الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 435 لسنة 36 ق – جلسة 17 /02 /1972 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الأول – السنة 23 – صـ 189

جلسة 17 من فبراير سنة 1972

برياسة السيد المستشار/ إبراهيم عمر هندي نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد حافظ هريدي، وعثمان زكريا، ومحمد سيد أحمد حماد، وعلي عبد الرحمن.


الطعن رقم 435 لسنة 36 القضائية

( أ ) تزوير. "التوقيع على بياض". إثبات. "الإثبات بالبينة".
تغيير الحقيقة في الأوراق الموقعة على بياض ممن استؤمن عليها نوع من خيانة الأمانة كأصل. الحصول على الورقة خلسة أو نتيجة غش أو طرق احتيالية أو بأية طريقة خلاف التسليم الاختياري. اعتبار تغيير الحقيقة فيها تزويراً يجوز إثباته بكافة الطرق.
(ب) محكمة الموضوع. "سلطتها في استخلاص توافر عناصر الغش". نقض. "سلطة محكمة النقض". إثبات.
سلطة قاضي الموضوع في استخلاص توافر عناصر الغش من وقائع الدعوى دون رقابة من محكمة النقض ما دامت تلك الوقائع تسمح به.
(ج) نقض. "ما لا يصلح سبباً للطعن". محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الأدلة".
تقدير المحكمة للأدلة وترجيح بينة على أخرى. عدم جواز المجادلة في ذلك أمام محكمة النقض.
(د، هـ) حكم. "تسبيب الحكم". محكمة الموضوع. إثبات.
(د) عدم التزام محكمة الموضوع بالتحدث في حكمها عن كل قرينة غير قانونية يدلي بها الخصوم أو إيراد كل حججهم وتفنيدها طالما أنها أقامت قضاءها على ما يكفي لحمله.
(هـ) قيام الحكم على قرائن متساندة. عدم جواز مناقشة كل منها على حدة لإثبات عدم كفايتها في ذاتها للإثبات.
(و) نقض. "تقرير الطعن".
نعى الطاعن على الحكم أنه أغفل الرد على دفاعه دون تضمين تقرير الطعن للعيب المنسوب للحكم وموضعه منه وأثره في قضائه. غير مقبول.
1 – إنه وإن كان الأصل في الأوراق الموقعة على بياض أن تغيير الحقيقة فيها ممن استؤمن عليها هو نوع من خيانة الأمانة، ويرجع في إثباته إلى القواعد العامة، إلا أنه يخرج عن هذا الأصل حالة ما إذا كان من استولى على الورقة قد حصل عليها خلسة أو نتيجة غش أو طرق احتيالية أو بأية طريقة أخرى خلاف التسليم الاختياري، فعندئذٍ يعد تغيير الحقيقة فيها تزويراً يجوز إثباته بكافة الطرق.
2 – لقاضي الموضوع السلطة التامة في استخلاص توافر عناصر الغش من وقائع الدعوى وتقدير ما يثبت به هذا الغش وما لا يثبت، دون رقابة عليه من محكمة النقض في ذلك، ما دامت الوقائع تسمح به، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد استظهر الوقائع التي استخلص منها الغش والحيلة، وأحصى الشواهد والبيانات على أن الطاعن قد خدع المطعون عليها، واستوقعها على بياض على الأوراق التي أشار إليها بتفانيه في خدمتها، وإغراقه في أداء ما هو غير ملزم بأدائه لها من الأعمال التي عددها، والتي سلم الطاعن ببعضها عند استجوابه أمام محكمة أول درجة، وكانت هذه القرائن سائغة تحتملها ظروف الدعوى، وتتفق مع أوراقها، فإن النعي عليه في هذا الخصوص يكون على غير أساس.
3 – إذا كان ما يثيره الطاعن لا يعدو أن يكون جدلاً في تقدير المحكمة للأدلة، وترجيح بينة على أخرى، فإنه لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض.
4 – محكمة الموضوع غير ملزمة بالتحدث في حكمها عن كل قرينة من القرائن غير القانونية التي يدلي بها الخصوم استدلالاً على دعواهم من طريق الاستنباط، كما أنها غير مكلفة بأن تورد كل حجج الخصوم وتفندها، طالما أنها أقامت قضاءها على ما يكفي لحمله، إذ في قيام الحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليلها التعليل الضمني لإطراح هذه القرائن.
5 – من المقرر أنه متى اعتمد الحكم على قرائن متساندة يكمل بعضها بعضاً، وتؤدي إلى ما انتهى إليه، فإنه لا يجوز مناقشة كل قرينة على حدة لإثبات عدم كفايتها في ذاتها للإثبات.
6 – لا يقبل من الطاعن التحدي بعبارة مبهمة بأن الحكم المطعون فيه أغفل الرد على دفاعه، دون أن يكشف في تقرير الطعن عن العيب المنسوب إلى الحكم وموضعه منه وأثره في قضائه.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في أن إميل نجيب جرجس استصدر أمر الأداء رقم 767 سنة 61 كلي القاهرة بإلزام السيدة أسمت القشيري بأن تؤدي له مبلغ 3000 ج استناداً إلى سند مؤرخ 24/ 2/ 1961 ومستحق السداد في 24/ 5/ 1961، وبتاريخ 8/ 8/ 1961 أقامت أسمت القشيري ضده دعوى تزوير أصلية قيدت برقم 3122 سنة 61 كلي القاهرة طالبة الحكم برد وبطلان السند وتزويره، وقالت في بيانها إنها غير مدينة للمدعى عليه في أي مبلغ، وإن الورقة المحرر عليها السند كانت معدة لغرض آخر، وإنها لذلك لم توقع عليها توقيعها المعتاد في معاملاتها مع الغير بل كتبت اسمها في ذيلها وإلى يمينها، إلا أن المدعى عليه حرر عليها بيانات السند فبدا التوقيع غير متصل بتلك البيانات ولم تكتب عبارة المقرة بما فيه بخطها ولم يوقع على السند شهود، رغم ضخامة المبلغ، وليس بينها وبينه علاقة تسمح بإقراضها مثل هذا المبلغ بدون فائدة لمدة ثلاثة أشهر، هذا بالإضافة إلى أن موارده لا تمكنه من إقراضها أي مبلغ، ولذلك فإنها بادرت بإنذاره وتحذيره من مغبة ادعائه لما نبه عليها بالوفاء في 4/ 7/ 1961، كما قدمت شكوى للنيابة العامة لضبط السند وتحقيق واقعة التزوير وأقامت الدعوى بطلبها السابق كما أقامت في 4/ 10/ 1961 التظلم رقم 3933 سنة 1961 كلي القاهرة طالبة الحكم بإلغاء أمر الأداء واعتباره كأن لم يكن، وقالت بياناً له إن للمتظلم ضده وأخيه مكتب سمسرة، وإنها كانت قد طلبت منهما مساعدتها في تأجير ما يخلو من الشقق المفروشة بعمارتها، وطلب منها المتظلم ضده أن توقع له على ورقتين على بياض لتقديمهما للمختصين بإدارة الغاز والكهرباء بعد ملء البياض ببيانات معينة وكتابة قائمة المفروشات الموجودة بمسكنين أجرتهما، فاستجابت لطلبه بحسن نية اعتقاداً منها في أمانته لما أبداه من قبل من مظاهر التفاني في خدمتها، وبعد أن قررت المحكمة ضم القضيتين، حكمت في 31/ 3/ 1963 باستجواب طرفي الخصومة فيما توضح بأسباب الحكم وفيما تراه تنويراً للدعوى وتوضيحاً لوجه الحق فيها وأوضحت في الأسباب أنها ترى استجوابهما في ظروف تحرير السند وفيما تدور حوله الدعوى. وبعد تنفيذ هذا الحكم عادت بتاريخ 4/ 2/ 1964 فحكمت (أولاً) وفي القضية رقم 3122 سنة 1961 مدني كلي القاهرة برفضها وتغريم المدعية 25 ج للخزانة العامة (ثانياً) وفي موضوع الدعوى رقم 3933 سنة 1961 كلي