الطعن رقم 361 سنة 10 ق – جلسة 15 /01 /1940
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 6 نوفمبر سنة 1939 لغاية 26 أكتوبر سنة 1942) – صـ 70
جلسة 15 يناير سنة 1940
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمود المرجوشي باشا ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك ونجيب مرقس بك المستشارين.
القضية رقم 361 سنة 10 القضائية
اختلاس. تسليم مقيد بشرط واجب التنفيذ في الحال. متى لا يحول دون
قيام ركن الاختلاس؟ تسليم ملحوظ فيه الابتعاد بالشيء المسلم عن صاحبه ولو فترة قصيرة
من الزمن. انتقال الحيازة للمتسلم. لا سرقة. مثال. سند ومبلغ من المال.
(المادة 275 ع = 318)
إن تسليم الشيء من صاحب الحق فيه إلى المتهم تسليماً مقيداً بشرط واجب التنفيذ في الحال
لا يمنع من اعتبار اختلاسه سرقة متى كان قصد الطرفين من الشرط هو أن يكون تنفيذه في
ذات وقت التسليم تحت إشراف صاحب الشيء ومراقبته حتى يكون في استمرار متابعته ماله ورعايته
إياه بحواسه ما يدل بذاته على أنه لم ينزل، ولم يخطر له أن ينزل، عن سيطرته وهيمنته
عليه مادياً، فتبقى له حيازته بعناصرها القانونية، ولا تكون يد المتسلم عليه إلا يداً
عارضة مجرّدة. أما إذا كان التسليم ملحوظاً فيه الابتعاد بالشيء عن صاحبه فترة من الزمن
– طالت أو قصرت – فإنه في هذه الحالة تنتقل به الحيازة للتسلم، ولا يتصوّر معه في حق
المتسلم وقوع الاختلاس على معنى السرقة. إذ الاختلاس بهذا المعنى لا يتوافر قانوناً
إلا إذا حصل ضد إرادة المجني عليه أو عن غير علم منه. فإذا سلم شخص إلى آخر مبلغاً
من النقود وسنداً محرّراً لصالحه على المتسلم على أن يحرّر له المتسلم في نفس مجلس
التسليم سنداً بمجموع المبلغين: المبلغ الذي تسلمه عيناً والمبلغ الوارد بالسند المسلم
إليه، ثم رضي المسلم بأن ينصرف عنه المتسلم بما تسلمه إلى خارج المجلس، فإن رضاءه هذا
يفيد تنازله عن كل رقابة له على المال المسلم منه، ويجعل يد المتسلم، بعد أن كانت عارضة،
يد حيازة قانونية لا يصح معها اعتباره مرتكباً للسرقة إذا ما حدّثته نفسه أن يتملك
ما تحت يده، فإن القانون في باب السرقة لا يحمي المال الذي يفرط صاحبه على هذا النحو
في حيازته.
المحكمة
وحيث إن مبنى باقي الأوجه أن المحكمة أخطأت في تطبيق القانون لأنها
اعتبرت الواقعة التي أدانت الطاعن فيها سرقة، وأثبتت وقوعها منه استناداً إلى شهادة
الشهود مع أن موضوعها مبالغ تزيد على النصاب القانوني الغير الجائز فيه الإثبات بالبينة
والقرائن، ومع أن هذه الواقعة بفرض صحتها هي في الحقيقة خيانة أمانة، لأن التسليم فيها
لم يكن اضطرارياً، كما يستفاد ذلك من أقوال السعيد رستم، إذ الطاعن لم يفرّ من المجلس
الذي تسلم فيه النقود والسند هارباً، ولم ينصرف مختفياً بل خرج واعداً بالتوقيع على
السند الجديد بعد عودته. فمن الخطأ اعتبار التسليم ناقصاً في هذه الحالة، إذ الأشياء
سلمت إلى الطاعن على أن تكون ملكاً له في مقابل تسليم الأقطان، وليس التوقيع على الكمبيالة
الجديدة إلا مجرّد دليل لإثبات المعاملة. ويضيف الطاعن إلى ذلك أن المحكمة الاستئنافية
اكتفت بتأييد الحكم دون أن نستعرض هي في حكمها حقيقة الواقعة وتناقشها وترد عليها وتبين
مدى علاقتها بالقانون. وفي ذلك قصور يعيب الحكم بما يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أدان المتهم الأوّل وهو
الطاعن في الجريمة التي رفعت بها الدعوى العمومية عليه وهي أنه سرق مبلغ 1224 جنيهاً
لمحمود محمد الغريب ومحمد محمد الغريب عبارة عن مبلغ 800 جنيه من أوراق البنكنوت وسند
بمبلغ 424 جنيهاً محرّر عليه لصالح المجني عليهما. وذلك بأن استلم هذا السند وذلك المبلغ
من السعيد محمد رستم مندوب المجني عليهما على وعد أن يوقع على كمبيالة بمجموع المبلغ
الذي وصله وقدره 1224 جنيهاً. فانصرف عقب أن ناداه متهم آخر دون أن يوقع على السند
المطلوب منه. وقد أورد الحكم واقعة الدعوى كما حصلتها المحكمة من التحقيقات التي أجريت
فيها فقال: "إن المتهم الأوّل تاجر أقطان بناحية بلقاس وله عادة في موسم القطن بالتعامل
مع محل تجارة المدّعين بالحق المدني المعروف باسم شركة محمد محمد الغريب وإخوته قومسيونجية
وتجار أقطان بالمحلة الكبرى، ومضى على هذه المعاملة نحو سنتين تقريباً. وقبل ذلك كانت
المعاملة بين الشركة المذكورة ووالده المدعو عبده متولي البطراوي، واستمرت تسع سنوات
والمتهم الأوّل يقوم بشراء الأقطان من صغار المزارعين ويدفع عن ذلك عربوناً من طرفه،
وكلما تجمع لديه كمية وافرة من القطن يخطر مندوب المدّعين بالحق المدني المعين لناحية
بلقاس المدعو السعيد محمد رستم لمعاينة الأقطان، وهذا الأخير يخابر محل مخدومه بالمحلة
ليرسل له النقود اللازمة للتخليص عليها ودفع باقي الثمن للبائعين واستلامها وإيداعها
شونة البنك الأهلي بالمحلة. وفي يوم 15 نوفمبر سنة 1938 طلب المتهم من المندوب المذكور
نقوداً على ذمة توريد 299 كيساً من القطن، منها 97 كيساً بناحية بلقاس والباقي بناحية
المعصرة فسلمه المندوب مبلغ 424 جنيهاً بموجب سند وقع عليه، وبعد استلام المبلغ أفهم
المندوب أن هذا المبلغ لا يفي للتخليص على كل الأقطان الموجودة لديه، وأنه يلزمه خلاف
ذلك مبلغ ثمانمائة جنيه ولا بد من إرجاء عملية تسليم القطن لحين إحضار باقي المبلغ،
فما كان من المندوب إلا أنه اتصل تليفونياً بمحل مخدومه بالمحلة وأوقفه على الحالة
وطلب إليه سرعة إرسال المبلغ المطلوب لاستلام الأقطان منعاً من أن المتهم يتصرف فيها
ويجري تسليمها لمحل آخر. وفي يوم 16 نوفمبر سنة 1938 وصل بلقاس بدوي الزغل من طرف محل
مخدومه ومعه ألف جنيه، منها 800 جنيه لمحمد عبد الله البطراوي والباقي لعملاء آخرين،
وكان وقتها السعيد محمود رستم بداخل محل المتهم في انتظار المبلغ مع عملاء آخرين، فعندها
سلم بدوي الزغل إلى السعيد رستم مبلغ 800 جنيه، وهذا الأخير نادى على المتهم الأوّل
وسلمه المبلغ بدوره بحضور كل من بدوي الزغل والسيد أحمد العدوي وعبد العزيز طه وعبد
الخالق المنشاوي، وقد قام المتهم بتعداد المبلغ ثم وضعه في جيبه، وطلب من السعيد رستم
السند الذي وقع عليه بالأمس بمبلغ 424 جنيهاً وتحرير سند جديد بمجموع المبلغين، فوافقه
السعيد رستم على ذلك، وسلمه السند المذكور، وبدأ بتحرير السند الجديد بمجموع المبلغين
أي بمبلغ 1224 جنيهاً، وفي أثناء تحرير السند الجديد حضر المتهم الثاني (وقد حكم له
نهائياً بالبراءة) ونادى على المتهم الأوّل فخرج له من المحل قبل التوقيع على السند
الخاص بمبلغ 1224 جنيهاً. فلما لاحظ السعيد رستم أن المتهم همّ بالانصراف قبل التوقيع
على السند الجديد نادى عليه وطلب منه الانتظار حتى يتم تحرير السند والتوقيع عليه فأفهمه
بأن المتهم الثاني من ضمن البائعين له قطناً وأنه سيجري التخليص عليه أوّلاً ثم يعود
له ثانياً للتوقيع على السند وأن هذه العملية لا تستغرق أكثر من خمس دقائق، وانصرف
مع المتهم الثاني على هذا الاعتبار، وصرح له بنقل القطن عند حضور العربات. واستمر السعيد
رستم ينتظر بمحله نحو ساعة تقريباً، وعندها حضرت السيارات لنقل الأقطان التي كان عازماً
المتهم الأوّل على تسليمها في مقابل المبلغ الذي استلمه، فحاول السعيد رستم استلام
الأقطان الموجودة بالمحل ولكن عمال المتهم الأوّل منعوه فاضطر للبحث عن المتهم الأوّل.
وبالتحرّي عنه علم أنه توجه إلى المنصورة فانتقل فوراً إليها وبحث عنه حتى عثر عليه
في نقطة المومسات في حالة سكر مع أحمد القصبي والسيد عبد العزيز والسيد عيد وحسن السرجاني
وعلي عبد الحليم نصار، وطلب منه تسليم القطن أو ردّ المبلغ الذي استلمه فأنكر المتهم
استلامه منه شيئاً". ثم عرض الحكم إلى الأدلة التي استند إليها في ثبوت هذه الواقعة
فقال: "إن واقعة تسليم مبلغ 800 جنيه إلى المتهم الأوّل مع السند بمبلغ 424 جنيهاً
ثابتة ثبوتاً كافياً من شهادة كل من السعيد رستم وبدوي الزغل والسعيد أحمد عدوي وعبد
العزيز طه وعبد الخالق المنشاوي الذين أجمعوا على أنهم رأوا المتهم المذكور يستلم المبلغ
والسند على أن يعطي سنداً جديداً بمجموع المبلغين، وقد أنصرف دون أن يوقع على السند.
وهذه الواقعة تكوّن جريمة السرقة بأركانها جميعاً، لأن السعيد رستم عندما سلم المتهم
المبلغ والسند سلمهما له تحت شرط أن يحرّر سنداً بمجموعهما فلا يصبح مالكاً لهما إلا
بعد تحرير السند، فإذا حجزهما بنية امتلاكهما ولم يقدّم السند وجب اعتباره سارقاً.
ولأن المعاملة بين المتهم والمدّعين بالحق المدني ليست بيعاً وشراء وإنما هي سحب نقود
على ذمة توريد أقطان تودع بالشونة وتباع على ذمة المتهم عند تحسين السوق فإذا صعدت
الأسعار كان ربحه محققاً. وإذا هبطت كانت خسارته فادحة، ومحمود محمد الغريب وإخوته
يتقاضون أربعة قروش عن كل قنطار".
وحيث إن تسليم الشيء من صاحب الحق فيه إلى المتهم بسرقته تسليماً مفيداً بشرط واجب
التنفيذ في الحال لا يحول دون قيام ركن الاختلاس في جريمة السرقة إذا كان المفهوم عند
الطرفين هو تنفيذ الشرط في ذات وقت التسليم تحت إشراف صاحب الشيء ومراقبته حتى يكون
في استمرار متابعته ماله ورعايته بحواسه ما يدل بذاته على أنه لم ينزل ولم يخطر له
أن ينزل عن سيطرته وهيمنته عليه مادياً فتبقى له حيازته بعناصرها القانونية ولا تكون
يد الآخر عليه إلا يداً عارضة مجرّدة. أما إذا كان التسليم قد أذن فيه أو أبيح الابتعاد
بالشيء عن صاحبه ولو فترة قصيرة من الزمن فإنه في هذه الحالة تنتقل به الحيازة للمتسلم
ولا يتصوّر معه وقوع الاختلاس على الشيء المسلم، إذ الاختلاس لا يتوافر قانوناً إلا
إذا حصل ضد إرادة المجني عليه أو عن غير علم منه.
وحيث إنه يبين من ذلك أنه وإن كان السعيد محمد رستم سلم الطاعن المبلغ والسند على أن
يحرّر الطاعن له في نفس مجلس التسليم سنداً بمجموع المبلغين: المبلغ الذي تسلمه عيناً
والمبلغ الوارد بالسند المسلم إليه، وأن التسليم في هذه الحدود لا يتنافى حقيقة مع
بقاء الحيازة القانونية على المبلغ والسند للسعيد محمد رستم طالما هو يهيمن عليهما
لوجودهما تحت بصره إلا أنه ما دام هو نفسه قد رضي بأن ينصرف الطاعن بهما عنه إلى خارج
المجلس فإن هذا يفيد تنازله عن كل رقابة له على المال المسلم منه، ويجعل بالتالي يد
المتسلم بعد أن كانت عارضية يد حيازة قانونية لا يصح معها اعتباره مختلساً، أي سارقاً،
إذا ما حدّثته نفسه بتملك ما تحت يده، فإن القانون في باب السرقة لا يحمي من يفرّط
في حيازة ماله على هذا النحو. ومتى تقرّر ذلك فإن الحكم المطعون فيه إذا اعتبر فيما
أثبت وقوعه من الطاعن جريمة سرقة يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، لأن الطاعن لم يقع
منه فعل الاختلاس المشترط في السرقة بسبب وجود المال في حيازته قانوناً وقت أن تملكه.
وحيث إنه من جهة أخرى فإنه إذا كان الثابت بالحكم أن الطاعن قد تسلم ما تسلمه من السعيد
رستم ليشتري به قطناً لحسابه هو على أن يودع القطن ضماناً للسداد في شونة معينة حتى
يباع فيستولي هو ومن سلمه النقود على حقه من الثمن، فإن التسليم على هذه الصورة يكون
بناءً على عقد قرض مضمون برهن، ولا يمكن اعتباره حاصلاً على مقتضى عقد من العقود الواردة
على سبيل الحصر في النص الذي يعاقب على خيانة الأمانة. ولذلك يتعين براءة الطاعن مما
أسند إليه، لأن القانون لا يعاقب على الواقعة التي أثبتها الحكم عليه.
وحيث إن القضاء ببراءة الطاعن على الأساس المتقدّم لا يؤثر في سلامة الحكم بالنسبة
لما قضى به من التعويض المدني ما دامت الواقعة التي أثبت الحكم وقوعها منه تصلح أساساً
لمساءلته عن تعويض الضرر الذي وقع منه وإن كانت لا تصلح في ذات الوقت أساساً للعقاب.
أما ما يثيره الطاعن من أن هذه الواقعة ما كان يصح إثباتها بالبينة والقرائن على نحو
ما فعل الحكم فمردود بأن هذه الواقعة يصح إثباتها قانوناً بكافة طرق الإثبات لأن الطرفين
فيها – كما هو ثابت في الحكم- من التجار، وقد حصل التسليم فيها لاستخدام المال الذي
حصل تسليمه في أعمال تجارتهما.
