الطعن رقم 1902 سنة 8 ق – جلسة 21 /11 /1938
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 340
جلسة 21 نوفمبر سنة 1938
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وأحمد مختار بك وسيد مصطفى بك المستشارين.
القضية رقم 1902 سنة 8 القضائية
حكم. تسبيبه. قصوره في بيان الواقعة. تخاذله في أسبابه وتناقضها.
نقض. مثال في جريمة قتل عمد. الاضطراب في التدليل على توافر ركن القصد.
إذا كان بالحكم غموض وقصور في بيان الواقعة وتخاذل وتناقض في الأسباب بحيث لا تستطيع
محكمة النقض أن تراقب صحة تطبيق القانون على حقيقة واقعة الدعوى لاضطراب العناصر التي
أوردها الحكم عنها وعدم استقرارها الاستقرار الذي يجعلها في حكم الوقائع الثابتة مما
يستحيل عليها معه أن تتعرّف على أي أساس كوّنت محكمة الموضوع عقيدتها في الدعوى كان
هذا الحكم معيباً متعيناً نقضه.
فإذا كان الحكم وهو يتحدّث عن الواقعة الجنائية قد قال إن المتهم ضرب المجني عليه بالبلطة
على رأسه أرداه قتيلاً، مما يفيد أن الضربة كانت شديدة وقاتلة بذاتها، ثم قال عند تكييفه
الواقعة التي أثبتها على المتهم إنه "قتل عمداً المجني عليه بأن ضربه على رأسه بآلة
حادة ثقيلة (بلطة) قاصداً قتله فأحدث به الجروح والإصابات الموضحة بالكشف الطبي والتي
سببت الوفاة" مما يفيد تعدّد الضربات على المجني عليه وأنها حصلت بالجزء الحاد من البلطة،
ثم نقل عن الكشف الطبي الذي اعتمد عليه ما يفيد أنه لم يقع على المجني عليه سوى ضربة
واحدة وأنها حصلت بالجزء الراض من البلطة وأنها لم تكن السبب المباشر للوفاة التي حصلت
من الاختناق بالقيء الذي حصل للمجني عليه على إثر إصابته، ثم قال في مقام التدليل على
توافر نية القتل لدى المتهم أنه استعمل آلة قاتلة هي بلطة وضرب المجني عليه بها في
مقتل من جسمه وهو الرأس ضربة شديدة أودت بحياته في الحال مما يفيد أن الضربة كانت شديدة
ومميتة بذاتها، فإن ذكر الحكم لكل هذا الذي ذكره يجعله متخاذلاً في أسبابه متناقضاً
بعضه مع بعض بحيث لا يمكن أن يعرف منه إن كانت محكمة الموضوع قد كوّنت عقيدتها في توافر
ركن قصد القتل على أساس أن المتهم ضرب المجني عليه ضربة واحدة أو أكثر من ضربة أو أنه
ضربه بنصل البلطة الحاد أم برأسها الراضة أو أن الضربة كانت شديدة وقاتلة في ذاتها
أم غير شديدة؛ وكل ذلك يعيب الحكم ويوجب بطلانه.
المحكمة
وحيث إن مبنى الوجهين الأول والثاني فيما يختص بالطاعن الثاني أن
الحكم المطعون فيه معيب لخطئه في الاستدلال ولتناقض أسبابه. وفي بيان ذلك يقول الطاعن
إن المحكمة استندت إلى رواية ولدي المجني عليه الأول حسن علي عبد العزيز في التحقيقات
وأمام المحكمة، واستخلصت منها أنهما كانا يرافقان والدهما ويرعيان الأغنام وكان المجني
عليه الثاني دياب ديب عمر يرعى بالقرب منهم، فنزلت أغنامهم في زراعة قطن للطاعن الأول،
فحضر لوالدهما ودار نقاش بينهما أدى إلى أن الطاعن المذكور ضربه بالبلطة على رأسه فوقع
قتيلاً. ثم هرب الطاعنان الأول والثاني، فتعقبهما دياب المجني عليه الثاني، فأطلق الطاعن
الثاني عليه عيارين ناريين أصابه الثاني منهما في ظهره. وهذا الذي أثبته الحكم قد يشعر
بأن شهادة هذين الشاهدين في التحقيقات متفقة مع ما شهدا به أمام المحكمة. ولكن الثابت
أن الشاهدين قررا عندما سئلا لأول مرة بالتحقيق أمام مأمور المركز أن دياب المجني عليه
الثاني أصيب في وجهه، الأمر الذي يتناقض مع الكشف الطبي. وقد تمسك الدفاع بأن الشهود
لم يروا شيئاً ولم يبلغوا إلا بعد أن مضى على الحادثة حوالي ست ساعات بدليل أنهم قالوا
أيضاً إن الطاعن الأول ضرب المجني عليه الأول بسنّ البلطة مع أنه اتضح أن إصابته رضية،
وقد جئ بالشهود المذكورين وشهدوا برؤية الحادثة كذباً ولكن المحكمة لم تلتفت إلى ذلك.
وحيث إنه جاء بمحضر جلسة المحاكمة ما يفيد أن الدفاع عن الطاعن ذكر أن الكشف الطبي
أثبت أن إصابة دياب ديب عمر من الخلف، وأن الشهود قالوا أمام المأمور إنها من الأمام،
ولم يقولوا إنها من الخلف إلا بعد أن علموا بحقيقة مجلسها بعد توقيع الكشف الطبي على
المجني عليه. وفي هذا ما يدل على أن أقوالهم غير صحيحة، وأنهم لم يحضروا الحادث ولم
يروا الجاني.
وحيث إنه يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه أدان الطاعن الثاني في جناية قتل دياب
ديب عمر بمقذوف ناري، وقد استند في ذلك إلى أدلة منها: شهادة كل من محمد حسن علي عبد
العزيز وإسماعيل حسن علي عبد العزيز، في التحقيقات وأمام المحكمة، بأنهما كانا يرافقان
والدهما في رعي الأغنام، وكان دياب ديب عمر يرعى بالقرب منهم، فنزلت أغنامهم بقطن أبي
ذهب بخيت عبيد، فحضر لوالدهما ودار نقاش بينهما أدى إلى أن أبا ذهب عنف والدهما ثم
ضربه بالبلطة على رأسه فوقع قتيلاً، وكان مع أبي ذهب خفيره إدريس إدريس جاد الرب (الطاعن)
فلما رأيا المجني عليه وقع هرباً، فتعقبهما دياب ديب عمر، فأطلق إدريس إدريس جاد الرب
عليه عيارين أصابه الثاني منهما في ظهره عند رجوعه بعد أن أخطأه الأول.
وذكر الحكم أن أقوال هذين الشاهدين تأيدت بأقوال سيد سيد عزوز الذي شهد في التحقيقات
وأمام المحكمة بأنه أبصر أبا ذهب يضرب حسن علي عبد العزيز بالبلطة فوقع على الأرض،
كما أبصر إدريس إدريس يطلق عياراً على دياب فلم يصبه، ثم أطلق عليه عياراً آخر أصابه،
كما تأيدت بشهادة كل من العمدة والخفير زهري ديب عمر وأحمد إبراهيم إسماعيل وعبد العليم
سليمان في التحقيق وبالجلسة أنه سمع في مكان الحادثة من محمد حسن أن إدريس إدريس هو
الضارب لدياب ديب عمر.
وحيث إنه ما دام الطاعن يقول بأن الرواية التي نوّه عنها بوجه الطعن صدرت من الشهود
في أول الأمر بالتحقيق أمام مأمور المركز، وما دام لهؤلاء الشهود رواية أخرى شهدوا
بها في التحقيق بعد ذلك وأصروا عليها أمام المحكمة بالجلسة، وما دامت هذه الرواية الأخيرة
تتفق وما ذكره الحكم عن الشهود – كان الحكم إذ استشهد بأقوال الشهود بالتحقيق وبالجلسة
سليماً في منطق استدلاله، بعيداً عن التناقض المدعى به. وأما سكوته عن التحدّث عما
صدر على لسان الشهود أمام مأمور المركز عند بدء التحقيق فلا يعيبه لأن لمحكمة الموضوع
كامل الحرّية في أن تأخذ برواية رواها الشاهد سواء أثناء التحقيق أو بجلسة المحاكمة
متى اطمأنت إلى صحة هذه الرواية، وأن تلتفت عن أية رواية أخرى لنفس الشاهد لا ترى تصديقها،
ولأن في تعويل المحكمة على ما أخذت به ما يفيد أنها أطرحت ما يخالفه من عناصر الإثبات
المعروضة عليها.
وحيث إن مؤدى الوجه الثالث أن بالحكم المطعون فيه قصوراً في بيان أسبابه لأنه أشار
إشارة مقتضبة إلى حصول تبليغ الحادثة من ملاحظ النقطة. ولم يشر إلى الإشارة التي أرسلها
هذا الضابط في الساعة الثامنة بعد الحادثة بأربع ساعات والتي قال فيها أنه وجد المجني
عليهما مصابين ولم يذكر فيها أسماء متهمين، وقد تمسك الدفاع بأن عدم ذكر الأسماء فيها
يدل على أن شهود الإثبات لم يروا المتهمين وقت الحادثة.
وحيث إنه جاء بمحضر جلسة المحاكمة أن الدفاع عن المتهمين (الطاعن وآخر) ذكر أن الحادثة
حصلت قبل الساعة الرابعة، وأنه لا يمكن معرفة لماذا تأخر البلاغ إلى الساعة الثامنة
مساء. وقد ذهب الضابط بنفسه إلى مكان الحادثة فوجد المعركة انتهت، وأرسل إشارة تليفونية
بأن دياب ديب وحسن عبد العزيز أصيبا، فلو كان علم بأسماء الفاعلين من ابني المجني عليه
حسن عبد العزيز لكان ذكر هذه الأسماء في الإشارة، وهذا يدل على أنهما لم يريا الفاعل
لأنهما لو كانا رأياه لكانا قالا للضابط عنه، ولكان الضابط ذكره في البلاغ.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن ذكر واقعة الدعوى وكيفية وقوع الحادثة قال إنها "قد
بلغت لملاحظ بوليس نقطة نزلة عمارة عن إصابة علي محمد عثمان وعليان محمود (وهما ممن
أصيبوا في الحادثة أيضاً) كما بلغت من ملاحظ نقطة المدمر عن قتل دياب ديب عمر وحسن
علي عبد العزيز".
وحيث إن المحكمة لم تستشهد في حكمها المطعون فيه بالبلاغ الذي قدّم عن الحادثة كدليل
من أدلة الإثبات على الطاعن، حتى كانت تطالب قانوناً بضرورة بيان ما تضمنه البلاغ تبريراً
لوجه الاستشهاد به. أما القول بإلزامها بهذا البيان لأن الطاعن أثار في دفاعه ما حواه
البلاغ لتجريح شهود الإثبات الذين صدّقهم الحكم فمردود بأن في تعويل الحكم على شهادة
هؤلاء الشهود ما يفيد، كما مر القول، أنه لم يأخذ بما قيل في مقام الاعتراض على صحة
شهادتهم من قبيل هذا الذي أثير أثناء المحاكمة.
وحيث إن حاصل الوجه الرابع والأخير أنه ليس في الحكم المطعون فيه سوى ذكر الوقائع المأخوذة
من شهادة الشهود في بعض المواضع دون البعض الآخر مع تناقض الروايات وقد قالت المحكمة
في الحكم أنه تبين من الكشف الطبي أن بالمجني عليه دياب جرحين ناريين، وأن الضارب كان
خلف المضروب وعلى يساره وفي مستوى "أوطى" منه قليلاً، ولم تفسر المحكمة ذلك لأنه على
الوجه المتقدّم يتناقض الكشف الطبي مع أقوال الشهود الذين لم يقولوا أن الضارب كان
في مستوى "أوطى" من المضروب، بل قالوا إنهم كانوا في الأرض الزراعية المستوية. وقد
تعرّض الدفاع لهذا الأمر ولكن المحكمة لم تبحثه.
وحيث إن الدفاع عن الطاعن ذكر أمام المحكمة كما هو ثابت بمحضر جلسة المحاكمة أن شهود
الرؤية لم يروا الضارب من المضروب، وأن الكشف الطبي قطع في تكذيبهم إذ قال إن الإصابة
في الظهر، وكان الضارب خلف المجني عليه وعلى يساره وفي مستوى أوطى منه قليلاً.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أورد مؤدّى الكشف الطبي المتوقع على جثة دياب ديب عمر فقال
"إن به جرحين ناريين (فتحتي دخول لمقذوف ناري) إحداهما بالجهة اليسرى من الظهر والثانية
بالجهة الخلفية للكتف الأيسر، وإن هذين الجرحين مستديرا الشكل…… ونتيجة إطلاق عيار
ناري على المجني عليه، وكان الضارب خلف المضروب وعلى يساره وفي مستوى أوطى منه قليلاً……".
وحيث إنه يظهر مما تقدّم أن ما عرضه الطاعن على المحكمة خاصاً بالكشف الطبي كان مع
التسليم بأنه تناول أيضاً ما ليس واضحاً فيه وهو المستوى الذي كان فيه من أطلق المقذوف
بالنسبة للمصاب – كان مجرّد مناقشة موضوعية في مقام المجادلة في صحة أقوال شهود الإثبات
والتدليل على أن في الدعوى ما يكذبها. وفي أخذ المحكمة بأقوال هؤلاء الشهود في إدانة
الطاعن ما يفيد، كما سبق القول أيضاً، أن ما قاله من أوجه الدفاع تفنيداً لهذه الأقوال
وتكذيباً لها لم يغير عقيدتها فيما اطمأنت إليه من أن الشهود الذين عوّلت عليهم صادقون
فيما صدّقتهم فيه. وذلك حتى لو كان لهؤلاء الشهود أقوال أخرى تخالف أقوالهم التي اتخذها
الحكم أساساً له.
وحيث إنه لما تقدّم يكون الطعن المقدّم من الطاعن الثاني على غير أساس ويتعين رفضه
موضوعاً.
وحيث إن أوجه الطعن المقدّمة من الطاعن الأوّل تضمنت أن الحكم المطعون فيه أخطأ وهو
يدلل على الإدانة بما أفسد منطقه، وأن أسبابه جاءت متناقضة بما يعيبه. وفي بيان ذلك
يقول الطاعن (أوّلاً) إن الحكم يقول بالنسبة له أنه ضرب المجني عليه على رأسه بآلة
حادة ثقيلة "بلطة" ثم يقول في موضع آخر نقلاً عن الكشف الطبي أن الإصابة رضية نتيجة
المصادمة بجسم صلب راض، وإنه يمكن أن يحصل الجرح الكبير من رأس البلطة. (وثانياً) أن
المحكمة استخلصت نية القتل لديه من استعماله آلة قاتلة وهي البلطة، فكأنها اعتبرت البلطة
آلة قاتلة على أساس أنها آلة قاطعة كالسكين، ولكن الواقع أن المحكمة اعتبرت أن البلطة
لم تستعمل بجزئها القاطع بل استعملت بجزئها الراض، ولذلك يكون ما أتاه الطاعن لا يعدو
جريمة الضرب المفضي إلى الموت. وعلى الأخص فإن المحكمة قالت إن وفاة المجني عليه الأوّل
حصلت نتيجة لإسفكسيا الاختناق باستنشاق مواد القيء الذي حصل أثناء الارتجاج الدماغي
الناشئ عن الإصابة الرضية، أي أن الضربة الراضة لم يكن من شأنها الوفاة، ولا يصدق إذاً
القول عنها بأنها مميتة في ذاتها.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه بدأ فذكر الواقعة الجنائية
كما حصلتها المحكمة من مجموع التحقيقات التي تمت في الدعوى ومن أقوال الشهود الذين
سمعوا بالجلسة فقال: "إنه في يوم 2 إبريل سنة 1936 الموافق 10 محرّم سنة 1355 بزمام
ناحية الحديقة مركز طما مديرية جرجا كان أبو ذهب بخيت عبيد (الطاعن) بجرن فوله بعد
حصاده بجوار ماكينة بزمام كوم إشقاو، وكان حسن علي عبد العزيز (القتيل المجني عليه)
وولداه محمود إسماعيل ودياب ديب عمر يرعون أغنامهم محل الفول فنزلت في قطن أبي ذهب
بخيت عبيد فحضر ودار نقاش بينه وبين المجني عليه حسن عبد العزيز أدّى إلى أن ضرب أبو
ذهب بخيت المجني عليه حسن علي عبد العزيز بالبلطة على رأسه أرداه قتيلاً ثم جرى". وعندما
عرض الحكم إلى أدلة الثبوت على الطاعن قال: "إنه ثبت من شهادة كل من محمد حسن علي عبد
العزيز وإسماعيل حسن علي عبد العزيز في التحقيقات وأمام المحكمة أنهما كانا يرافقان
والدهما حسن علي عبد العزيز في رعي الأغنام فنزلت أغنامهم بقطن أبي ذهب بخيت عبيد،
فحضر لوالدهما ودار نقاش بينهما أدّى إلى أن أبا ذهب عنف والدهما ثم ضربه بالبلطة على
رأسه فوقع قتيلاً، وإن أقوال هذين الشاهدين تأيدت بأقوال سيد سيد عزوز أنه أبصر أبا
ذهب يضرب حسن علي عبد العزيز بالبلطة فوقع على الأرض، وإنه تبين من الكشف الطبي الواقع
على جثة حسن علي عبد العزيز أنه أصيب بجرح رضي شريحي بمقدّم قمة الرأس من الجهة اليمنى
هلالي الشكل اتجاهه من الأمام للخلف طوله 9 سم، قاطع الجلد والأجزاء الرخوة تحته ومكوّن
تشريحة منقلبة للجهة اليمنى ولأسفل يبلغ عرضها نحو 5 سم، وجرح رضي آخر بالجدارية اليسرى
من الرأس عمودي الوضع طوله 3 سم وعرضه 1/ 2 سم، وقرّر الطبيب الشرعي أن هذه الإصابات
على الأرجح إصابات رضية نتيجة المصادمة بجسم صلب راض أياً كان نوعه، وممكن أن يحصل
الجرح الكبير من رأس البلطة وإصابة الجبهة الجدارية وإن كان مركزها واتجاهها يرجح أنها
نتيجة إصابة رضية أخرى إلا أنه لا يوجد ما ينفي أن تحصل نتيجة مصادمة الرأس بأي جسم
راض عند وقوعه على الأرض، وأن سبب الوفاة هو نتيجة إسفكسيا الاختناق باستنشاق مواد
القيء الذي حصل أثناء الارتجاج الدماغي الناشئ عن إصابة الرأس الرضية بعد إصابته الأولى".
ثم تكلم الحكم عن توافر نية القتل لدى الطاعن فقال "وحيث إن نية القتل العمد ثابتة
قبل المتهمين (أبو ذهب بخيت عبيد وإدريس إدريس جاد الرب) من استعمال أوّلهما (الطاعن)
لآلة قاتلة هي بلطة وضربه المجني عليه بها في مقتل من جسمه وهو الرأس ضربة شديدة أودت
بحياته في الحال". وبعد أن أثبت الحكم على الطاعن الواقعة الجنائية التي أوردها بالأدلة
التي ذكرها على النحو المتقدّم خلص إلى تكييف تلك الواقعة بإعطائها الوصف القانوني
لها فقال بأن ما ثبت وقوعه من الطاعن هو أنه في الزمان والمكان المذكورين آنفاً "قتل
عمداً حسن علي عبد العزيز وذلك بأن ضربه على رأسه بآلة حادة ثقيلة (بلطة) قاصداً قتله
فأحدث به الجروح والإصابات الموضحة بالكشف الطبي والتي سببت الوفاة".
وحيث إنه يتضح من البيان المتقدّم (أوّلاً) أن الحكم المطعون فيه ذكر ما يفيد أن الطاعن
لم يوقع بالمجني عليه سوى ضربة واحدة، لأنه لم يقل إن أحداً من الشهود شهد بأنه أوقع
أكثر منها، ولأنه قال عن الكشف الطبي أن إحدى الإصابتين اللتين شوهدتا بالمجني عليه
قد ترجع إلى وقوعه على الأرض بعد إصابته من الطاعن، ولأنه تحدّث وهو يعرض لقصد القتل
عن ضربة واحدة. وبينما هو يذكر ذلك إذا به يذكر أن يذكر أن الطاعن قتل المجني عليه
بإحداثه الجروح والإصابات الموضحة بالكشف الطبي مما يفيد أنه ضربه أكثر من مرة. (وثانياً)
ذكر وهو يستند إلى الكشف الطبي ما يفيد أن الضرب حصل على المجني عليه بالجزء الراض
من البلطة وهو رأسها، ثم يقول في الوقت نفسه إن الطاعن ضرب المجني عليه بآلة حادة ثقيلة
أي بلطة مما يفهم منه أن الضرب حصل بالجزء الحاد من البلطة وهو سنها. (وثالثاً) ذكر
باعتماده على التقرير الطبي كذلك ما يفيد أن الضربة التي أحدثها الطاعن لم تكن هي السبب
المباشر لوفاة المصاب التي حدثت باسفكسيا الاختناق من القيء الذي حصل "أثناء الارتجاج
الدماغي الناشئ عن إصابة الرأس الرضية بعد إصابته الأولى" أي بعد الإصابة التي حصلت
بيد الطاعن من البلطة. ثم يقول بعد ذلك إن الطاعن ضرب المجني عليه بالبلطة أرداه قتيلاً،
وإنه ضربه بها في مقتل من جسمه وهو الرأس ضربة شديدة أودت بحياته في الحال. مع أن في
هذا القول الأخير ما يفيد بالبداهة أن الضربة كانت في ذاتها شديدة ومميتة، وأن الوفاة
نتجت عنها من طريق مباشر لا بالواسطة التي جاء بذكرها الكشف الطبي الذي اعتمده نفس
الحكم وعوّل عليه. وبينما يقول الحكم ذلك يسكت في مقام الإفصاح وهو يدلل بشدّة الضربة
على أن الطاعن إنما قصد بإحداثها قتل المجني عليه – يسكت عن إيراد ما يبرر وجه استشهاده
بها فلا يتكلم عن مقدار خطورتها وشدّة جسامتها وتأثيرها على حياة المصاب.
وحيث إن ما أصاب الحكم من قصور وغموض في بيان الواقعة، وما جاء في أسبابه من تخاذل
وتناقض على النحو المتقدّم بيانه، يجعل العناصر التي أوردها مضطربة غير مستقرّة الاستقرار
الذي يجعلها في حكم الوقائع الثابتة. ومن ثم فلا تستطيع محكمة النقض مراقبة صحة تطبيق
القانون على حقيقة واقعة الدعوى لخلو الحكم من إثباتها على صحتها، إذ من المستحيل عليها
أن تتعرّف إن كانت محكمة الموضوع كوّنت عقيدتها في توافر ركن قصد القتل على أساس أن
الطاعن ضرب المجني عليه ضربة واحدة أو أكثر من ضربة، وأنه ضربه بنصل البلطة الحاد أو
برأسها الراضة، وأن الضربة كانت شديدة وقاتلة في ذاتها أو أنها غير شديدة. وكل ذلك
يعيب الحكم ويوجب بطلانه.
وحيث إنه لما تقدّم يتعين قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه بالنسبة للطاعن الأوّل
وذلك بغير حاجة لبحث باقي الأوجه المقدّمة منه.