القاهرة برفض التظلم وتأييد الأمر بالأداء رقم 767 سنة 1961 كلي القاهرة. واستأنفت السيدة/ أسمت القشيري هذا الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة، طالبة إلغاءه والحكم لها بطلباتها وقيد استئنافها برقم 621 سنة 81 قضائية، وفي 26/ 11/ 1964 حكمت المحكمة بحضور الخصمين شخصياً لاستجوابهما في الظروف والمناسبات التي أدت إلى وجود السند المتنازع بشأنه وما تراه المحكمة من وقائع متعلقة بالدعوى، وبعد تنفيذ هذا الحكم عادت وحكمت في 16/ 6/ 1966 بإلغاء الحكم المستأنف (أولاً) وفي الدعوى رقم 3122 سنة 1961 كلي القاهرة برد وبطلان السند المؤرخ 24/ 2/ 1961 المطعون عليه بالتزوير. (ثانياً) وفي الدعوى رقم 3933 سنة 1961 كلي القاهرة بإلغاء أمر الأداء رقم 767 سنة 1961 كلي القاهرة واعتباره كأن لم يكن. وطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض للأسباب الواردة بالتقرير وعرض الطعن على هذه الدائرة حيث أصر الطاعن على طلب نقض الحكم، وطلبت المطعون عليها رفض الطعن وأصرت النيابة العامة على رأيها الذي أبدته بمذكرتها وطلبت رفض الطعن.
وحيث إن الطاعن ينعى في السبب الأول على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والقصور في التسبيب ومخالفة الثابت في الأوراق من وجهين (أولهما) أن الحكم خالف قواعد الإثبات، ذلك أن ما تمسكت به المطعون عليها من أنها وقعت على ورقة بيضاء سلمتها للطاعن ليملأ الفراغ ببيانات معينة اتفقا عليها، وأنه خالف هذا الاتفاق وملأ الفراغ بما يجعله سنداً بالدين يشكل جريمة خيانة أمانة وفقاً للمادة 340 من قانون العقوبات لا جريمة تزوير، وإذ كانت بيانات الورقة تستمد حجيتها من التوقيع عليها سواء تم هذا التوقيع قبل أم بعد كتابتها، فإنه لا يجوز إثبات عكس بيانات الورقة إلا بالكتابة، ولا يجوز الإثبات بالقرائن إلا في حالة ما إذا كان تسليم الورقة قد حصل خلسة أو نتيجة غش أو طرق احتيالية وإذ أقرت المطعون عليها في جميع مراحل النزاع أنها وقعت على الورقة على بياض باختيارها وسلمتها إلى الطاعن طواعية واختياراً، فإنها لا تستطيع إثبات العكس إلا بالكتابة، ومن ثم فإن ما قرره الحكم المطعون فيه من أن توقيع المطعون عليها على الورقة كان نتيجة غش وحيلة ورتب عليه جواز الإثبات بالقرائن دون أن ينفي أن تسليم الورقة ذاتها كان اختيارياً يكون مخالفاً لقواعد الإثبات (وثانيهما) أن العلاقة بين الطرفين في المرتين اللتين تعاملا فيهما والتي لم تتعد نطاق العمل كانت تستند للكتابة، ومثل هذه العلاقة لم تكن لتحول دون الحصول على كتابة مثبتة للاتفاق الذي تزعم المطعون عليها أنه تم بينها وبين الطاعن على ملء فضاء الورقة التي وقعتها على بياض، إلا أن الحكم أقام قضاءه على قرائن حصل منها الغش بقوله إن الطاعن تظاهر بالتفاني في خدمة المطعون عليها بأن قام بأعمال ليست من مستلزمات عمله كسمسار والذي يقتصر على دور الوساطة بين طرفي العقد، فحرر عقود الإيجار للمستأجرين وقائمة العفش للأمريكي ثم صرف قيمة الشيك الصادر من المفوضية الاسترالية بعد أن ظهرته المطعون عليها له دون أن تحصل منه على إيصال، وكل هذه المظاهر أثرت فيها فأولته ثقتها، وهذا القول من الحكم يخالف