الطعن رقم 673 سنة 9 ق – جلسة 27 /03 /1939
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 500
جلسة 27 مارس سنة 1939
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمود المرجوشي باشا ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك المستشارين.
القضية رقم 673 سنة 9 القضائية
دفاع. تولي مدافع واحد أو هيئة دفاع واحدة المدافعة عن متهمين متعارضة
مصلحتهم. متى لا يكون ذلك إخلالاً بحق الدفاع؟
إنه وإن كان من الواجب قانوناً على المحكمة ألا تقبل أن يتولى مدافع واحد أو هيئة دفاع
واحدة المدافعة عن متهمين في جريمة مطروحة أمامها في حالة تعارض مصلحتهم في الدفاع
تعارضاً من شأنه ألا يهيئ للمدافع الواحد الحرّية الكاملة في تفنيد ما يقرره أي المتهمين
ضدّ الآخر بحيث إذا أغفلت مراعاة ذلك فإنها تخل بحق الدفاع إخلالاً يبطل حكمها، إلا
أنه إذا كان الثابت أن هيئة الدفاع، رغم تقدّمها للمحكمة على أساس المدافعة عن جميع
المتهمين بغير تخصيص، قد عنيت بتقسيم الدفاع عن المتهمين فتولى منها مساعدة كل متهم
غير من تولى مساعدة المتهم الآخر، ومحص كل فريق منها الأدلة القائمة على كل متهم اختص
بالدفاع عنه بما في ذلك ما قاله غيره من المتهمين عليه، ففي هذه الصورة تكون مظنة حرج
المحامي في المدافعة عن مصلحتين متعارضتين منتفية في الواقع. وما دام كل متهم قد أخذ
حقه في الدفاع وأتيح له أن يتناول بكامل الحرّية تفنيد ما أسنده زميله إليه فقد انهار
كل أساس يقوم عليه القول بحصول إخلال بحق الدفاع.
المحكمة
وحيث إن الطاعنين ينعيان على المحكمة بالوجه الأوّل من أوجه الطعن
أنها أخلت بحق دفاعهما. وفي بيان ذلك يقولان أن أوّلهما اعترف بالجناية المسندة إليه
وقال إن ثانيهما شاركه في مقارفتها، ولما كان الثاني ينكر ما نسب إليه فإن هذا كان
يقتضي أن يدافع عن كل منهما مدافع خاص به. ولكن المحكمة قبلت أن يدافع عنهما محاميان
تولى كل منهما الدفاع عن الاثنين معاً.
وحيث إنه وإن كان من الواجب قانوناً على المحكمة أن لا تقبل أن يتولى مدافع واحد أو
هيئة دفاع واحدة المدافعة أمامها عن متهمين في جريمة مطروحة أمامها في حالة تعارض مصلحتهم
في الدفاع تعارضاً من شأنه ألا يهيئ للدفاع الواحد الحرية الكاملة في تفنيد ما يقرره
أي المتهمين ضد الآخر، وأنها إذا أغفلت مراعاة ذلك فإنها تخل بحق الدفاع إخلالاً يبطل
حكمها، إلا أنه إذا كان الثابت أن هيئة الدفاع رغم تقدّمها للمحكمة على أساس المدافعة
عن جميع المتهمين بغير تخصيص فإنها في الواقع قد عنيت بتقسيم الدفاع عن المتهمين، فتولى
منها مساعدة كل متهم غير من تولى مساعدة المتهم الآخر، وفحص كل من هيئتي الدفاع الأدلة
القائمة على كل متهم اختصت بالدفاع عنه بما في ذلك ما قاله غيره من المتهمين عليه،
فإن مظنة حرج المحامي في المدافعة عن مصلحتين متعارضتين تكون منتفية في الواقع. وما
دام كل متهم قد أخذ حقه في الدفاع الذي تناول بكامل الحرّية تفنيد ما أسنده زميله إليه
فقد انهار كل أساس يقوم عليه القول بحصول إخلال بحق الدفاع.
وحيث إنه يبين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن الأول ذكر أمام المحكمة
أنه لم ير الطاعن الثاني وقت الحادثة إلا بعد أن انتهت، وأنكر سابق قوله عنه بأنه أخبره
أنه يظاهره فيها. أما الطاعن الثاني فأنكر ما نسب إليه وقال إنه ذهب إلى مكان الحادثة
فوجد الطاعن الأوّل والمجني عليه يتضاربان بالسلاح فأصيب منهما، وذكر أنه قذف بكرسي
وقتئذ على الناس. وقد حضر أمام محكمة الجنايات للدفاع عن المتهمين كل من حنا بشوت أفندي
وعبد المنعم خالد أفندي المحاميين. وقال أوّلهما في مرافعته أن السكين الصغيرة كانت
مع المجني عليه ولم يكن مع المتهم الثاني (الطاعن الثاني) شيء، وإن سبق الإصرار غير
متوفر في الدعوى، وإن المجني عليه نفسه قرر بأن السكين الصغيرة لم تكن مع المتهم الثاني
بل مع شخص آخر. وانتهى إلى أن طلب للمتهم الأول الرأفة والثاني البراءة. أما المحامي
الثاني فقد اكتفى بالقول أنه ينضم لزميله في الدفاع عن المتهم الأول، ثم أفاض في الدفاع
عن المتهم الثاني قائلاً بأنه لم يقدّم دليل بأنه اشترك في الجريمة أو علم بما كان
الأول ينتويه، وإنه يجب أن يؤخذ بأقوال المجني عليه لأنه أقدر على معرفة ما وقع عليه،
وأقواله تتنافى مع أقوال الشهود الذين قرروا بأن المتهمين ضربا المجني عليه بالسكاكين،
وأن المتهم الأول قد تخبط في أقواله، ولكنه قطع بأن الثاني ما كان يعلم بنيته، والمتهم
الثاني ما كان ينتوي القتل ولم تكن معه سكين بل قال إنه ألقى بالكرسي فأصاب المجني
عليه، وخلص إلى طلب البراءة للمتهم الثاني.
وحيث إنه يتضح مما تقدّم أنه وإن كان المحاميان قد ذكرا أنهما حضرا مع المتهمين الاثنين
معاً إلا أنهما في الواقع قد قسما الدفاع عن المتهمين فيما بينهما وتولى كل منهما المدافعة
عن متهم، وفند المحامي عن المتهم الثاني (الطاعن الثاني) الدليل المستمد من أقوال المتهم
الأوّل (الطاعن الأوّل) عليه. فلا تثريب إذاً على المحكمة إذ هي اعتبرت أن كل متهم
قد أخذ قسطه كاملاً من الدفاع. وما دام الطاعنان لا يدعيان في وجه الطعن بأن هيئة الدفاع
التي اختاراها هما للمدافعة عنهما قد تحرّجت فقصرت في الإدلاء بحجة مما كان يجب الإدلاء
به في مصلحة أحدهما أو كليهما تعين القول بأن لا إخلال بحق الدفاع فيما وقع من المحكمة
مما يأخذه الطاعنان عليها.
وحيث إن مبنى باقي أوجه الطعن أن بالحكم المطعون فيه قصوراً يعيبه لأنه أثبت أن الطاعن
الثاني طعن المجني عليه بسكين في حين أن المجني عليه قرر في التحقيقات قبل وفاته أن
الطاعن المذكور ضربه بالكرسي، وأن آخر هو الذي ضربه بالسكين، كما أثبت أن الطاعن الأول
ضرب المجني عليه بسكين كبيرة واشترك معه الطاعن الثاني دون أن يبين نوع الاعتداء الذي
وقع من هذا الثاني أو وجه اشتراكه مع الأول. وقال أيضاً أن الثاني اعترف أمام مأمور
القسم باعتدائه على المجني عليه مع أن الثابت أن هذا الاعتراف لم يتضمن إلا الضرب بالكرسي
لا بالسكين. ومثل هذا الضرب لا يعدّ شروعاً في قتل كما ذهب إليه الحكم. وفضلاً عن ذلك
فقد تمسك الدفاع بأقوال المجني عليه – تلك الأقوال الصريحة في أن الطاعن الثاني ضربه
بالكرسي لا بالسكين، وهي حاسمة في نفي تهمة الشروع في القتل. ومع ذلك لم ترد المحكمة
على هذا الدفاع، واعتمدت في إدانة الطاعن الثاني على أقوال شهود غير المجني عليه مع
أن الظروف التي وقعت فيها الحادثة تجعل لأقوال المجني عليه الاعتبار الأوّل وتفضلها
عن سائر الشهادات الأخرى.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أدان الطاعنين على أساس أنهما شرعا في قتل المجني عليه عمداً
بأن طعناه بسكينتين جملة مرات قاصدين قتله فأصاباه بالإصابات الموضحة بالكشف الطبي
وكان ذلك مع سبق الإصرار. وأثبت عليهما توافر نية القتل من اعتراف الطاعن الأوّل على
نفسه وعلى المتهم الثاني بأنه كان ينتوي بفعلته قتل المجني عليه، ومن استعمال الطاعنين
لآلات قاتلة هما المديتان المضبوطتان وطعنهما بهما المجني عليه في مواضع خطرة من جسمه
وهي الرأس والصدر والظهر. كما أثبت عليهما توافر سبق الإصرار من أقوال الطاعن الأوّل
الصريحة أمام النيابة بأنه حضر خصيصاً للقاهرة وراء المجني عليه مصراً على قتله، وأنه
اشترى السكين لتنفيذ نيته، وأنه تذاكر مع الطاعن الثاني في هذا الصدد فوعده بالاشتراك
والمساعدة. وقد أورد الحكم الواقعة الجنائية التي قارفها الطاعنان على حسب ما حصلته
المحكمة من التحقيقات التي أجريت في الدعوى فقال: إنه منذ شهرين قبل هذه الحادثة قام
شجار بين أسرتي المجني عليه والمتهمين (الطاعنين) أسفر عن إصابة ابن عمهم الذي توفى
قبل هذه الحادثة بأربعة أيام واتهم المجني عليه في إصابته، فترك المجني عليه البلد
وحضر إلى القاهرة، فحضر المتهم الأوّل (الطاعن الأوّل) في إثره بقصد الانتقام لابن
عمه منه، إلى أن كان يوم الحادثة قصد المجني عليه إلى مقهى فشاهد المتهمين جالسين خارجها،
فجلس هو بداخلها، ففاجأه المتهمان بعدّة طعنات الأوّل من سكين طويلة والثاني من سكين
أقصر من الأولى في مواضع قتالة من جسمه، فروّع الجالسون على القهوة وأبلغ البوليس.
ثم بيّن الحكم الأدلة التي استظهر منها هذه الواقعة الجنائية، واستند في أن الطاعن
الثاني باشر طعن المجني عليه بالسكين هو والطاعن الأوّل إلى ما شهد به أحد شهود الإثبات
من أنه رآه يطعن المجني عليه بالسكين، وإلى ما وجد في يده من أثر جرح قطعي من سكين،
وإلى ما ذكره العسكري من أنه رآه ممسكاً بالمجني عليه ليمكن زميله الطاعن الأوّل من
متابعة طعنه بالسكين. ولما كانت هذه المقدّمات التي استند إليها الحكم تبرر النتيجة
التي استخلصها منها فلا تثريب على الحكم من هذه الناحية. أما كون المجني عليه قد ذكر
في التحقيق قبل وفاته أن الطاعن الثاني لم يضربه بسكين فإن المحكمة لم تذكر أن المجني
عليه قال ما يخالف ذلك، ولكنها ذكرت أنه قال إن الطاعن الثاني اشترك في الاعتداء عليه،
وهذا ما لا ينكره هذا الطاعن الذي يزعم أنه اعتدى حقيقة ولكن بالكرسي لا بالسكين. وفيما
خلصت إليه المحكمة من أن الطاعن الثاني باشر طعن المجني عليه بالسكين ما يفيد أنها
لم تأخذ بكل ما قيل في التحقيق أو أثير أمامها مخالفاً لهذا الذي ذهبت إليه. وإذاً
فلا مطعن على الحكم من هذه الناحية أيضاً. على أن الحكم قد أفاض في بيان الأدلة التي
استخلص منها اتفاق الطاعن الثاني مع الطاعن الأوّل على مقارفة الجناية التي وقعت ومساعدته
إياه في ارتكابها مع علمه بها، إذ أثبت عليه أنه انتوى مع الطاعن الأوّل قتل المجني
عليه فاتفق الاثنان معاً، وأصرا على ذلك، وذهبا سوياً لتنفيذها حيث كان المجني عليه.
وفيما أثبته الحكم على هذا النحو ما تنتفي معه أية مصلحة للطاعن الثاني من التمسك بما
يثيره في وجه الطعن من أنه لم يضرب المجني عليه بالسكين، وأن الحكم أخطأ في إدانته
على هذا الأساس. ذلك لأن ما أثبته من الوقائع التي لا يجادل هذا الطاعن فيها يجعله
شريكاً للطاعن الأوّل في جناية القتل العمد مع سبق الإصرار بطريق الاتفاق والمساعدة.
والعقوبة التي وقعت عليه تدخل في حدود العقوبة المقرّرة لجريمة الاشتراك في القتل.
