الطعن رقم 638 لسنة 31 ق – جلسة 30 /10 /1961
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الثالث – السنة 12 – صـ 852
جلسة 30 من أكتوبر سنة 1961
برياسة السيد محمود ابراهيم اسماعيل نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة: محمد عبد السلام، وعبد الحليم البيطاش، وأديب نصر حنين، ومختار مصطفى رضوان المستشارين.
الطعن رقم 638 لسنة 31 القضائية
(أ) إكراه الموظف العمومى. رشوة. عقوبة.
جريمة المادة 109 عقوبات. ليس فيها معنى الإتجار بالوظيفة. اختلاف عناصرها فى جريمة
الرشوة. المقصود من إعطائها حكم الرشوة: هو من حيث العقوبة المقيدة للحرية دون عقوبة
الغرامة.
(ب) إكراه الموظف العمومى.
القصد الجنائى. انصراف غرض المتهم إلى منع المجنى عليه من أداء وظيفته. مثال.
(جـ) نقض. "أثر الطعن".
الخروج عن قاعدة نسبية أثر الطعن بسبب اتصال العيب الذى شاب الحكم بغير من قبل طعنه
شكلا. نقض الحكم أيضا بالنسبة لمن لم يقدم أسبابا لطعنه. المادة 42 من القانون 57 لسنة
1959. مثال. نقض الحكم جزئيا تصحيحا للعقوبة الخطأ المحكوم بها.
( د) إثبات. حكم "تسبيبه". جرح وضرب.
التقارير الطبية. صحة الاستناد إليها فى إثبات التهمة كدليل مؤيد لأقوال الشهود.
1 – جرى قضاء محكمة النقض على أن الجريمة المنصوص عليها فى المادة 109 من قانون العقوبات
المعدل بالقانون رقم 69 لسنة 1953 ليس فيها معنى الاتجار بالوظيفة وتختلف فى عناصرها
عن جريمة الرشوة، وإذا كان الشارع قد أعطاها حكم الرشوة فإن مراده بأن يكون ذلك من
حيث العقوبة المقيدة للحرية دون عقوبة الغرامة التى قصد بها أن تكون مقابل الإتجار
فى الوظيفة أو إفساد ذمة الموظف، ويؤكد هذا النظر ما تنص عليه المادة 103 من أن الغرامة
لا تزيد على ما أعطى أو وعد به – وهنا لا وعد ولا عطية.
2 – إذا كان الحكم قد استظهر استظهارا سليما من ظروف الواقعة أن غرض المتهم انصرف إلى
منع المجنى عليهما من أداء وظيفتهما وضبط أحد المهربين لبضائع جمركية، فإن الجناية
المنصوص عليها فى المادة 109 من قانون العقوبات تكون متوافرة.
3 – متى كان الحكم المطعون فيه قد أخطأ فى تطبيق القانون خطأ يتصل بالطاعنين، إذ وقع
عليهما عقوبة الغرامة، فإنه يتعين نقض الحكم فى هذا الخصوص واستبعاد عقوبة الغرامة
المحكوم بها على الطاعنين ولو أن أولهما لم يقدم أسبابا لطعنه – عملا بالمادة 42 من
القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.
4 – التقارير الطبية وإن كانت لا تدل بذاتها على نسبة إحداث الإصابات للمتهم، إلا أنها
تصح كدليل مؤيد لأقوال الشهود فى هذا الخصوص، فلا يعيب الحكم استناده إليها.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة كلا من آخرين والطاعنين – وكانا المتهمين الثانى والثالث – بأنهم استعملوا القوة والعنف فى حق موظفين عموميين هما من قوة حرس جمرك بور سعيد ليحصلوا على اجتنابهما أداء عمل من أعمال وظيفتهما وذلك بأن قاوم المتهم الأول المجنى عليه الأول عندما استوقفه لاشتباهه فى أمر تهريب منقولات من داخل الدائرة الجمركية وأخذ يسحبه لمنعه من تأدية عمله حتى وصل إلى مقهى المتهم الرابع حيث اعتدى باقى المتهمين من الثانى إلى الرابع عليه وعلى زميله المجنى عليه الثانى فأحدثوا بهما الإصابات الموضحة بالتقرير الطبى وذلك بقصد منعهما من القبض على المتهم الأول متلبسا بتهريب سجاير من الدائرة الجمركية ومساعدته على الهرب وإخفاء ما كان يحمله من ممنوعات. وطلبت معاقبتهم بالمواد 104 و 107 مكرر و 109 و 111 و 145 من قانون العقوبات المعدل بالقانون رقم 69 لسنة 1953. ومحكمة الجنايات قضت حضوريا عملا بالمواد 103 و 104 و 109 و 111 من قانون العقوبات مع تطبيق المادة 17 من ذات القانون بالنسبة للمتهمين الثانى والثالث والمادتين 304/ 1 و 381/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة للمتهمين الأول والرابع بمعاقبة كل من المتهمين الثانى والثالث "الطاعنين" بالسجن لمدة ثلاث سنوات وبتغريمها مبلغ ألفى جنيه عن التهمة المسندة إليهما فى هذا الحكم بطريق النقض، ولم يقدم الطاعن الأول أسبابا لطعنه… الخ.
المحكمة
من حيث إن الطاعن الأول وإن قرر بالطعن فى الميعاد إلا أنه لم يقدم
أسبابا فيكون طعنه غير مقبول شكلا.
وحيث إن طعن الطاعن الثانى قد استوفى الشكل المقرر فى القانون.
وحيث إنه يبنى طعنه على أن الحكم المطعون فيه جاء مشوبا بخطأ الإسناد والقصور، ذلك
أن المحكمة لم تفرق بين مركزى المتهمين فى نسبة الإتهام إلى كل منهم مع أن أقوال الشهود
لا تستأهل ثقة المحكمة لأن الصاغ محمود عبد الحى لم ير واقعة المقاومة ولا يستفاد من
الكشف الطبى نسبة الإصابات إلى المتهمين وبالنسبة للمتهم حسن العمرى "الطاعن الثانى"
قضت المحكمة بإدانته على أساس شهادة مختار أحمد حسن العسكرى بأنه اعتدى عليه وقاومه
والثابت من أقواله فى النيابة وفى محضر الجلسة أنه لم يعتد عليه، أما جذب البندقية
فكان عندما هدد العسكرى بإطلاق بندقيته فلم يكن تصرف المتهم إلا لدرء ضرر بليغ وأغفلت
المحكمة شهادة اليوزباشى منير الألفى الذى حضر عقب الحادثة ولم يخبره العسكرى المجنى
عليه أن أحدا اعتدى عليه، ذلك إلى أن ما وقع من المتهم لم يكن مقاومة منه للعسكرى وإنما
كان دفاعا عن النفس إذ هدد هذا الأخير الموجودين بأن يطلق النار من بندقيته فمن حق
المتهم أن يدفع هذا الخطر ولا سيما وأنه أمين على لمقهى التى وقع الحادث بها ولم يتعرض
الحكم لهذه الواقعة، أما الإصابات التى وصفها الكشف الطبى فكانت من رواد المقهى ولم
تكن نتيجة مقاومة المتهم أو اعتداء وقع منه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى فى قوله "إن الجنديين مختار أحمد حسن وسعدان
محمد أحمد من قوة حرس الجمرك ببور سعيد كانا فى يوم 31/ 7/ 1958 يتوليان الحراسة عند
الباب رقم 15 بجمرك بور سعيد وفى حوالى الساعة السابعة من مساء اليوم المذكور أقبل
بعض جنود شرطة قسم الميناء خارجين من الباب فأخذ مختار أحمد حسن يراقبهم أثناء مرورهم
به خشية أن يكون مع أحدهم بضائع مهربة من الرسوم الجمركية ولاحظ أن الساق اليسرى للمتهم
الأول فتح الله أحمد أبو العز وكان من بين هؤلاء الجنود منتفخة كما شاهد انتفاخا بملابسه
عند الجزء الأوسط من جسمه فاشتبه فى أمره وناداه طالبا إليه أن يصحبه إلى الحجرة الخاصة
بالتفتيش بالجمرك فلم يستجب إليه وأسرع الخطى فتبعه غير أنه لم يلحق به وتمكن المتهم
المذكور من الوصول إلى مقهى تقع بشارع سعد زغلول وتسمى مقهى باب الخلق ودخل إليها ولما
بلغ مختار أحمد حسن هذه المقهى تصدى له المتهمان الثانى والثالث فائق عبد اللطيف الملا
وحسن مسعد العمرى وأمسك الأول ببندقيته وبعنقه كما أمسك الثانى الذى حاول أخذ بندقيته
منه عنوة غير أنه لم يمكنه من ذلك وضربه المتهم فائق عبد اللطيف بيده على شفته العليا
وعلى صدره وبقدمه فى ساقيه وأوقعه على الأرض ثم أقبل الجندى سعدان محمد أحمد ودخل إلى
المقهى ليقبض على المتهم الأول فتعرض له المتهمان الثانى والثالث وضرباه وأحدثا به
بعض الإصابات وبعد ذلك نهض مختار أحمد حسن وجرى فى الطريق ووضع "طلقة فشنك" فى بندقيته
وأطلقها فى الهواء ثم أقبلت سيارة بوليس النجدة وأمره قائدها بالتوجه إلى منطقة حراسته
فامتثل لأمره…" ودلل الحكم على ثبوت الواقعة فى حق الطاعنين بشهادة المجنى عليهما
الجنديين مختار أحمد حسن وسعدان محمد أحمد والصاغ محمود عبد الحى والتقارير الطبية،
وسجل شهادة الأول بما مؤداه أن الطاعن الأول ضربه بقدمه فى ساقيه وبيده فى شفته كما
ضربه فى صدره وأوقعه على الأرض وأن الطاعن الثانى حاول عنوة انتزاع بندقيته وسجل الحكم
شهادة الثانى بأن الطاعنين ضرباه وأحدثا به إصبات كما سجل الحكم شهادة الثالث بما مجمله
أنه سمع صوت عيار نارى فبعث بمخبرين لتحرى السبب وعادوا بعد قليل بالطاعن الأول ففتشه
وضبط معه صندوق سجاير لم يحصل عليها الرسم الجمركى، وانتهى الحكم فى هذه الأدلة إلى
أن الطاعنين تصديا للجنديين المجنى عليهما وقاوماهما واعتديا عليهما اعتداء أحدث بهما
إصابات وقصد بذلك أن يحولا بينهما وبين أداء عمل من أعمال وظيفتهما بصفتهما من جنود
حرس الجمارك وهو ضبط فتح الله أحمد أبو العز لتهريبه سجاير من داخل الدائرة الجمركية
– لما كان ذلك، وكان الحكم قد استخلص واقعة الدعوى بما تتوافر به عناصر الجناية التى
دان بها الطاعن الثانى وأورد على ثبوتها فى حقه أدلة سائغة تؤدى إلى ما رتبه عليها
وكان يبين من مطالعة محضر الجلسة أن ما سجله الحكم عن شهادة الجنديين المجنى عليهما
يتفق وما شهدا به أمام المحكمة وكان الحكم قد استند إلى شهادة الضابط محمود عبد الحى
كدليل على صحة الواقعة فى ذاتها بما يكمل شهادة المجنى عليهما فلا يعيب الحكم استناده
إليها ولو أنها لا تنصب مباشرة على الطاعن الثانى: وكانت المحكمة غير ملزمة باستظهار
شهادة اليوزباشى منير الألفى أو غيرها من الشهادات طالما أنها اطمأنت إلى ثبوت الواقعة
من الأدلة لأخرى التى ساقتها بما يفيد أنها لم تر لزوما لتناول ما عداها. ولما كانت
وقائع المقاومة التى أسندها الحكم إلى الطاعن الثانى وهى محاولته جذب بندقية أحد المجنى
عليهما وضربه المجنى عليه الثانى وقد أثبتها الحكم من شهادة الشهود ومن نتيجة الكشف
الطبى التى أوردها وهو ما يكفى لتوافر العنصر المادى للجناية المنصوص عليها فى المادة
109 من قانون العقوبات. وكان الحكم قد استظهر استظهارا سليما من ظروف الواقعة أن غرض
هذا الطاعن انصرف إلى منع المجنى عليهما من أداء وظيفتهما وضبط أحد المهربين لبضائع
جمركية. ولما كانت التقارير الطبية وإن كانت لا تدل بذاتها على نسبة إحداث الإصابات
للمتهم إلا أنها تصح كدليل مؤيد لأقوال الشهود فى هذا الخصوص فلا يعيب الحكم استناده
إليها. ولما كان يبين من مطالعة محضر الجلسة أن الطاعن الثانى لم يدفع بقيام حالة الدفاع
الشرعى عن النفس أو عن المال وكانت الواقعة كما استخلصها الحكم لا ترشح لقيام هذه الحالة
بما لم يكن معه ثمة موجب للتعرض لها. ولما كان ما يثيره الطاعن فيما عدا ما تقدم لا
يخرج عن كونه جدلا فى تقدير أدلة الثبوت التى اطمأنت إليها المحكمة فى حدود سلطتها
التقديرية. لما كان ما تقدم، فإن طعن الطاعن الثانى يكون قائما على غير أساس متعينا
رفضه موضوعا.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الجريمة المنصوص عليها فى المادة 109 من قانون
العقوبات المعدل بالقانون رقم 69 لسنة 1953 ليس فيها معنى الإتجار بالوظيفة وتختلف
فى عناصرها عن جريمة الرشوة، وإن كان المشرع قد أعطاها حكم الرشوة إلا أن مراده أن
يكون ذلك من حيث العقوبة المقيدة للحرية دون عقوبة الغرامة التى قصد بها أن تكون مقابل
الإتجار بالوظيفة أو إفساد ذمة الموظف، ويؤكد هذا النظر أن المادة 103 نصت على أن الغرامة
لا تزيد على ما أعطى أو وعد به وهنا لا وعد ولا عطية. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون
فيه قد أخطأ فى تأويل القانون خطأ يتصل بالطاعنين إذ وقع عليهما عقوبة الغرامة بما
ترى المحكمة إعمالا لنص المادة 42 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات
الطعن أمام محكمة النقض نقض الحكم فى هذا الخصوص واستبعاد عقوبة الغرامة التى وقعها
على الطاعنين.
