الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 2360 سنة 8 ق – جلسة 21 /11 /1938 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 352

جلسة 21 نوفمبر سنة 1938

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وأحمد مختار بك وسيد مصطفى بك المستشارين.


القضية رقم 2360 سنة 8 القضائية

اختلاس أشياء محجوزة:
( أ ) أموال محجوز عليها قضائياً أو إدارياً. اختلاسها. صحة الحجز. ليس شرطاً في العقاب. حجز مشوب بما يبطله. جواز العقاب.
(ب) مالك. الحجز على أمتعته خطأ بسبب دين على شخص آخر. اختلاسه هذه الأمتعة. عقابه. حماية الحجز.
(حـ) علم المتهم بقيام الحجز. ثبوته بأية طريقة من الطرق.
(د) تبديد الأشياء المحجوزة. لا يشترط. سلبها أو نقلها أو إخفاؤها لعرقلة التنفيذ. عدم تقديمها للمأمور المكلف ببيعها. كفايته.
(المواد 280 و296 و297 ع = 323 و341 و342)
1 – لا يشترط للعقاب على جريمة اختلاس الأموال المحجوزة قضائياً أو إدارياً أن يقع الحجز صحيحاً مستوفياً لكل الشرائط القانونية، بل يصح العقاب عليها ولو كان الحجز مشوباً بما يبطله ما دام لم يقض ببطلانه قبل وقوع الاختلاس.
2 – إن النصوص التي أوردها قانون العقوبات للعقاب على جريمة اختلاس الأشياء المحجوزة صريحة في أخذها بالجزاء على السواء المختلس المالك وغير المالك للأمتعة المحجوزة، وهي غير مقتصرة على وقوع الاختلاس من المدين المحجوز على أمتعته فقط. كما يستفاد ذلك بوضوح من المذكرة الإيضاحية التي وضعتها وزارة الحقانية لقانون العقوبات الصادرة في سنة 1904 (مادة 280) التي يظهر منها أن الشارع قصد إلى أن يجعل من جنحة اختلاس الأشياء المحجوزة جريمة من نوع خاص قوامها في كل الأحوال الاعتداء على السلطة العمومية التي أوقعت الحجز قضائية كانت أو إدارية. والغرض من العقاب فيها هو إيجاب احترام أوامر السلطة المذكورة. ومن ثم يتحتم القول بوجوب عقاب من يختلس متاعه المحجوز عليه خطأ بسبب دين على شخص آخر متى كان عالماً بوقوع الحجز. ولا يمكن أن يشفع له أنه لم يرد بعمله هذا مساعدة المدين المحجوز على ماله، وأنه أراد استرداد ملكه، أو أنه لا ضرر على الدائن من هذا العمل لعدم تعلق حقه بغير مال مدينه – ذلك لأن في أخذ المالك حقه بنفسه، وفي اختلاسه متاعه مع علمه بتوقيع الحجز عليه، مخالفة صريحة لواجب الاحترام الذي يقتضيه الحجز واعتداءً ظاهراً على السلطة التي أوقعته. ولا يقلل من قدر هذه المخالفة وهذا الاعتداء القول بانتفاء الضرر عن الدائن لأن العقاب لم يشرع في الواقع لحمايته أو حماية حقوقه، بل إنه إنما شرع لحماية الحجز من حيث هو احتراماً للجهة العامة التي أجرته ليكون ملزماً للكافة في شأن الأموال المحجوزة.
3 – إنه وإن كان يجب لتوقيع العقاب في جريمة اختلاس الأشياء المحجوزة أن يثبت علم المتهم بقيام الحجز إلا أنه لا يتحتم أن يكون هذا العلم قد حصل بإعلان رسمي، بل يكفي ثبوت حصوله بأية طريقة من الطرق.
4 – إن القانون لا يشترط في اختلاس الأشياء المحجوزة أن يبدّدها المتهم أو يتصرف فيها، بل يكفي أن يثبت أنه سلبها أو نقلها أو أخفاها لعرقلة التنفيذ ولم يقدّمها للمأمور المكلف ببيعها بعد حجزها.


المحكمة

وحيث إن محصل الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن الطاعن دفع أمام المحكمة ببطلان الحجز لوقوعه على ملكه وهو لم يكن مديناً للحاجز، ولا حارساً على المحجوزات، فلم ترد المحكمة الاستئنافية على هذا الدفع، وكل ما ذكرته أن القانون يجيز تحصيل مطلوبات بنك التسليف بواسطة الحجز الإداري، مع أن هذا لم يكن محل خلاف ولا اعتراض. أما رد المحكمة الجزئية على هذا الدفع بأن الحجز واجب الاحترام ما دام لم يصدر حكم بإلغائه فغير سديد. لأنه لا ضرورة لرفع دعوى استرداد للحصول على حكم بإلغاء الحجز ما دامت المحكمة الجنائية مكلفة وهي تنظر دعوى الاختلاس أن تبحث هذه النقطة وقد بحثتها فعلاً في الحكم الابتدائي إذ قالت إنه ثابت من محضر الحجز وأقوال الشهود أن المتهم هو الذي زرع القمح المحجوز عليه. ويقول الطاعن إن عدم الرد على دفاعه، أو الرد عليه بالصورة المتقدّمة يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إنه لا يشترط للعقاب على جريمة اختلاس الأموال المحجوزة قضائياً أو إدارياً أن يقع الحجز صحيحاً مستوفياً لكل الشرائط القانونية، بل تصح المحاكمة عليها ولو كان الحجز مشوباً بما يبطله ما دام لم يقض ببطلانه قبل وقوع الاختلاس.
وحيث إن إدانة الطاعن لا تستند إلى شيء مما جاء بالحكم الابتدائي لأن الحكم الاستئنافي المطعون فيه لم يتخذ أسباب الحكم الابتدائي أسباباً له فلا محل إذاً للمناقشة فيما جاء بوجه الطعن متعلقاً بما جاء في حكم محكمة أوّل درجة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه إذ عرض للدفع المشار إليه بوجه الطعن قال "ومن حيث إنه فيما يختص ببطلان الحجز فالثابت من القانون رقم 50 لسنة 1930 الخاص بإنشاء بنك التسليف (مادة 7) إن تحصيل المبالغ المطلوبة للبنك يكون بطريق الحجز الإداري طبقاً لأحكام الأمر العالي الصادر في 25 مارس سنة 1880.
وحيث إنه فيما يختص بملكية المتهم للزراعة فهذا لا يمنع توقيع الحجز عليها لأن الزراعة واقعة في أرض ملك المدين والزراعة والأرض ضامنة للسلفة".
وحيث إنه لا تجدي الطاعن المناقشة التي يثيرها بوجه الطعن بشأن صحة أو كفاية ما ذكره الحكم في صدد الرد على دفاعه، لأن القانون يلزمه باحترام الحجز ولو كان قد وقع باطلاً، فما كان له بأية حال أن يعتدي عليه بأخذه الحاصلات ما دام الحجز قائماً ولم يقض ببطلانه. وما كانت المحكمة بملزمة قانوناً بالرد على دفاع الطاعن هذا، لأن مسئوليته الجنائية لا تتأثر به سواء كان صحيحاً أو غير صحيح.
وحيث إن مبنى الوجه الثاني أن الطاعن دفع أمام المحكمة بأنه مالك للزراعة المحجوزة فلا مسئولية عليه لعدم مديونيته للحاجز. وقد ردت المحكمة الاستئنافية على هذا بأن ملكيته للزراعة لا تمنع من توقيع الحجز عليها لأن الزراعة نتجت من أرض مملوكة لمدين البنك الحاجز فهي إذاً ضامنة مع الأرض للسلفة التي أقرضها البنك، وبأنه ليس للمتهم بصريح نص المادة 280 من قانون العقوبات أن يستولي على المحجوز ولو كان ملكه إلا إذا كان حسن النية. ويقول الطاعن إن هذا الذي ذهبت إليه المحكمة تفسيراً للمادة المذكورة خطأ لأنه من المقرّر أن لا عقاب على من يختلس ملكه المحجوز خطأ بسبب دين على شخص آخر ضمن أملاك هذا الشخص. وقد صدرت من المحاكم أحكام تؤكد هذا النظر الذي أيده بعض رجال القانون في مؤلفات شرح القانون المصري. أما قول المحكمة بأن الأرض والزراعة ضامنتان للسلفة فهو قول غير سديد، لأن السلفة مأخوذة لزراعة قطن والذي حجز عليه هو زراعة قمح وليس للبنك الحاجز أي امتياز على الأرض بل امتيازه ينحصر في أن المبالغ التي يقرضها لنفقات الزراعة مضمونة بحق امتياز يجئ في الترتيب مع الامتياز المقرّر بالفقرة 4 من المادة 601 من القانون المدني وينفذ على الثمن الناتج من بيع محصول السنة التي عقدت القروض وتمت المشتريات فيها، والثابت هنا أن السلفة حصلت سنة 1936 والحجز توقع سنة 1937. ويزيد الطاعن على ذلك أن المحكمة لم ترد على دفاعه بأن الأرض التي توقع عليها الحجز ليست ملك والده المدين للبنك الحاجز وأنها هي ملك عباس أحمد، كما هو ثابت في القضية المدنية المضمومة، وقد تأيد ذلك بأقوال نائب العمدة والصراف والدلال ومحضر الحجز الإداري الذي قدّم بالجلسة. ويعقب الطاعن على ذلك بأن ما وقع في الحكم من الأخطاء المذكورة آنفاً، وإغفاله الرد على دفاعه يعيبه.
ومن حيث إن النصوص التي أوردها قانون العقوبات للعقاب على جريمة اختلاس الأشياء المحجوز عليها صريحة في أخذها بالجزاء على السواء المختلس المالك وغير المالك للأمتعة المحجوزة، وهي لا تقتصر على وقوع الاختلاس من المدين المحجوز على أمتعته فقط. كما يستفاد بوضوح من المذكرة الإيضاحية التي وضعتها وزارة الحقانية لقانون العقوبات في سنة 1904 (مادة 280) التي يظهر منها أن الشارع قصد إلى أن يجعل من جنحة اختلاس الأشياء المحجوزة جريمة من نوع خاص قوامها في كل الأحوال الاعتداء على السلطة العمومية التي أوقعت الحجز قضائية كانت أو إدارية، والغرض من العقاب فيها إيجاب احترام أوامر السلطة المذكورة. ومن ثم يتحتم القول بوجوب عقاب من يختلس متاعه المحجوز عليه خطأ بسبب دين على شخص آخر متى كان عالماً بوقوع الحجز. ولا يمكن أن يشفع له أنه لم يرد بعمله هذا مساعدة المدين المحجوز على ماله وأنه أراد استرداد ملكه، أو أنه لا ضرر على الدائن من هذا العمل لعدم تعلق حقه بغير مال مدينه – لا يشفع له كل ذلك لأن في أخذ المالك حقه بنفسه، وفي اختلاسه متاعه مع علمه بتوقيع الحجز عليه، مخالفة صريحة لواجب الاحترام الذي يقتضيه الحجز واعتداءً ظاهراً على السلطة التي أوقعته. ولا يقلل من قدر هذه المخالفة وهذا الاعتداء القول بانتفاء الضرر عن الدائن، لأن العقاب لم يشرع في الواقع لحمايته أو حماية حقوقه، بل أنه إنما شرع لحماية الحجز من حيث هو احتراماً للجهة العامة التي أجرته ليكون ملزماً للكافة في شأن الأموال المحجوزة.
وحيث إنه جاء بالحكم المطعون فيه في صدد الردّ على دفاع الطاعن بشأن ملكيته للزراعة المحجوزة "إن هذا لا يمنع من توقيع الحجز عليها لأن الزراعة واقعة في أرض ملك المدين، وأنها ضامنة مع الأرض للسلفة، وأنه مع التسليم بأن الزراعة ملك للمتم فليس له بصريح نص المادة 280 عقوبات أن يستولى عليها. ولا يشفع له في استيلائه عليها إلا حسن نيته. وظاهر من كل ما تقدّم أنه استولى على الزراعة بسوء النية قاصداً عدم تمكين الحكومة من استيلائها على مطلوبها قبل والده".
وحيث إنه يظهر من البيان المتقدّم أن الحكم المطعون فيه أصاب الحقيقة بتأويله القانون على الوجه الصحيح وقضائه بالعقاب على الاختلاس الواقع من المالك الغير المحجوز على أمواله والذي كان عالماً بالحجز. وأما النظر الذي يستشهد الطاعن به على براءته فلا يستقيم بحال مع نصوص القانون المصري، ولا يتفق والمصلحة التي أراد الشارع حمايتها بتقرير العقاب. ومتى تقرّر ذلك كان ما يزعمه الطاعن بوجه الطعن من نسبة الخطأ للحكم لأنه قال إن الزراعة ضامنة للسلفة مع الأرض، ولأنه لم يرد على دفاعه أن الأرض لم تكن لمدين البنك الحاجز بل هي لعباس أحمد غير مجد ولا مفيد له، لأن إدانته المبنية على الأساس المتقدّم لا تتأثر حتى لو ثبت أن الزراعة لم تكن ضامنة للسلفة وأن الأرض مملوكة لغير المدين.