الثابت في الأوراق ويشوبه فساد في الاستخلاص، إذ أقرت المطعون عليها في صحيفة المعارضة في أمر الأداء بأن عمليات تأجير الشقق المفروشة تقتضي قيام الطاعن ببعض الاتصالات الخاصة لتحصيل الأجرة أو تحويل العداد لاسم المستأجر، كما ذكرت عند استجوابها أنها وقعت على بياض لأنها كانت تثق في قوله إذ سلم لها قيمة شيك كانت قد ظهرته إليه بدون إيصال مما مؤداه أنها لم تنسب له غشاً أو تحايلاً، وإذ كانت القرائن التي استدل بها الحكم على الغش ليست إلا مجرد نقل لبعض ما قالته المطعون عليها رغم تعارض أقوالها بشأن عدد الأوراق التي وقعت عليها وتحديد ما وقعت عليه منها أولاً والغرض من التوقيع ورغم أنها لم تنسب إليه تصرفاً إيجابياً يدخل في معنى الغش والطرق الاحتيالية وقولها في صحيفة استئنافها بأنها لم توقع على الورقة بإمضائها المصرفي، بل كتبت اسمها في الركن الأيمن منها، مما يؤكد أن القول بأن التوقيع على بياض أمر منتحل، وإذ تمسك بذلك ودلل عليه بالقرينة المستمدة من إحجام المطعون عليها عن معرفة ما تم في شأن الورقة التي وقعت عليها على بياض، وبأنها اتصلت به في شهر يونيو ليتوسط في تأجير ﭭيلتها في أشهر الصيف، وبأن نقل العداد لا يكون بطلب يقدم على ورقة بيضاء، بل على استمارتين رسميتين، إلا أن الحكم لم يلتفت إلى هذا الدفاع واستخلص قرائن من مجرد قول المطعون عليها أن العلاقة أساسها الكتابة بين الطرفين ومن سابقة اتهام الطاعن في قضية وتبرئته بعد الحكم عليه ابتدائياً فيها ولاتهامه في قضية أخرى بدس مخالصة على سيدة، وفاته أن القانون لا يعرف هذا النوع من التدليل، إذ فضلاً عن أن الاتهام ينعدم بالحكم بالبراءة، فإن الإثبات في المسائل المدنية منوط بالدليل لا بمجرد الاستنتاج.
وحيث إن هذا النعي مردود في جملته، ذلك أن الحكم المطعون فيه بعد أن استعرض وقائع الدعوى ودفاع الطرفين أقام قضاءه على قوله "وحيث إنه ظاهر من ظروف الدعوى واستقراء ملابساتها أن وسائل الغش والحيلة التي استعملها المستأنف عليه مع المستأنفة في سبيل الحصول على أوراق موقع عليها منها على بياض وأنه استعمل إحداها وهي التي ادعى بأنه سيحرر عليها طلب تغيير عداد الإنارة بالشقة المؤجرة للمستر. ف. فيليبس الأمريكي بأن ضمنها سند الدين المطعون عليه المؤرخ 24/ 2/ 1961 – قائمة ومتوافرة في الدعوى، ذلك أن المستأنف عليه بتظاهره بالتفاني في خدمة المستأنفة وإغراقه في أداء ما ليس هو بلازم منه، باعتباره سمساراً مأموريته الأساسية قاصرة على الوساطة بين طرفي العقد ومن تحريره عقود الإيجار للمستأجرين للشقق المفروشة، ثم قائمة المنقولات التي احتوتها الشقة المؤجرة للمستر. ف. فيليبس بخط يده، وتطوعه بصرف قيمة الشيك الصادر من المفوضية الاسترالية بمبلغ 600 ج لصالح المستأنفة، وتجنيبه المستأنفة مشقة التوجه للبنك لما لاحظه عليها من عدم ارتياحها للقيام بصرف المبلغ بنفسها وإحضاره هذا المبلغ نقداً لها دون أن تأخذ عليه ورقة تفيد استلامه هذا الشيك منها مما يدفع المستأنفة وهي لا تخرج عن كونها سيدة تتأثر بمثل هذه المظاهر التي لا تنفذ فيها بغريزتها إلى حقيقة ما قصده المستأنف عليه منها، إلى أن توليه ثقتها وتصدق ما يقوله، وقد خدعت بهذه المظاهر وسلس عليه قيادتها وبخاصة بعد أن اطمأن إلى هذه الثقة العمياء لما استوقعها إمضاءها على ورقتين بحجة تحرير قائمتي المنقولات المفروشة بالدور المؤجر للمفوضية الاسترالية، ثم جاء واستوقعها على الورقة الأخرى بحجة تحرير طلب تغيير العداد عليها، وبخاصة بعد أن أفهمها أنه في مقدوره تنفيذ هذه المأمورية على أيسر وجه تلبية لرغبة المستأجر الأمريكي عصبي المزاج، فطاوعته بسلامة نية وتحت تأثير هذه المظاهر البراقة الخداعة، دون أن تفطن إلى غرضه السيئ، وليس أدل على ذلك من أنها وقد كانت مطمئنة إلى قوله لم تسأله عن طلب تغيير العداد حيث فوجئت بإنذاره في 4/ 7/ 1961 بدفع الدين موضوع الدعوى فسألت المستأجر الأمريكي عن حقيقة ما ادعاه المستأنف عليه من طلبه تغيير العداد فنفى لها ذلك – على لسان زوجته – كما قالت المستأنفة في استجوابها، هذا وإذا ما روعي أن المستأنف عليه في سلوكه الشخصي وحسب الثابت من الأوراق لم يكن فوق الشبهات، إذ إنه سبق أن اتهم في 26/ 4/ 1956 بسرقة خاتم من محل الجواهرجي حبيب باروخ، وقضت محكمة عابدين الجزئية بحبسه شهرين مع الشغل وكفالة 200 ق وتعويض 996 ج للمجني عليه إلا أنه برئ في الاستئناف للشك في ثبوت التهمة، وأنه نسب إليه في الدعوى رقم 1918 سنة 57 مدني عابدين وعلى ما هو ثابت بحكمها المودع الحافظة 6 دوسيه من ملف الدعوى الابتدائية أنه دس مخالصة بمبلغ 250 ج مؤرخة 19/ 4/ 1957 على الدائنة له السيدة بولي دينا ليفي دي نترابون، فإن مثله لا يستبعد عليه مخاتلة المستأنف عليها وخداعها بمثل هذه المظاهر البراقة حتى يصل إلى غرضه منها بالاستيلاء على بعض أموالها، وقد علم بثرائها فطوعت له نفسه سوءاً وأحكم شراكه حولها حتى أوقعها في براثنه… وأنه لما تقدم وقد ثبت لدى المحكمة أن المستأنف عليه قد حصل على توقيع المستأنفة على ورقة على بياض بطريق الغش والحيلة فإن طريقة إثبات تزوير بيانات السند المطعون عليه أصبحت طليقة ويجوز إثبات ذلك بالقرائن وشواهد الحال" وهذا الذي قرره الحكم وأقام عليه قضاءه لا مخالفة فيه للقانون، ويتفق مع الثابت في الأوراق، ويتضمن الرد على ما أثاره الطاعن من دفاع، ذلك أنه وإن كان الأصل في الأوراق الموقعة على بياض أن تغيير الحقيقة فيها ممن استؤمن عليها هو نوع من خيانة الأمانة، ويرجع في إثباته إلى القواعد العامة، إلا أنه يخرج عن هذا الأصل حالة ما إذا كان من استولى على الورقة قد حصل عليها خلسة أو نتيجة غش أو طرق احتيالية أو بأية طريقة أخرى خلاف التسليم الاختياري فعندئذٍ يعد تغيير الحقيقة فيها تزويراً يجوز إثباته بكافة الطرق. إذ كان ذلك وكانت المطعون عليها قد تمسكن أمام محكمة الموضوع بأن الطاعن حصل على توقيعها على بياض بطريق الحيلة، وكان الحكم قد استظهر الوقائع التي استخلص منها الغش والحيلة، وأحصى الشواهد والبيانات على أن الطاعن قد خدع المطعون عليها واستوقعها على بياض على الأوراق التي أشار إليها بتفانيه في خدمتها، وإغراقه في أداء ما هو غير ملزم بأدائه لها من الأعمال التي عددها، والتي سلم الطاعن ببعضها عند استجوابه أمام محكمة أول درجة وعلى الأخص تحرير قائمة بأثاث المسكن المؤجر للأمريكي، وصرفه مبلغ الـ 600 ج موضوع الشيك الصادر له من المفوضية الاسترالية والذي ظهرته له وسلمته إليه بدون إيصال، وكانت هذه القرائن سائغة تحتملها ظروف الدعوى وتتفق مع أوراقها، وكان لقاضي الموضوع السلطة التامة في استخلاص توافر عناصر الغش من وقائع الدعوى وتقرير ما يثبت به هذا الغش وما لا يثبت دون رقابة عليه من محكمة النقض في ذلك ما دامت الوقائع تسمح به، كما هو الحال في هذه الدعوى، وكان ما يثيره الطاعن في الوجه الثاني لا يعدو أن يكون جدلاً في تقدير المحكمة للأدلة وترجيح بينة على أخرى بما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض، وكانت محكمة الموضوع غير ملزمة بالتحدث في حكمها عن كل قرينة من القرائن غير القانونية التي يدلي بها الخصوم استدلالاً على دعواهم عن طريق الاستنباط، كما أنها غير مكلفة بأن تورد كل حجج الخصوم وتفندها طالما أنها أقامت قضاءها على ما يكفي لحمله، إذ في قيام الحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليها التعليل الضمني لإطراح هذه القرائن فإن النعي على الحكم في هذا السبب يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى في السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والقصور في التسبيب من وجوه (أولها) أن الحكم أحال في بيان القرائن الدالة على تزوير السند بطريق الاصطناع إلى ما ساقته المطعون عليها في هذا الخصوص مع أنها قد تناقضت فيما قررته بالنسبة لنوع الأوراق التي وقعت عليها وعددها والغرض من التوقيع، كما أنها بعد ادعائها بالتوقيع على يمين الورقة عادت وذكرت أنها اكتفت بكتابة اسمها، وتناقضت كذلك فيما قررته بشأن نقل العداد والدافع إليه وهل كان لحسابها هي أم لحساب الأمريكي، ومن ثم فإن الحكم يكون قد استند إلى قرائن متناقضة مما يعيبه بالقصور (وثانيها) أن القرائن التي استخلصها الحكم من تحرير السند على نصف فرخ من الورق وكتابة عباراته بالحبر العادي وبخط الطاعن وكتابة التوقيع بالحبر الجاف وإلى أقصى يمين الورقة وغير متصل بعبارة المقرة بما فيه على خلاف الإيصالين المؤرخين 20/ 12/ 1960، 18/ 2/ 1961 والتي استخلص منها أن التوقيع لم يكن في مكانه الأصولي، وكان لسبب آخر هو تقديم طلب لجهة الإدارة، خالف بعضها الثابت في الأوراق وشاب البعض الآخر منها الفساد في الاستخلاص، إذ حرر السند على ورقة بلوكنوت كما قررت المطعون عليها في استجوابها أمام المحكمة لا على ورقة من أوراق المفوضية الاسترالية كما ذهب إلى ذلك الحكم، وكتبت الإيصالات الأربعة الصادرة من المطعون عليها للطاعن وللمفوضية على النحو الذي كتب به السند المطعون فيه، فاختلف فيها حبر الصلب عن حبر التوقيع، وجاء توقيع المطعون عليها بعد كلمة المستلمة بفاصل قليل، ولم يكن التوقيع إلى أقصى اليمين بل إلى الوسط منحرف إلى اليمين قليلاً ولقد كان في استطاعته أن يوائم بين مكان التوقيع وانتهاء العبارة لو كتبها بعد التوقيع، فضلاً عن أن الاستناد إلى مكان التوقيع غير مجد لأن في اعتراف المطعون عليها بالتوقيع ما يفيد إقرارها ببيانات الورقة، ولقد أغفل الحكم واقعة جوهرية هي كتابة التاريخ بخط المطعون عليها مع أنها نفت وضع تاريخ على الورقتين اللتين وقعت عليهما لتحرير قائمة منقولات مسكن المفوضية الاسترالية، مما يدل على أن وضع التاريخ كان جوهرياً قصد به تحديد تاريخ السند لتحديد المهلة المحددة للوفاء (وثالثها) أن ما قرره الحكم من أن جسامة المبلغ وتمرس الطاعن بشئون الحياة وحرصه على أخذ إيصالات منها بكل ما يسلمه إليها من المستأجرين كانت تقتضي أن يطلب منها تحرير السند بخطها أو يجعله باسم زوجته التي كتب كل شيء باسمها أو أن يستوقع عليه شاهداً من أهله أو من أهلها أو يخطر به أخاه كل هذه قرائن لا تؤدي إلى النتيجة التي خلص إليها الحكم لأن التزامها بالمبلغ راجع إلى توقيعها على السند الذي لم تنكره، ومن ثم فإن التحدي بعدم تحرير السند باسم زوجة الطاعن أو بعدم توقيع شاهد عليه يكون غير مجد، بل إن في عدم تمامه على هذا النحو ما يدل على فساد ما ذهب إليه الحكم، إذ لم يكن من العسير عليه أن يملأ بيانات السند باسم زوجته ويستوقع عليه الشهود بعد توقيعها عليه، وليس في مبادرة المطعون عليها بالشكوى إثر التنبيه عليها بالوفاء وإنذارها الطاعن، ثم الطعن على السند بالتزوير ما يدل على سلامة موقفها أو يترتب عليه حتماً النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
وحيث إن هذا النعي مردود في جملته، ذلك أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه في هذا الخصوص على قوله "… إن الدعوى حافلة بالقرائن الدالة على تزوير السند المطعون عليه بطريق الاصطناع وهي تلك التي ساقتها المستأنفة والتي سبق الإشارة إليها وتطمئن إليها المحكمة، وبخاصة أنه ظاهر من مطالعة السند المذكور أنه حرر على نصف فرخ ورق وعبارته كلها بخط المستأنف عليه وبالحبر العادي بينما جاء توقيع المستأنفة بالحبر الجاف في أقصى يمين الورقة ولم يكن متصلاً بنهاية عباراته وهي كلمات "المقرة بما فيه" مما يدل دلالة صريحة واضحة على أن هذا السند لم يحرر بمناسبة عقد قرض في مجلس العقد وإلا لجاءت إمضاء المستأنفة أسفل عبارة "المقرة بما فيه" وهو ما جرى عليه عادة المستأنف في معاملاته مع المستأنفة إذ أنه استوقعها الإيصال المؤرخ 20/ 12/ 1960 بمبلغ 161 ج و600 م وجاء توقيعها أسفل عبارة المستلمة، وكانت في يسار الورقة وإلى الوسط قليلاً، وكذلك الإيصال المؤرخ 18/ 2/ 1961 بمبلغ 610 ج وكان توقيعها أسفل عبارة المستلمة وكانت في أقصى يسار الورقة، ولهذه الدلالة أبلغ الأثر في اقتناع المحكمة بعدم صحة هذا السند وتزوير بياناته، إذ ظاهر أن التوقيع على السند المطعون عليه لم يأت طبيعياً وفي مكانه الأصولي، وإنما كان لسبب آخر هو تقديم طلب لجهة الإنارة فلم تحفل المستأنفة بأن توقع على بياض في أي مكان بالورقة قبل ملء فراغها، ولا محل لما دفع به المستأنف عليه هذه الواقعة من كونه لم يلحظ مكان التوقيع وقت تحرير السند ودفع قيمة القرض أو أن القانون لم يشترط مكاناً معيناً لوضع الإمضاء على السند، ذلك أن المحكمة وهي في سبيل استظهار حقيقة السند لها الأخذ بالدلالة المستمدة من هذا التوقيع وموضعه، لا باعتباره من أركان هذا الالتزام، بل كونه أمارة من أمارات كذب الإقرار الوارد بالسند، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن جسامة المبلغ المقترض وهو ثلاثة آلاف جنيه كما يدعي المستأنف عليه تتطلب مزيداً من الحذر والحيطة عند إبرام عقد القرض، وهو الشخص المتمرس على الأعمال، والذي كان يحتاط لنفسه من المستأنفة بأن يأخذ عليها إيصالات باستلامها الأجرة من المستأجرين بوساطته بمبلغ يتراوح من 160 ج إلى 600 ج، فإن طبيعة الأمور لو كان هذا القرض سليماً أن يطلب من المستأنفة تحرير بياناته بخط يدها ما دامت أنها كما يقول طلبت إليه أن يظل أمر هذا القرض سراً بينهما، أو على الأقل وقد ذهب في دفاعه في سبيل التدليل على ميسرته وملاءته على أنه كان يودع مبالغ كبيرة باسم زوجته…. بدفتر توفير لها ببنك بور سعيد وأنه كتب باسمها جميع ممتلكاته من سيارات وثلاجات وعقد إيجار مكتب السمسرة أن يجعل هذا السند بالمبلغ الكبير باسم زوجته، أو يشهد عليه أحداً من أهله أو أهل المستأنفة طالما أن القرض ليس بعمل شائن حتى كان يتفادى في القليل الطعن على صحته، أما وأن السند بالدين محرر بخط المستأنف عليه وبمداد يخالف المكتوب به صلبه، وتوقيع المستأنفة يأتي بعيداً عن نهاية عبارات صلبه وبلا شهود وباسمه، ودون أن يعلم أخوه ميشيل شريكه في المكتب بهذا القرض، وقد سئل فنفى علمه به، كلها أمارات ودلائل على صدق ما قالت به المستأنفة من تزوير هذا السند، وبخاصة فإن مبادرتها بالشكوى لنيابة قصر النيل عند الإنذار في 4 يوليو سنة 1961، ثم الرد عليه بإنذار معارض ثم برفع دعوى التزوير الأصلية ليدل على اطمئنانها لسلامة موقفها، وهذا ليس بموقف الشخص المتجني…." وهي قرائن سائغة تكفي لحمل قضائه. إذ كان ذلك وكان من المقرر أنه متى اعتمد الحكم على قرائن متساندة تكمل بعضها بعضاًً وتؤدي إلى ما انتهى إليه فإنه لا يجوز مناقشة كل قرينة على حدة لإثبات عدم كفايتها في ذاتها للإثبات وكانت القرينة المستمدة من وضع التاريخ على السند غير قاطعة في أن الهدف منه تحديد المهلة المحددة للوفاء، وكانت المحكمة غير ملزمة بأن تورد كل حجج الخصوم وتفندها استقلالاً طالما أنها بينت الحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليلها فإن النعي بهذا السبب يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى في السبب الثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والإخلال بالدفاع والقصور في التسبيب، ذلك أن الحكم قد قضى في النزاع من جانب واحد، والتفت عن أوجه دفاعه مكتفياً في شأنها بكلمة مجملة عامة هي أنها كلها مدحوضة بدفاع المطعون عليها، ولم يقصد بها الطاعن إلا التحلل من المأزق الذي وقع فيه بسبب فعلته، وأن المحكمة لا تقتنع بهذه القرائن وهي غير ملزمة بتتبعها والرد عليها، مع أنه لو كان للمطعون عليها دفاع واحد ثبتت عليه وأقامت عليه دليلاً أو قرينة لصح من باب التجوز ألا يلتفت الحكم لدفاعه، إلا أن الأمر كان على خلاف ذلك، فأهمل الحكم أموراً جوهرية وردت في دفاعه الذي حرص علي إبرازه فيما سبق.
وحيث إن هذا النعي غير مقبول، ذلك أنه لا يقبل من الطاعن التحدي بعبارة مجملة مبهمة بأن الحكم المطعون فيه أغفل الرد على دفاعه دون أن يكشف في تقرير الطعن عن العيب المنسوب إلى الحكم وموضعه منه وأثره في قضائه.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض الطعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات