الطعن رقم 44 سنة 9 ق – جلسة 27 /02 /1939
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 465
جلسة 27 فبراير سنة 1939
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمود المرجوشي باشا ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك المستشارين.
القضية رقم 44 سنة 9 القضائية
نصب. ادعاءات كاذبة. متى تعتبر من الطرق الاحتيالية المعاقب عليها؟
سند غير صحيح ممهور بتوقيع للمدين وشخص آخر. تقديمه إلى الدائن وإيهامه بصحته والاستيلاء
على السند الصحيح منه. نصب.
(المادة 293 ع = 336)
إنه وإن كانت جريمة النصب لا تتحقق بمجرّد الأقوال والادعاءات الكاذبة، مهما بالغ قائلها
في توكيد صحتها حتى تأثر بها المجني عليه، لأن القانون يوجب دائماً أن يكون الكذب مصحوباً
بأعمال مادية خارجية تحمل المجني عليه على الاعتقاد بصحته، إلا أنه يدخل في عداد الأعمال
الخارجية التي يتطلب القانون توافرها ليكون الكذب من الطرق الاحتيالية المعاقب عليها
استعانة الجاني في تدعيم مزاعمه بأوراق أو مكاتيب متى كان ظاهرها يفيد أنها صادرة من
الغير بغض النظر عما إذا كان لهذا الغير وجود أم لا. فإذا كانت الواقعة التي أثبتها
الحكم واعتبرها مكوّنة لجريمة النصب هي أن المتهم تقدّم إلى دائنه بسند مزوّر ممهور
بتوقيعه وتوقيع شخص آخر، وأوهمه بصحة هذا السند وبأنه حرر بأصل الدين والفوائد ليحل
محل السند الأصلي الذي تحت يده هو، وحصل منه بهذه الطريقة على السند الصحيح – فهذا
الحكم لا يكون مخطئاً لأن ما وقع من المتهم لم يكن مجرّد كذب غير معاقب عليه، بل هو
من الطرق الاحتيالية المكوّنة لجريمة النصب، إذ الكذب الذي أثر به على المجني عليه
حتى استولى منه على السند الصحيح كان مقروناً بعمل آخر خارجي هو السند الذي تقدّم به
إليه على اعتبار أنه صحيح وكان التوقيع المنسوب لزميله عليه شاهداً له من غيره أقنع
المجني عليه بصحة الواقعة المزعومة.
المحكمة
وحيث إن الطاعنين ينعيان بوجهي الطعن المقدّمين منهما على الحكم
المطعون فيه: (أوّلاً) أنه أخطأ في تأويل القانون الذي طبقه على الواقعة الثابتة به
لأنه أسس إدانتهما على أن وقائع الدعوى تكوّن طريقة الاحتيال بإيهام المجني عليهما
بوجود واقعة مزوّرة. ولما كان القانون يشترط لتحقق هذه الطريقة أن يكون الجاني قد استعمل
طرقاً وأساليب احتيالية بأفعال خارجية لأن جريمة النصب لا تتكوّن من مجرّد الأقوال
والادعاءات الكاذبة مهما بولغ في تأكيدها، ولما كانت ظروف الدعوى – حسبما أثبتها الحكم
– لا تحتوي على تدابير من هذا القبيل بل كانت مجرّد ادعاءات كاذبة، لذلك وجب القول
بخطأ الحكم فيما ذهب إليه. ولا يبرره القول بأن الطاعنين استعانا بمكاتيب وأوراق أخرى
هي السندان المزوّران، لأن الكذب الذي يرتفع إلى درجة الاحتيال هو الذي يستعان فيه
بمكاتيب وأوراق صادرة للمتهم من أشخاص آخرين حقيقيين كانوا أم خياليين. أما الأوراق
الصادرة من المتهم نفسه فليس لها من القوّة أكثر مما لأقواله الشفوية. (ثانياً) لم
يوضح الحكم الطرق الاحتيالية التي تنطبق عليها المادة 293 من قانون العقوبات القديم
التي طبقها على الواقعة وليس فيه ما يفيد إن كانت هذه الطرق سابقة على الاستيلاء على
المال بحيث لولاها لما حصل التسليم أو أنها كانت لاحقة على التسليم. والواقع أن شرط
رابطة السببية بين الطريقة التي استعملها الطاعنان وبين التسليم غير متوافرة في الدعوى،
لأنه يلزم أن تكون الطرق الاحتيالية سابقة على التسليم، وأن تكون السبب المباشر له؛
والثابت من الوقائع أن وقت استلام المبلغ المقترض لم يستعمل الطاعنان أي احتيال إذ
كتبا وقتذاك كمبيالتين صحيحتين، وإن استبدال هاتين الكمبيالتين بالسندين المزوّرين
لم يحصل إلا بعد هذا التسليم بمدّة طويلة. ومتى تقرر ذلك كانت طرق الاحتيال قد وقعت
بعد دفع المبلغ فلا جريمة ولا عقاب.
وحيث إنه وإن كانت جريمة النصب لا تتحقق بمجرّد الأقوال والادعاءات الكاذبة – مهما
بالغ قائلها في توكيد صحتها حتى تأثر بها المجني عليه – لأن القانون يوجب دائماً أن
يكون الكذب مصحوباً بأعمال مادية خارجية تحمل المجني عليه على الاعتقاد بصحته، إلا
أنه يدخل في عداد الأعمال الخارجية التي يتطلب القانون توافرها ليكون الكذب من الطرق
الاحتيالية المعاقب عليها استعانة الجاني في تدعيم مزاعمه بأوراق أو مكاتيب متى كان
الظاهر منها أنها صادرة من الغير بغض النظر عما إذا كان لهذا الغير وجود أم لا.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أدان الطاعنين بالمادة 293 من قانون العقوبات القديم على
اعتبار أن الأوّل اشترك بالاتفاق والمساعدة مع الثاني الفاعل الأصلي في جريمة النصب
التي أثبتها عليهما، وذكر الواقعة الجنائية المكوّنة لها، وهي أن الطاعن الثاني في
يوم 30 مارس سنة 1934 ببلدة كفر قرشوم مركز تلا توصل بطريق النصب والاحتيال إلى الاستيلاء
على سندين صحيحين من المدعيين بالحق المدني بأن أوهمهما بوجود واقعة مزوّرة في صورة
واقعة صحيحة، وتوصل بذلك إلى الاستيلاء على السندين الصحيحين، والواقعة المزوّرة هي
أنه سلم لهما سندين مزورين واستلم منهما السندين الصحيحين بدلهما.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أثبت على الطاعن الثاني – الفاعل الأصلي في الجريمة – أنه
تقدّم لأحد دائنيه (المدّعي بالحق المدني) بالسندين المزوّرين وعلى كل منهما توقيع
باسمه وباسم الطاعن الأوّل، وأوهمه بصحتهما وبأنهما حررا بأصل الدين والفوائد ليحلا
مكان السندين الأصليين، وحصل منه بهذه الطريقة على السندين الصحيحين.
وحيث إن الحكم إذ أدان الطاعنين على الواقعة التي أثبتها لم يخطئ في شيء. لأن ما وقع
من الطاعن الثاني لم يكن مجرّد كذب غير معاقب عليه، بل هو من الطرق الاحتيالية التي
تتكوّن منها جريمة النصب لأن الكذب الذي أثر به على المجني عليه حتى استولى منه على
السندين الصحيحين كان مقروناً بعمل آخر خارجي، أي بالسندين اللذين تقدّم بهما إليه
على اعتبار أنهما صحيحان، وكان التوقيع المنسوب للطاعن الأوّل على كل منهما معه شاهداً
له أقنع المجني عليه بصحة الواقعة المزعومة. ومتى تقرّر ذلك كان ما يزعمه الطاعنان
بوجه الطعن من أن الواقعة التي أدينا من أجلها لا عقاب عليها أو أن الحكم أغفل بيان
الطرق الاحتيالية لا أساس له.
وحيث إن ما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه في الشق الأخير من طعنهما من أنه
لم يبين إن كان التسليم قد حصل من المجني عليه بعامل الطرق الاحتيالية التي يجب أن
تكون سابقة على هذا التسليم، وما يقولانه من أن التسليم في الواقع كان سابقاً على الطرق
الاحتيالية لأن مبلغ الدين سلم من المجني عليهما لهما قبل واقعة تسليم السندين المزوّرين
بمدّة طويلة – كل ذلك غير صحيح، لأن الحكم غاية في الدلالة على أن السندين الصحيحين
هما المال الذي سلب من المجني عليهما بطريق النصب، وأن تسليم هذين السندين لم يكن إلا
بسبب ما ادعاه الطاعن الثاني مستعيناً بالسندين المزوّرين، أما مبلغ الدين فقد سلم
للطاعنين حقاً قبل واقعة النصب التي قال الحكم بأن موضوعها السندان المثبتان له لا
المبلغ ذاته.