وحيث إن حاصل الوجه الثالث والأخير أن الطاعن دفع بعدم علمه بتوقيع الحجز على الحاصلات، وبأنه بالتالي كان يجهل اليوم الذي تحدّد لبيع المحجوزات، فردّت عليه المحكمة بقولها إنه ما دام الحجز على والد المتهم – والحارس أخوه – فغير معقول أنه لا يعلم بيوم البيع – قالت هذا مع أن دكريتو الحجوز الإدارية بيّن الطريق الواجب اتباعها بالنسبة لإعلان المحجوز عليه. ويجب أن تبين المحكمة علاقة المتهم في جريمة الاختلاس بالحجز وهل أعلن إليه الحجز، ومتى كان الإعلان وما دليله، وأن يكون بيان ذلك أخذاً من الأوراق الرسمية. وأما ما قالته المحكمة الاستئنافية بأن الاختلاس حصل قبل يوم 31 مايو سنة 1937 أي قبل يوم البيع، وبأن لا معنى إذاً للتمسك بعدم إعلان المتهم بهذا اليوم – هذا القول لا يستند إلى أساس ولا تؤيده الوقائع الثابتة في القضية. فالبلاغ الذي حصل من الحارس هو أن الطاعن ضم زراعته ولم يقل إنه بدّدها، وإن دفاع الطاعن تأسس على أنه ضم زراعته، وأن ما ينتج منها موجود عنده ولم يبدّده. وقد أثير هذا الدفاع أمام المحكمة الاستئنافية ولم تردّ عليه، بل وافقت الطاعن بقولها في الحكم إن الحارس بلغ أن المتهم أجرى الضم بدو أمر، وأن المتهم معترف بأنه ضم الزراعة ولكنه يقول إنها زراعته. ويقول الطاعن شتان بين أن المتهم ضم زراعة نضجت بدون أن يعلم أنها محجوزة وبين أنه بدّدها، لأن التبديد لا يكون إلا عن أشياء حصل حجزها وأعلن المتهم بأنها محجوزة.
وحيث إنه وإن كان يجب لتوقيع العقاب في جريمة اختلاس الأشياء المحجوزة أن يثبت علم المتهم بقيام الحجز إلا أنه لا يتحتم أن يكون هذا العلم قد حصل بإعلان رسمي، ويكفي ثبوت حصوله بأية طريقة من الطرق.
وحيث إن القانون لا يشترط في اختلاس الأشياء المحجوزة أن يبدّدها المتهم، أو يتصرف فيها، بل يكفي أن يسلبها، أو ينقلها، أو يخفيها لعرقلة التنفيذ عليها ولا يقدّمها للمأمور المكلف ببيعها بعد حجزها.
وحيث إن الحكم المطعون فيه عرض للدفاع الذي يشير إليه الطاعن بوجه الطعن فقال إنه "فيما يختص بعلم المتهم (الطاعن) بالحجز فالثابت من أقوال أبو ضيف محمد محمود فرّاج الحارس وهو أخو المتهم قسيمة نمرة 37807 أنه أخبر أخاه بالحجز، ولم يتبين للمحكمة أن هناك ما يدعوه لاتهام أخيه باطلاً. وحيث إنه فضلاً عن ذلك فغير معقول أن يكون الحجز على والد المتهم لدين عليه والحارس أخو المتهم وهو لا يعلم بالحجز". كما ذكر الحكم أنه "فيما يختص بالقول بأنه لم يعلن بيوم البيع فالثابت أن الاختلاس حصل قبل يوم 31 مايو سنة 1937 وهو اليوم الذي بلغ فيه الحارس، والبيع محدّد له أوّل يونيه سنة 1937 أي أن الاختلاس حصل قبل يوم البيع فلا معنى للتمسك بهذا الدفع". ثم ذكر الحكم في موضع آخر أن الطاعن باستيلائه على الحاصلات المحجوزة "لم يكن حسن النية. وظاهر من كل ما تقدّم أنه استولى على الزراعة بسوء النية قاصداً عدم تمكين الحكومة من استيلائها على مطلوبها قبل والده".
وحيث إن في هذا الذي ذكره الحكم ما يدل على أن المحكمة أثبتت على الطاعن أنه كان يعلم وقت أن استولى على الحاصلات أنها محجوز عليها، ثم بيّن الأدلة التي استند إليها في ذلك. ولما كان هذا يكفي بغير حاجة لإعلان الحجز بطريق رسمي، كانت الإدانة على هذا الأساس صحيحة ولا عيب فيها. أما ما يثيره الطاعن بشأن ما ذكره الحكم عن واقعة الاختلاس وتاريخ حصولها فمردود بأن الحكم أثبت عليه أنه نقل الحاصلات من مكانها بقصد عرقلة التنفيذ عليها وكان ذلك قبل اليوم المحدّد لبيعها، وبهذا تتحقق عناصر جريمة الاختلاس التي أدين الطاعن من أجلها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات