص المطلق أن يحمل المخدوم المسئولية المدنية عن الضرر الناتج عن كل فعل غير مشروع يقع من تابعه. وذلك على الإطلاق إذا كان الفعل قد وقع في أثناء تأدية الوظيفة، بغض النظر عما إذا كان قد ارتكب لمصلحة التابع خاصة أو لمصلحة المخدوم وعما إذا كانت البواعث التي دفعت إليه لا علاقة لها بالوظيفة أو متصلة بها. وأما إذا كان الفعل لم يقع من التابع وقت تأدية وظيفته بالذات ففي هذه الحالة تقوم المسئولية كلما كانت الوظيفة هي التي ساعدت على إتيان الفعل الضار وهيأت للتابع بأية طريقة كانت فرصة ارتكابه، لأن المخدوم يجب أن يسأل في هذه الحالة على أساس إساءة الخدم استعمال شئون الخدمة التي عهد هو بها إليهم متكفلاً بما افترضه القانون في حقه من وجوب مراقبتهم وملاحظتهم في كل ما تعلق بها. فإذا ترصد المتهم عند باب المدرسة التي يشتغل بها فرّاشاً مع زملائه الفرّاشين فيها حتى موعد انصراف المجني عليه منها (وهو مدرّس منتدب للقيام بأعمال نظارة المدرسة) وتمكن منه في هذه الفرصة، واغتاله في هذا المكان وهو يتظاهر بأنه إنما يقترب منه لكي يفتح له – باعتباره رئيساً عليه – باب السيارة التي كانت في انتظاره، فذلك يبرر قانوناً إلزام الوزارة بتعويض الضرر الذي وقع على المجني عليه من خادمها المتهم. وإذا كان هذا المتهم قبيل الحادثة قد امتنع على إثر الإجراءات التي اتخذها المجني عليه معه عن إمضاء كشف الخدمة، وصارح رئيس الفرّاشين وحده بأن المجني عليه أهانه وبأنه في غنى عن العمل بالمدرسة ولا يهتم بالشغل فيها. فإن ذلك لا يجعل المتهم وقت مفارقته فعلته متجرّداً عن وظيفته ومقطوع الصلة فعلاً بمخدومه.
المحكمة
وحيث إن هذين الطاعنين ينعيان بأوجه الطعن المقدّمة منهما على الحكم
المطعون فيه أنه أخطأ إذ قضى برفض دعواهما المدنية قبل وزارة المعارف، ووجه الخطأ أنه
أورد ما يفهم منه أن المتهم وقت ارتكابه الجريمة كان مجرّداً عن صفة الخدمة التي تربطه
بوزارة المعارف مع أن انعدام هذه الصلة لا يأتي إلا بالاستقالة أو الرفت، وشيء من هذا
لم يحصل. أما امتناع المتهم عن التوقيع على الكشف بما يفيد علمه بدوره في المبيت بالمدرسة
فإن هذا لا يعدو أن يكون رفضاً لتنفيذ أمر صدر إليه ولا يمكن أن يكون استقالة. هذا
من جهة، ومن جهة أخرى فقد اشترط الحكم لمسئولية الوزارة أن يكون الحادث المستوجب للتعويض
داخلاً في طبيعة عمل المستخدم عندها، وأن يكون قد ارتكبه بصفته مستخدماً. والحكم بهذا
يخلط بين مسئوليتين: أولاهما عن فعل غير متعمد، وثانيتهما عن فعل متعمد. والمنطق يساعد
على الأخذ بهذا النظر في الأولى فقط دون الثانية. على أن الارتباط بين الفعل الضار
الذي وقع من المتهم والوظيفة مستفاد من وقائع الدعوى كما رواها الحكم وهي أن المجني
عليه بحكم وظيفته أصدر أمراً للمتهم الخادم فعصى تنفيذ هذا الأمر ثم خشي عواقب عصيانه
فارتكب جريمته. ولا يتصوّر في الواقع أن يرتكب الخادم جريمة عمدية تكون مرتبطة بوظيفته.
ولو صح ذلك لوجب أن لا يحاسب السيد على جريمة خادم إلا إذا ارتكبها وهو يحمل ثياب الخدمة
أو ارتكبها بنفس الأدوات المسلمة إليه لتأدية وظيفته وهذا تصوير غير مقبول. والمادة
152 من القانون المدني لا تشترط وجود صلة بين الحادث وبين طبيعة العمل الذي يؤدّيه
الخادم، كما أن مسئولية السيد فيها مفترضة افتراضاً. فيكفي أن يرتكب الخادم خطأ أثناء
تأدية عمله سواء أكان هذا الخطأ صادراً عن مجرّد الرغبة في أداء خدمة للسيد أم عن باعث
شخصي. ويضيف الطاعنان إلى ذلك أن المحكمة استندت في قضائها برفض الدعوى إلى أن الحادثة
قد ارتكبت في الشارع خارج المدرسة، وأنه كان في مقدور كل مجرم أن يرتكبها ولو لم يكن
موظفاً بالمدرسة. وهذا القول منها لا يتفق مع القانون ولا مع الوقائع الثابتة في الحكم
من أن المجني عليه بصفته ناظراً بالنيابة قد لاحظ على المتهم بحق بعض مخالفات وقعت
منه فصمم المتهم على قتله انتقاماً منه. فلو لم يكن المتهم موظفاً لما أمكن تصوّر وقوع
الجريمة ولا قيام المجني عليه بأي تصرف من هذه التصرفات الحكومية مع المتهم. فالقانون
يحمل السيد في هذه الصورة المسئولية عن عمل خادمه ما دامت الوظيفة هي التي مكنت الخادم
من ارتكاب الحادثة وهيأت له سبيل ذلك ولو وقعت الجريمة في غير وقت الخدمة. فلا يهم
إذن أن تحصل الجريمة خارج المدرسة ما دام المتهم قد أقدم على ارتكابها ضدّ رئيسه بسبب
الوظيفة التي كان يشغلها. وينتهي الطاعنان من ذلك إلى القول بأن ما ذهبت إليه المحكمة
من هذا كان أساسه تطبيق القانون تطبيقاً خاطئاً وفهمه على غير حقيقته مما يعيب الحكم
بما يستوجب نقضه.
وحيث إن القانون إذ نص في المادة 152 مدني على إلزام السيد بتعويض الضرر الناشئ للغير
عن أفعال خدمه متى كان واقعاً منهم في حال تأدية وظائفهم إنما قصد بهذا النص المطلق
أن يحمل المخدوم المسئولية المدنية عن الضرر الناتج عن كل فعل غير مشروع يقع من تابعه.
وذلك على الإطلاق إذا كان الفعل قد وقع في أثناء تأدية الوظيفة بغض النظر عما إذا كان
قد ارتكب لمصلحة التابع خاصة أو لمصلحة المخدوم وعما إذا كانت البواعث التي دفعت إليه
لا علاقة لها بالوظيفة أو متصلة بها. وأما إذا كان الفعل لم يقع من التابع وقت تأدية
وظيفته بالذات ففي هذه الحالة تقوم المسئولية كلما كانت الوظيفة هي التي ساعدت على
إتيان الفعل الضار وهيأت للتابع بأية طريقة كانت فرصة ارتكابه. لأن المخدوم يجب أن
يسأل في هذه الحالة على أساس إساءة الخدم استعمال الشؤون التي عهد هو بها إليهم متكفلاً
بما افترضه القانون في حقه من وجوب مراقبتهم وملاحظتهم في كل ما تعلق بها.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أدان المتهم في جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد
التي أقيمت بها الدعوى العمومية عليه، وقضى عليه بالعقوبة وبأن يدفع للمدّعيين بالحق
المدني مبلغ 1000 جنيه على سبيل التعويض وجميع المصاريف و500 قرش مقابل أتعاب المحاماة
مع رفض الدعوى المدنية المرفوعة من المدّعيين بالحق المدني قبل وزارة المعارف. وقد
بين الحكم واقعة الدعوى كما حصلتها المحكمة من التحقيقات التي أجريت فيها فقال: "إن
محمد عبد الله مهيب أفندي المدرّس بمدرسة التجارة بالإسكندرية ندب للقيام بأعمال ناظر
المدرسة لمدّة خمسة عشر يوماً أثناء العطلة المدرسية ابتداءً من يوم الأربعاء 16 أغسطس
سنة 1939 ووصل إلى علمه من بعض خدمة المدرسة أن محمد فارس طلبة (الطاعن) الفرّاش بها
والمنوط به العمل كساع لإحضار البوستة يتجر بالبطيخ على عربة يد تحتل مكاناً بالشارع
أمام باب المدرسة، فأحضره إلى مكتبه يوم 17 أغسطس سنة 1939 وسأله في ذلك فأنكر ملكيته
للبطيخ، فأغلظ له القول وخاطب نقطة بوليس محرّم بك وطلب من الجاويش عبد الحي عسكر أن
يتصرف في أمر هذا البطيخ، فوعده بإرسال أحد العساكر لإحضار العربة واتخاذ الإجراءات.
ومضى نحو النصف ساعة بعد هذه المحادثة، ولم يرسل الجاويش أحداً، فأعاد مهيب أفندي الكرة
وحادث الجاويش تليفونياً طالباً مصادرة البطيخ لأنه ملك للمتهم الفرّاش بالمدرسة والمحرّم
عليه بحكم وظيفته التجارة، وعند ذلك حضر للنقطة العسكري محمود حسن صالح فكلفه الجاويش
بالقيام إلى المدرسة وضبط بائع البطيخ إن كان لا يحمل رخصة بائع سريح لتحرير محضر مخالفة
ضدّه أو منعه من المزاحمة بعربته إن كان لديه رخصة. وكان المتهم في هذا الوقت قد أوعز
لأحد معارفه أحمد حسن المصري بأن يقف على عربة البطيخ مدعياً ملكيته له، فلما حضر العسكري
إلى المدرسة وجد عربة البطيخ وبجوارها أحمد حسن المصري فساقه إلى نقطة البوليس، وهناك
حرر عبد الحي عسكر محضر مخالفة لأحمد حسن المصري لممارسة مهنة بائع سريح بدون رخصة.
وأثناء تحرير المحضر حضر للنقطة مهيب أفندي ومعه محمد فارس طلبة المتهم فسأل المحقق
هذا الأخير فأنكر ملكيته البطيخ وقال بأن أحمد حسن المصري يسكن عنده. ووقفت إجراءات
البوليس عند هذا الحدّ، وقيدت المخالفة ضدّ أحمد حسن المصري. وعند انصراف المجني عليه
من النقطة قال بأنه سيخطر وزارة المعارف لاتخاذ الإجراءات الإدارية ضدّ الفرّاش. وفي
يوم السبت 19 أغسطس سنة 1939 استدعى مهيب أفندي السيد عبد الله من فرّاشي المدرسة وندبه
لاستحضار البوستة بدلاً من المتهم وسلمه خطاباً لمكتب بريد محرّم بك لاعتماد ذلك، وأمر
المتهم بالكف عن إحضار البوستة. وفي يوم 20 أغسطس سنة 1939 لم يحضر مهيب أفندي إلى
المدرسة فذهب السيد عبد الله يحمل خطاب ندبه إلى البوستة، وتقدّم المتهم إلى نصر أفندي
الخولي ضابط المدرسة متظلماً من اضطهاده وحرمانه من وظيفة ساعي بريد المدرسة وهي الوظيفة
التي يرى فيها هو وأمثاله مزايا عديدة، فلم يحترم نصر أفندي أمر ناظر المدرسة بالنيابة
ولم يعبأ به وخاطب مكتب البريد تليفونياً لتسليم البوستة لمحمد فارس، وأرسل أحمد تمراز
الفرّاش لاستدعاء السيد عبد الله وتم لمحمد فارس ما أراد، ولما عاد سلمه خطاب ندبه
فمزقه. وفي يوم 21 أغسطس سنة 1939 الموافق 6 رجب سنة 1358 ذهب محمد فارس لمكتب البريد
في الصباح كعادته وتسلم بوستة المدرسة وقبل أن يعود بها كان المجني عليه قد حضر للمدرسة
في الساعة الثامنة ونصف صباحاً وعلم بتصرفات نصر أفندي وتحدّث إليه في الأمر متسائلاً
عن سبب عدم احترام أمره، فجابهه بأن تعليمات ناظر المدرسة الأسبق تقضي بعدم التغيير
والتعديل في أعمال الفرّاشين في أثناء غيابه، وأن ناظر المدرسة قد نقل وناظرها الجديد
سيحضر بعد ثلاثة أيام فيحسن ترك الأمر له ليتصرف فيه. فلم يقتنع المجني عليه بذلك واحتكم
في هذا الخلاف إلى مصطفى حسن أفندي ناظر مدرسة للتجارة المتوسطة بالظاهر بالقاهرة الذي
كان يمضي إجازته الصيفية بالإسكندرية في هذا الوقت على اعتبار أنه كان ناظراً لمدرسة
التجارة المتوسطة في سنة 1937 وهو الذي أصدر التعليمات التي يرتكن عليها نصر أفندي
في تبرير موقفه، واتصل به تليفونياً وقص عليه أمر الخلاف وذكر له في سياق الحديث أنه
إنما لجأ لهذا الإجراء في سبيل المصلحة العامة لأن المتهم لا تتوافر فيه صفة الأمانة
اللازمة كساعٍ للبريد لم يعلمه من سابقة اختلاسه لمبالغ لمدرّسي المدرسة، وأنه مما
أغضبه وجرح كرامته أن نصر أفندي الخولي قد مزق الخطاب المسلم منه للسيد عبد الله. وقد
رأى مصطفى أفندي حسن من هذا الحديث أن نصر أفندي مخطئ في تصرفه فرجاه أن يصارح نصر
أفندي الذي كان وقت هذه الحادثة بجانبه ففعل، فاعتذر نصر أفندي بمثل ما اعتذر به للمجني
عليه، فأجابه بأن مثل الإجراء الذي اتخذه المجني عليه لا يعتبر نقلاً أو تبديلاً بل
هو تنظيم داخلي تقتضيه مصلحة العمل، وطلب منه أن ينفذ أمر المجني عليه وتجنب أي مشادة
بينهما أمام فرّاشي المدرسة صوناً للكرامة بعد أن علم منه في سياق الحديث أن لديه ما
يحمله على الاعتقاد بأن المتهم غير أمين في عمله. وبدا من نصر أفندي أثناء الحديث ما
يشير ما أثاره تصرف المجني عليه من الشوشرة وتبليغ نقطة البوليس بشأن مسألة البطيخ.
وعند ذلك أمسك المجني عليه بسماعة التليفون وأفهم مصطفى أفندي حسن أن نصر أفندي يشوّه
الوقائع، وسرد له مسألة البطيخ على حقيقتها. ثم عاد مصطفى أفندي حسن للحديث مع نصر
أفندي ونصح له بتنفيذ أمر المجني عليه فراوغ واقترح تعيين فرّاش آخر خلاف السيد عبد
الله فأفهمه بأن الأمر يحب أن لا يكون موضع عناد. وبعد انتهاء المحادثة أصر المجني
عليه على موقفه وأذعن نصر أفندي واستدعى المتهم وشتمه مهدّداً، وأمره بأن يسلم ما بعهدته
للسيد عبد الله فسلمه الدرّاجة وشنطة البوستة وباقي ما بعهدته، واستردّ الكشف الذي
استلم العهدة بموجبه بحضور نصر أفندي وحسين معوّض رئيس الفرّاشين. وتم كل ذلك حوالي
الساعة العاشرة صباحاً. وكان من ترتيب الأعمال بالمدرسة أن يقوم المتهم بالمبيت بالمدرسة
(نوبتجية) ليلة 22 أغسطس سنة 1939. وجرى العمل على أن رئيس الفرّاشين يعرض كشف الترتيب
على من عليه الدور في المبيت للعلم، فعرضه على المتهم فامتنع عن الإمضاء مصارحاً رئيس
الفرّاشين بأن المجني عليه قد أهانه بقوله "ابن الكلب الحرامي مش لازم يشتغل في البوستة"
فنصحه بأن لا يترك ذلك أثراً في نفسه لأن المجني عليه وإن كان حاداً في طبعه فإنه طيب
القلب، وعرض عليه تغيير ميعاد مبيته في المدرسة ليوم آخر فلم يقبل وقال ضاحكاً بأنه
في غنى عن العمل بالمدرسة، وإنه لا يهتم بالشغل، ثم انصرفا بعد هذا الحديث. فذهب رئيس
الفرّاشين وجلس أمام غرفة الناظر، واتجه المتهم إلى حديقة المدرسة وتمشي بها قليلاً
وضاق صدره من أثر تصرفات المجني عليه معه وامتلأ قلبه بالحقد عليه، فلعبت عوامل الشر
في نفسه وأخذ يفكر في اغتياله والقضاء على حياته. ولما اختمرت الجريمة في نفسه ووطد
عزيمته على ارتكابها أحكم التدبير ورسم الخطة لأخذ المجني عليه غيلة وغدراً. فهو يعلم
أن في حوزته، والراجح في منزله، سكيناً حادة كبيرة كان أعدّها في ماضي الأيام لذبح
كباش عيد الأضحى، ويعلم أن المجني عليه لا ينصرف من عمله إلا بعد ساعات تمكنه من تنفيذ
ما رسمه من الخطة لقتله، وكما يعلم أن سيارة المجني عليه في انتظاره على الرصيف المقابل
لباب المدرسة فهو لا شك سيخرج من الباب ويخترق الشارع للدخول للسيارة. فجالس زملاءه
من الفرّاشين فترة من الزمن، ثم غافلهم قبل الظهر وانصرف إلى حيث لا يعرفون، وأحضر
السكين وأخفاها بين طيات ملابسه، وربض على كرسي أمام باب المدرسة في انتظار فريسته.
وكان وقت الانصراف من العمل قد حل فخرج المجني عليه من مكتبه وفي رفقته نصر أفندي الخولي
ومن خلفهما رئيس الفرّاشين حوالي الساعة الواحدة والنصف. ولما وصل إلى الباب اقتضت
مروءته أن يعرض على زميله نصر أفندي توصيله إلى منزله بالسيارة فاعتذر بقرب منزله وتبادلا
التحية. واتجه نصر أفندي إلى اليمين وانحدر المجني عليه قاصداً سيارته، وعند ذلك قام
المتهم من خلفه ثم أسرع أمامه كمن يريد أن يفتح له باب السيارة وفي أسرع من لمح البصر
التفت نحو المجني عليه وطعنه بالسكين في صدره طعنة قاتلة قوية نفذت من خلال القفص الصدري
إلى التجويف البلوري إلى الحجاب الحاجز واخترقت الكبد، وأمسك كتفه بيده بشدّة من رقبته
وهو شاهر سلاحه وهوى به بطعنة ثانية في كتفه". وعرض الحكم بعد ذلك إلى الأدلة التي
اعتمد عليها في ثبوت هذه الواقعة الجنائية. ومما ذكره في ذلك ما شهد به المجني
عليه في التحقيقات قبل احتضاره من "أنه علم من بعض الفرّاشين بالمدرسة أن المتهم يتجر
بالبطيخ ولما سأله عن ذلك أنكر، فأخطر نقطة البوليس للتصرف في البطيخ، وعند حضور عسكري
البوليس كان المتهم قد أوعز لأحد معارفه بالادّعاء بملكية البطيخ وحرر لهذا الأخير
محضر مخالفة، وكتب خطاباً لمصلحة البريد بانتداب السيد عبد الله مندوباً عن المدرسة
في استلام البوستة بدلاً من المتهم، واكتفى بحرمانه من أن يعمل كساع وأن يكون عمله
كفرّاش فقط. وعند انصرافه من المدرسة حوالي الساعة واحدة مع نصر أفندي الخولي اتجه
هو لركوب السيارة التي كانت على الرصيف المقابل وانحرف نصر أفندي إلى اليمين في طريقه
إلى منزله، وكان المتهم متربصاً على باب المدرسة وبمجرّد مفارقة نصر أفندي له انتهز
المتهم هذه الفرصة، وجرى خلفه وتقدّمه بخطوات، وهو يخفى السكين في كمه، فظن أنه سيفتح
له باب السيارة ولكنه التفت نحوه وطعنه في صدره ثم أمسك رقبته وطعنه طعنة أخرى على
كتفه". وما شهد به حسين معوّض رئيس الفرّاشين في التحقيقات وبالجلسة من "أنه عند
خروج المجني عليه من المدرسة كان المتهم جالساً على كرسي قريب من الباب وما أن انحدر
المجني عليه لركوب سيارته حتى تبعه المتهم وجرى فظن أنه يريد أن يفتح باب السيارة ولكنه
أخرج السكين وطعن بها المجني عليه طعنتين وحاول الهرب، فجروا خلفه فألقى بالسكين في
حديقة مجاورة، ومن أن تسليم ما بعهدة المتهم تم في الساعة العاشرة، وأن المتهم قد شكا
من المجني عليه بأنه شتمه فنصح له بأن لا يعير ذلك التفاتاً لأن المجني عليه وإن كان
حاد الطبع فإنه طيب القلب. ولم يبدَ على المتهم عند ذلك أي انفعال بل كان يضحك، ولما
أراد أن يمضيه على المبيت بالمدرسة طبقاً لترتيب الأعمال أبي وقال أنه لا يريد العمل،
وإنه لا يهتم به وانصرف، وأخذ يتمشى في الحديقة ثم جلس على الباب مع زملائه، وظل هو
على باب غرفة المجني عليه حتى انصرف منها حوالي الساعة الواحدة والنصف. وحصلت الحادثة
بالظروف المتقدّمة ولم يقع من المجني عليه أثناءها أي اعتداء على المتهم ولا مجرّد
حديث معه، وإنه رأى المتهم يجري خلف المجني عليه فظن أنه يريد فتح باب السيارة، ولكنه
بعد أن تقدّم المجني عليه استدار وطعنه بالسكين التي كان يخفيها مرتين". وقد ذكر الحكم
وهو يتحدّث عن توافر ظرف سبق الإصرار أنه "ثابت قبل المتهم مما تبينته المحكمة من مضي
مدّة طويلة حوالي الثلاث ساعات بين تسليم ما بعهدته وبين ارتكاب الحادثة وما سبقه من
إهانة واضطهاد اعتقد بوقوعهما عليه، فولد ذلك الحفيظة والحقد في نفسه وجعله يفكر تفكيراً
هادئاً في ارتكاب ما أقدم عليه بعد أن وازن بين الجريمة والمصير الذي ينتظره بسببها،
وبعد أن باعد بينه وبين وظيفته وآثر التخلي عنها معلناً ذلك لرئيس الفرّاشين، ثم رسم
خطة الجريمة بالطريقة المشروحة بالوقائع المتقدّمة، وأعدّ السلاح القائل وأخفاه في
ملابسه وأخذ ينتظر خروج المجني عليه بعد انتهاء عمله، وعند انصرافه أوهمه بأنه إنما
يسبقه في السير لفتح باب السيارة ثم انقض عليه وقتله تنفيذاً لما صمم عليه". كما ذكر
وهو يتحدّث عن توافر ظرف الترصد أنه "ثابت قبل المتهم من تربصه للمجني عليه على باب
المدرسة وهو المكان الذي سيخرج منه عند انصرافه من عمله والسكين معه يخفيها بين طيات
ملابسه. ولا يفيد المتهم أن هذا المكان إنما جلس فيه أسوة بزملائه لأنه إنما اختار
هذا المكان بقصد تسهيل ارتكابه الجريمة".
وحيث إن الحكم المطعون فيه إذ قضي في الدعوى المرفوعة من المدّعيين بالحق المدني على
المتهم ووزارة المعارف بإلزام الأوّل بمبلغ ألف جنيه تعويضاً مع المصاريف والأتعاب
وبرفض الدعوى قبل الثانية قد اعتمد في ذلك على قوله: "إنه عن الدعوى المدنية ضد المتهم
ووزارة المعارف فإنها واضحة سليمة الأساس فيما يختص بالمتهم لما تبينته المحكمة من
الوقائع الثابتة من ثبوت جريمة القتل عليه. وقد أصاب والدي القتيل المدّعيين مدنياً
من الضرر الأدبي والمادي ما تقدّره المحكمة بمبلغ ألف جنيه مع إلزامه بجميع المصاريف
ومبلغ 500 قرش أتعاب محاماة. وأما فيما يختص بمسئولية وزارة المعارف فإن المدافع عن
المدعيين المدنيين قد جعل أساس دعواه في التعويض مسئولية السيد عن أعمال خادمه المنصوص
عنها في المادة 152 من القانون المدني، مع أن هذا النوع من المسئولية فيه استثناء لقاعدة
عامة طبيعية سلمت بها كل الشرائع وهي أن الإنسان لا يسأل إلا عن الضرر الناشئ عن خطئه
مباشرة. كما أن المادة 152 رفعت مسئولية إثبات الخطأ عن عاتق طالب التعويض، وافترضت
الخطأ على السيد كقرينة قانونية تحت ستار سوء الاختيار وعدم دقة المراقبة فلا يستطيع
هذا الأخير قانوناً أن يقيم الدليل على عكس ما فرضه القانون. وفي حالتنا هذه لا نستطيع
وزارة المعارف إثبات أن اختيارها للمتهم كفرّاش للمدرسة لم يكن اختياراً سيئاً، مدللة
على ذلك بخدمته الطويلة وخلو ملفه مما يشير إلى سوء الاختيار. كما لا تستطيع أن تدفع
بأن الرقابة الدقيقة التي تطالب بها إنما كان يقوم بها المجني عليه بحكم ندبه ناظراً
للمدرسة. فإن كان هناك تقصير في الرقابة، وعلى الأخص قبل ارتكاب الحادث، فإن المجني
عليه المطلوب التعويض لأبويه هو الذي أهمل في هذه الرقابة. ومن أجل ذلك ترى المحكمة
أن المادة 152 يجب أن تطبق في أضيق حدودها. وعلى ضوء هذا الشرح تنظر المحكمة في هذه
الدعوى.
وحيث إن المادة المذكورة نصت على مسئولية السيد عن الضرر الناشئ عن أفعال خادمه متى
كان واقعاً أثناء تأدية وظيفته. وهذا النص وإن اختلف القضاء في تفسير مداه فإن هذه
المحكمة ترى أن خطأ الخادم الموجب لمسئولية سيده يجب أن يكون داخلاً في طبيعة عمله،
وأن يرتكبه بصفته خادماً لا أن يرتكبه خارجاً عن العمل المكلف به. والقول بغير هذا
يؤدّي إلى تحميل السيد مسئوليات لا حدّ لها تنفر منها البداهة وتتجافى مع روح القانون
وأبسط مبادئ العدالة. فإذا استعرضنا ما وقع من المتهم – وهو مبين في صدر هذا الحكم
– نرى أن ما ارتكبه من الإثم لا يدخل في طبيعة عمله، وأنه لم يرتكبه بصفته خادماً في
حدود وظيفته بل هو فعل جنائي، لا يمت إلى عمله بأية صلة، اقترفه من جراء حقده على المجني
عليه وتصميمه على قتله انتقاماً منه لما رسخ في ذهنه من اضطهاده له وإهانته. أما القول
بأن وظيفة المتهم هي التي هيأت له ومكنته من ارتكاب الحادثة مما يوجد الارتباط بين
تأدية الوظيفة والجريمة فهو قول لا تأخذ به المحكمة، لا لأن فيه توسعاً في تفسير مدى
مسئولية السيد التي افترضها القانون وخروجاً بها عن القواعد العامة، بل لأن الحادثة
قد ارتكبت في الشارع خارج المدرسة، وكان في استطاعة كل مجرم أن يرتكبها على هذه الصورة
ولو لم يكن موظفاً بالمدرسة. على أنه حتى مع الأخذ بنص المادة على علاته فإن الذي ثبت
للمحكمة أن المتهم بعد أن أخبره المجني عليه بتسليم ما بعهدته بدا منه ما يباعد بينه
وبين الوظيفة وتجرّد عنها فعلاً، وصارح بذلك رئيس الفرّاشين حسين معوّض، كما هو مبين
في الوقائع المتقدّمة، ورفض التوقيع على ما يفيد علمه بدوره في المبيت بالمدرسة مساء
اليوم الذي حصلت فيه الحادثة، وانصرف وهو لا يلوي على شيء سوى التفكير في الجريمة وتدبير
ارتكابها، ولم يكن ترصده خارج باب المدرسة انتظاراً لأوامر تصدر له أو عمل يطلب منه
بل ترقباً لخروج المجني عليه وتحيناً لفرصة القضاء عليه، ولذا كله ترى المحكمة أن دعوى
التعويض المرفوعة على الحكومة بالأساس الذي رفعت به واجبة الرفض".
وحيث إنه يظهر مما تقدّم أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في قضائه بعدم وجود ما يبرر
مساءلة وزارة المعارف عن الضرر الناشئ عن الجريمة التي وقعت من تابعها المتهم على المجني
عليه في الظروف والملابسات المبينة به. ووجه الخطأ في ذلك أن القانون لا يشترط لتحميل
المخدوم المسئولية المدنية عن فعل تابعه أن يكون هذا الفعل – كما ذهب إليه الحكم –
داخلاً في طبيعة الوظيفة التي عهد بها إلى التابع أو أن يقع منه بصفته هذه، بل يكتفي
في تقرير هذه المسئولية بأن يكون الفعل قد وقع من التابع أثناء تأدية الوظيفة، أو أن
تكون الوظيفة هي التي ساعدته على ارتكابه ولو كان بعيداً عن الوظيفة ولا اتصال له بها.
وإذن يكون فيما أثبته الحكم من ترصد المتهم عند باب المدرسة التي يشتغل فرّاشاً بها
مع زملائه من الفرّاشين فيها حتى موعد انصراف المجني عليه منها، وتمكنه منه في هذه
الفرصة، واغتياله في هذا المكان وهو يتظاهر بأنه إنما يقترب منه لكي يفتح له، بصفته
رئيسه، باب السيارة التي كانت في انتظاره – يكون في هذا الذي أثبته الحكم ما يبرر قانوناً
إلزام الوزارة بتعويض الضرر الذي وقع على المجني عليه من خادمها المتهم. إذ هو غاية
في الدلالة على أن وظيفة المتهم بوصف كونه فرّاشاً في المدرسة تحت رياسة المجني عليه
هي التي هيأت له كل الظروف التي مكنته من اغتيال المجني عليه بطريق الخيانة، لأنه لو
لم يكن كذلك لما استطاع أن ينتظر غريمه ويترصد له آمناً مطمئناً أمام باب المدرسة حيث
وقعت الواقعة، ولما كان هناك من مناسبة لأن يقترب من المجني عليه تحت ستار أداء الواجب
عليه له ثم يغدر به. أما ما جاء في الحكم من أن المتهم بدا منه قبيل الحادثة ما يباعد
بينه وبين الوظيفة فإن ذلك لا يقدّم ولا يؤخر ما دام لم يكن من شأن ما بدا من المتهم
– حسب الثابت في الحكم نفسه – انقطاع صلة الخدمة بين الخادم ومخدومه، إذ مجرّد امتناع
المتهم على أثر الإجراءات التي أخذها المجني عليه معه عن إمضاء كشف الخدمة، ومصارحته
رئيس الفرّاشين وحده بأن المجني عليه أهانه، ثم قوله ضاحكاً بأنه في غنى عن العمل بالمدرسة،
وإنه لا يهتم بالشغل فيها – كل ذلك في ذاته لا يؤخذ منه أن المتهم كان وقت فعلته التي
فعلها متجرّداً عن وظيفته ومقطوع الصلة فعلاً بمخدومه. ومما يؤكد ذلك ما قاله الحكم
ذاته من أن المتهم بعد هذا الذي بدا منه مكث بالمدرسة وجالس الفرّاشين زملاءه فيها
ولم يفارقهم إلا خلسة كي يحضر السكين ثم بقي معهم حتى حان موعد الانصراف من العمل فتقدّم
عند باب المدرسة مسرعاً أمام المجني عليه ليفتح له باب سيارته كأن لم يحصل شيء مما
كان. فإن كل ذلك يدل بوضوح على أن ما بدا من المتهم في مقام الاحتجاج على تصرف الناظر
ولم يصل خبره إلى غير رئيس الفرّاشين لم يكن بالأمر الذي يمكن بحال أن يستفاد منه أن
المتهم كان وقت الحادثة منقطع الصلة بالوظيفة وبالوزارة.
وحيث إنه بناءً على ما تقدم يتعين قبول الطعن موضوعاً والقضاء للطاعنين على وزارة المعارف
بمبلغ التعويض المحكوم به على المتهم وذلك بطريق التضامن معه.
