الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 43 سنة 9 ق – جلسة 05 /12 /1938 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 376

جلسة 5 ديسمبر سنة 1938

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك ونجيب مرقس بك المستشارين.


القضية رقم 43 سنة 9 القضائية

وقف التنفيذ:
( أ ) الحكم بوقف التنفيذ. حكمته. شروطه. خلق شرط من عند القاضي. لا يجوز. مثال.
(ب) الحكم بوقف التنفيذ. متى يبتدئ؟ التغيير في مدته المنصوص عليها قانوناً. لا يجوز. مثال.
(المادة 52 ع = 55 و56)
(حـ) ظروف مخففة. مناط اعتبارها.
(المادة 17 ع)
1 – إن الحكم بوقف التنفيذ لا يكون إلا لتحقيق مصلحة اجتماعية هي إصلاح حال المحكوم عليه وتمهيد السبيل لعدم عودته إلى ارتكاب الجرائم. ولذلك نصت المادة 55 من قانون العقوبات على أن شروط وقف التنفيذ فيما يتعلق بالجاني هي أن يكون له من أخلاقه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون. فإذا رأى القاضي من الظرف المتقدّمة أن الجاني الذي ارتكب جناية أو جنحة سوف يقلع عن ارتكاب الجرائم، جاز له الحكم بوقف تنفيذ العقوبة التي قضى بها عليه بشرط أن يبين أسباب ذلك. أما إذا رأى أنه غير قابل للإصلاح فيجب عليه ألا يقف تنفيذ العقوبة. ولا يجوز له أن يخرج عن الشروط التي وضعها القانون للحكم بوقف التنفيذ بل يجب عليه أن يلتزم حدودها. فالحكم الذي يعلق وقف تنفيذ العقوبة على شرط أن يعيد المتهم الطفل المخطوف إلى والدته الحاضنة له يكون قد خالف القانون من ناحية تجاوزه سلطته بخلقه من عنده شرطاً لوقف التنفيذ لم ينص عليه القانون ولا يمت بصلة مّا إلى الغرض الذي قصد الشارع تحقيقه من وقف التنفيذ، فضلاً عن مخالفته لما يجب على القاضي أن يراعيه، عند الحكم بوقف التنفيذ، من النظر إلى ظروف الدعوى كما هي معروضة على المحكمة وعدم بناء قضائه بذلك على واقعة مستقبلة.
2 – ما دام القانون قد حدّد مدّة معينة لوقف التنفيذ فلا يملك القاضي أن يغير فيها بالزيادة أو بالنقص. فلا يجوز أن يحكم بوقف التنفيذ لمدة خمس سنوات تبتدئ من يوم صدور الحكم على ألا ينفذ مقتضى هذا الحكم إلا إذا أعاد المحكوم عليه الطفل إلى حاضنته، فإن هذا يقتضي أن تكون مدة الوقف أقل من خمس سنين، لأن المدة المقررة في القانون هي خمس سنوات تبتدئ من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً.
3 – إن استعمال الرأفة لا يبنى إلا على الحقائق المستمدة من الوقائع التي تثبت لدى المحكمة وقت الحكم ولا يجوز أن يبنى على واقعة مستقبلة.


المحكمة

من حيث إن وجه الطعن المقدّم من النيابة يتحصل في أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون وتأويله فيما قضى به من تعليق إيقاف تنفيذ العقوبة على شرط إعادة الطفل المخطوف. ومقتضى هذا الحكم أن تنفذ عقوبة الحبس من تاريخ صدوره، وفي اليوم الذي يعود فيه الطفل المخطوف يوقف تنفيذها. والقضاء على هذه الصورة مخالف لنصوص القانون بشأن الشروط التي يجب توافرها للحكم بإيقاف التنفيذ، فليس للقاضي أن يضع شرطاً من عنده يعلق عليه إيقاف التنفيذ لأنه بذلك يتجاوز سلطته. وتضيف النيابة مقدّمة الطعن أن في منح إيقاف التنفيذ أو منعه يجب على القاضي أن لا ينظر إلا لظروف الدعوى كما هي معروضة عليه، وبما أن الحكم المطعون فيه أثبت أن حالة القضية الراهنة لا تبرر إيقاف التنفيذ فلا محل للقضاء به.
وحيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يبين أنه استند في تعليق إيقاف التنفيذ على شرط إعادة الطفل المخطوف إلى الأسباب الآتية: (أوّلاً) أن المادة 56 عقوبات نصت على أن الأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة لمدة خمس سنين تبتدئ من اليوم الذي يصبح فيه الحكم نهائياً. فإذا كان من سلطة المحكمة إيقاف تنفيذ العقوبة من تاريخ صدور الحكم النهائي فإن من البداهة أن يكون لها هذا الحق من أي تاريخ بعد صدور الحكم اتباعاً لقاعدة من يملك الأكثر يملك الأقل. (ثانياً) أنها راعت في إصدار حكمها على هذا النحو مصلحة المتهم حتى يستفيد من استعمال الرأفة إذا ما رد الطفل. (ثالثاً) إن مشروع قانون العقوبات الجديد كان قد نص على مبدأ جواز تعليق إيقاف التنفيذ على شرط، إذ جاء في المادة 56 منه أنه إذا كانت حالة المحكوم عليه تمكنه من أداء التضمينات المالية المحكوم بها لمن أصابه ضرر من الجريمة ومن دفع المصاريف جاز تعليق إيقاف تنفيذها على أدائها في أجل معين. وهو مبدأ سليم في ذاته بالرغم من أنه ألغي. (رابعاً) أنه ليس في القانون نص يمنع من إيقاف تنفيذ العقوبة على شرط معين طالما أن ذلك في مصلحة المتهم وتحقيق العدالة.
ومن حيث إن الحكم بإيقاف التنفيذ لا يكون إلا لتحقيق مصلحة عامة، هي إصلاح حال المحكوم عليه وتمهيد السبيل لعدم عودته إلى ارتكاب الجرائم. ولذلك نصت المادة 55 من قانون العقوبات على أن شروط إيقاف التنفيذ فيما يتعلق بالجاني هي: أن يكون له من أخلاقه، أو ماضيه، أو سنه، أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة، ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون. فإذا رأى القاضي من الظروف المتقدّمة أن الجاني الذي ارتكب جناية أو جنحة سوف يقلع عن ارتكاب الجرائم، جاز له الحكم بإيقاف تنفيذ العقوبة التي قضى بها عليه بشرط أن يبين أسباب ذلك في الحكم. أما إذا رأى أنه غير قابل للإصلاح، وجب عليه أن لا يوقف تنفيذ العقوبة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه جاء صريحاً في أن المتهم لا يستحق أن يتمتع بإيقاف تنفيذ العقوبة في الحالة الراهنة. ومؤدّى ذلك أن المحكمة لم تر من حالته وظروف الدعوى ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى ارتكاب الجرائم فكان يتعين عليها قانوناً أن لا تأمر بإيقاف التنفيذ. أما وهي قد أوقفته على شرط إعادة الطفل الذي خطفه، فقد أخطأت في تطبيق القانون لأن ردّ الطفل بعد الحكم لا يمت بصلة إلى الغرض الذي قصد الشارع تحقيقه من إيقاف التنفيذ.
وحيث إن استناد المحكمة في إيقاف التنفيذ على شرط إعادة الطفل إلى أن مدّة الخمس سنين المقرّرة لإيقاف التنفيذ تبتدئ دائماً من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً، وما دام القانون أجاز للقاضي إيقاف التنفيذ لهذه المدة محسوبة من هذا التاريخ فمن باب أولى يكون للقاضي أن يوقف التنفيذ لمدة أقل على أساس استبعاد المدة من تاريخ الحكم وتاريخ إرجاع الطفل – هذا الاستناد باطل الأساس لأنه ما دام القانون حدّد مدة معينة لإيقاف التنفيذ، فلا يملك القاضي أن يغير فيها بالنقص أو الزيادة.
وحيث إن استناد المحكمة في قضائها إلى أنها راعت في إصدار حكمها على هذا النحو مصلحة المتهم حتى يستفيد من استعمال الرأفة إذا ما رد الطفل، فهو استناد مخالف للقانون لأن استعمال الرأفة لا يبنى إلا على الحقائق المستمدة من الوقائع الثابتة أمام المحكمة وقت الحكم، ولا يجوز أن يبنى على واقعة مستقبلة.
وحيث إن استشهاد الحكم بالمادة 56 من مشروع قانون العقوبات الحالي بشأن إيقاف التنفيذ على شرط أداء التضمينات المدنية لا يؤيد وجهة نظره بل هو يؤدي إلى عكس ما قصده منها، لأن المادة المذكورة كانت معروضة على السلطة التشريعية فلم تقرّها، وقالت لجنة الحقانية بمجلس النوّاب بهذا الصدد "إن تعليق إيقاف التنفيذ على دفع المحكوم عليه التضمينات المالية المقضى بها لمن أصابه ضرر من الجريمة فيه خلط بين الحقوق العامة والحقوق الخاصة ولا يجوز أن يعلق إيقاف تنفيذ حكم على دفع التضمينات لأن للمحكوم له طريقاً آخر رسمه القانون للحصول عليها، خصوصاً لأن إيقاف التنفيذ له حكمة خاصة، فاتباع الطريق الذي رسمته المادة 56 يخالف الحكمة التي قصدها المشروع ليكون أساساً للحكم بإيقاف التنفيذ". وهذا صريح في الدلالة على أنه لا يجوز إيقاف التنفيذ إلا للأسباب التي بينها القانون في المادة 55 منه كما تقدّم بيانه.
وحيث إن قول الحكم أخيراً إنه ليس في القانون نص يمنع من إيقاف التنفيذ على شرط معين مردود، لأن الأصل أن تنفذ العقوبات المحكوم بها، والإيقاف استثناء لا يجوز القياس عليه. وقد بيّن القانون الشروط التي يجب توافرها للحكم بإيقاف التنفيذ، فليس للقاضي أن يخرج عنها بل يجب عليه أن يلتزم حدودها.
وحيث إنه لذلك يتعين قبول طعن النيابة موضوعاً ونقض الحكم المطعون فيه فيما قضى به من إيقاف التنفيذ.
(عن التقرير الأوّل المقدّم من المحكوم عليه):
من حيث إن مبنى الوجه الأوّل من هذا التقرير أن الحكم المطعون فيه استنتج الدليل على اشتراك الطاعن مع أخيه الفاعل الأصلي في جريمة الخطف من وقائع ذكرها لا تنتج عقلاً هذا الدليل.
وحيث إن الحكم المطعون فيه دلل على اشتراك الطاعن في الجريمة بأن قال: "حيث إن ظروف الدعوى وملابساتها والقرائن التي أحاطت بها تنادي بأن المتهم الثاني (الطاعن) كان شريكاً مع أخيه في ارتكاب الجريمة وأنهما كانا متفقين معاً على ارتكابها فاستغل المتهم الثاني حقه الذي يخوّله له الحكم في استلام الولد من والدته لتسليمه لأبيه ليسهل للمتهم الأوّل ارتكاب الجريمة، ويمكنه من خطف الولد والسفر به إلى الخارج. وحيث إنه لا يجوز عقلاً أن يعتزم المتهم الأوّل السفر ويدفع له والده بدل الاقتراع ليسهل له الحصول على جواز السفر ثم ينقل غرفة نومه من المنزل ويبيعها وأخيراً يأخذ ملابسه وأمتعته ولا يترك شيئاً منها بالمنزل ويجري هذا كله بدون أن يعلم به المتهم الثاني الذي يقيم مع أخيه المتهم الأول في منزل واحد. وحيث إن المتهم الثاني قدّم أثناء التحقيق خطاباً ادعى أنه وصله من أخيه وهو مرسل من الإسكندرية وإليها ويقول فيه أنه سافر لمصر. ووجود هذا الخطاب تحت يد المتهم الثاني وإرساله بهذه الصيغة وقبيل السفر إلى الخارج يدل على الاتفاق بين الاثنين". وهذا الذي أثبته الحكم يؤدي إلى النتيجة التي استخلصها منها وهي اشتراك الطاعن في الجريمة. ولما كان هذا الاستخلاص موضوعياً فلا يجوز الجدل فيه أمام محكمة النقض.
وحيث إن مبنى الوجه الثاني أن محكمة ثاني درجة أخطأت في سرد الوقائع إذ قالت إن العلاقة كانت وثيقة بين الأخوين بدليل أن المتهم الطاعن تدخل لمصلحة أخيه مع المدعو ماسولا الذي أراد أن يقدّم بلاغاً ضدّه يتهمه بالنصب فأقنعه الطاعن بالعدول ووعده بتسديد المبلغ. وهذه واقعة غير صحيحة لأن ماسولا لم يسأل في التحقيق، وأن الطاعن علم من المجني عليها بمسألة ماسولا وسأله عنها فأخبره بها ولكنه لم يطلب منه التريث ولم يعده برد المبلغ.
وحيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يبين أنه لم يستند في التدليل على وجود علاقة وثيقة بين الأخوين إلى تدخل الطاعن لدى ماسولا فقط بل على إقامتهما معاً في منزل واحد إذ جاء فيه "إنه ثبت من التحقيق وجود علاقة وثيقة بين الأخوين إذ كانا يقيمان معاً بمنزل واحد كما أن المتهم تداخل لمصلحة أخيه مع المدعو ماسولا الذي أراد تقديم بلاغ ضد أخيه المتهم الهارب متهماً إياه بالنصب فأقنعه المتهم بالتريث والانتظار ووعده بتسديد المبلغ". على أن عدم سؤال ماسولا عن هذه الواقعة لا يمنع محكمة الموضوع من أن تأخذ بها من شهادة المجني عليها إذا ما اقتنعت بصحتها. وقد قرر الطاعن بجلسة المحاكمة أمام محكمة أول درجة أنه مسلم بأقوالها في التحقيقات ولم يعترض عليها ولم يطلب من المحكمة سماع شهادة ماسولا لدحضها. ومن ثم يكون هذا الوجه على غير أساس.
وحيث إن مؤدى الوجه الثالث أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق القانون بتعليق وقف التنفيذ على شرط قيام الطاعن برد الطفل المخطوف. وقد تقدّم الرد على هذا الموضوع عند بحث طعن النيابة ولا محل لمجاراة الطاعن فيما يطلبه من نقض الحكم برمته لهذا السبب، لأن الحكم المطعون فيه لم يخطئ إلا في قضائه بوقف التنفيذ أما ما عدا ذلك فقد جاء سليماً من كل شائبة.
وحيث إن الوجه الرابع لا يخرج عن مؤدى الوجه الأول الذي سبق الرد عليه.
(عن التقرير الثاني):
من حيث إن الوجهين الأوّل والثاني من الأوجه الواردة في هذا التقرير خاصان بوقف التنفيذ وقد تقدّم الكلام عنه.
وحيث إن مبنى الوجه الثالث أن حكم محكمة ثاني درجة أخذ بأسباب الحكم الابتدائي ولكنه لم يبين السبب في أخذه بها.
وحيث إن معنى قول محكمة ثاني درجة إنها أخذت بالأسباب التي بني عليها الحكم المستأنف أنها اقتنعت بها وجعلتها أسباباً لها. وهذا كاف في التسبيب ما دامت الأسباب التي أخذت بها المحكمة تؤدي إلى النتيجة التي استخلصتها.
وحيث إن مبنى الوجه الخامس أن الحكم المطعون فيه لم يبين سبب الحكم بالتعويض ووجه الضرر، وفي هذا قصور يعيبه ويوجب نقضه.
وحيث إنه بالرجوع إلى حكم محكمة أول درجة الذي أخذ الحكم المطعون فيه بأسبابه يبين أنه أثبت أن المتهمين أقدما بدون شفقة ولا رحمة على خطف طفل صغير لم يتجاوز الحول الثاني من عمره من أحضان والدته وحرمانه منها على غير ذنب جناه والتطويح به في مكان غير معلوم وتعذيب والدته هذا العذاب النفساني الأليم الذي تشعر به الأم عند فقد صغيرها، ويزيد في تعذيبها أنها لا تعرف له مقراً وماذا فعلت به الأقدار. ثم أثبت الحكم أن التعويض المطلوب غير مبالغ فيه للأسباب المذكورة. وفي هذا التفصيل الجلي البيان الكافي للضرر خلافاً لما يزعمه الطاعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات