الطعن رقم 1849 سنة 8 ق – جلسة 31 /10 /1938
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 311
جلسة 31 أكتوبر سنة 1938
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمد فهمي حسين بك وعبد الفتاح السيد بك ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك المستشارين.
القضية رقم 1849 سنة 8 القضائية
سبق الإصرار. متى يتوافر هذا الظرف؟
(المادة 195 ع = 231)
إن العبرة في توافر ظرف سبق الإصرار ليست بمضي الزمن لذاته بين التصميم على الجريمة
ووقوعها – طال هذا الزمن أو قصر – بل العبرة هي بما يقع في ذلك الزمن من التفكير والتدبير.
فما دام الجاني انتهى بتفكيره إلى خطة معينة رسمها لنفسه قبل تنفيذ الجريمة كان ظرف
سبق الإصرار متوافراً.
المحكمة
وحيث إن الطعن يتحصل في أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون
على الواقعة الثابتة به بأن أدان الطاعنين في جناية القتل على أساس قيام سبق الإصرار
عندهما مع عدم توافر هذا الظرف قانوناً على حسب ما استظهره نفس الحكم من أقوال الشهود
الدالة على أن الحافز لجناية القتل كان الاستفزاز الوقتي والغضب الفجائي الذي تملك
زمام الطاعنين واستولى عليهما وقت أن جاء المهندس قبيل الحادث بناء على سعي المجني
عليه ليقيس منزليهما لأخذ اختصاص عليهما. وقد ظل الغضب يعمل في نفسيهما فلم تهدأ لهما
ثائرة حتى سلكا الطريق العادي الذي مرّ منه المجني عليه بالسيارة، وهناك وقعت الواقعة
في ظروف تدل على تجرّد عمل الطاعنين من الهدوء والرصانة وسبق التفكير والتدبير مما
ينتفي معه سبق الإصرار.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن استظهر وقائع الدعوى وأدلتها عرض إلى ظرفي سبق الإصرار
والترصد فقال: "حيث إن ما تستخلصه المحكمة مما تقدّم جميعه أن المتهمين سيد قطب رمضان
ومحمد قطب رمضان قتلاً عمداً عبد اللطيف محمد الشيمي بسبق إصرار وترصد بأن انتويا قتله،
وأعدّا عدّتهما لذلك، فأحضرا بندقية عمراها لهذا الغرض، وأخذا معهما خراطيش غير مطلقة
احتياطياً، ثم كمنا للمجني عليه في الطريق العام الموصل من إبشاده لملوي وهو الطريق
الذي يجب أن يمرّ المجني عليه في عودته لبلده في هذا اليوم، ومكثا ينتظرانه خلف بعض
المساكن حتى إذا مرّ عليهما تعلقا بالسيارة وأمسك المتهم الثاني بالسائق وبمحرّك السيارة
ومنع السائق من المسير فوقفت السيارة ثم سحب المجني عليه من السيارة وألقاه بالأرض
بعيداً عنها، وبعد ذلك أطلق المتهم الأوّل عليه ثلاث عيارات نارية بقصد قتله فسقط قتيلاً.
ثم أضاف الحكم إلى ذلك أن ما تستخلصه المحكمة مما تقدّم وجود خصومة بين المتهمين والمجني
عليه بسبب الأرض التي اشتراها هذا الأخير ونازعاه فيها ومانعا في استلامها وهدّده أحدهما
وهو المتهم الأوّل بالقتل أكثر من مرّة إذا هو تسلمها. وأخيراً اضطر لرفع دعوى ضدهما
أخذت أدواراً طويلة من سنة 1935 حتى قضى فيها نهائياً في 2 ديسمبر سنة 1937 لصالحه
وقضي له بتعويض وبالمصاريف وبلغ كل ذلك نحو 54 جنيه. وقد أوجد ذلك في نفس المتهمين
حفيظة للمجني عليه، وزاد الطين بلة أن الأمر قد انتهى بحضور المهندس والقياسين وتم
مقاس منزليهما تمهيداً لأخذ اختصاص عليهما، وقد عوّلا من أجل ذلك على الانتقام من المجني
عليه والتشفي منه فانتويا قتله، واتفقا على ذلك فيما بينهما، وقد أعدّا عدّتهما لذلك
بمجرّد انصراف المهندس والقياسين بعد المقاس حيث قد رأيا أن الفرصة سانحة لتنفيذ غرضهما
حيث قد علما أن المجني عليه موجود ببلدتهما بمنزل محمد كيلاني كما هو ظاهر مما تقدّم،
وأنه لا بد أن يعود لبلده بالسيارة، وعوّلا على تنفيذ القتل فيه في هذا اليوم، فأحضرا
بندقية عمراها وأخذا معهما خراطيش احتياطية زيادة، ثم كمنا بجوار مسكن بالطريق الذي
يجب أن يمرّ منه المجني عليه واختارا نقطة الكمون بالقرب من البلد حيث تسير السيارة
ببطء للتمكن من مهاجمتها، ثم ظلا في هذا المكان ثابتين في انتظار فريستهما حتى إذا
اقتربت السيارة منهما خرجا عليها فجأة من مكمنهما وهاجماها ثم أوقفاها ونفذا القتل
في المجني عليه على النحو المتقدّم طبقاً للخطة التي رسماها من قبل ثم انصرفا بسلام".
ثم عقب الحكم على ذلك بأن ظرفي سبق الإصرار والترصد يستفادان بجلاء من أن المتهمين
أعدّا عدّتهما لتنفيذ القتل وأحضرا بندقية معمرة لهذا الغرض، كما أخذا معهما خراطيش
احتياطية استعداداً للطوارئ وضماناً لتنفيذ مقصدهما، ثم خروجهما على المجني عليه فجأة
وعلى غرة منه عند مروره عليهما وإيقاف السيارة، ثم تنفيذ القتل فيه على النحو المتقدّم،
ومن الباعث على القتل وهو الضغينة التي كان يحملها المتهمان للمجني عليه بسبب النزاع
في الأرض والتي أذكاها علم المتهمين بمقاس منزليهما لأخذ اختصاص عليهما. ولا يمكن القول
بأن المتهمين كانا وقت ارتكاب الجناية متأثرين بعد أن علما بمقاس المنزلين بسبب الاختصاص
وأن الفترة التي مضت من وقت بدء التفكير في القتل أي من وقت الانتهاء من المقاس لغاية
التنفيذ ومقدارها نصف ساعة تقريباً كما يؤخذ ذلك من مجموع أقوال الشهود – أن هذه الفترة
قصيرة ولا يتسنى للمتهمين فيها أن يردّا جماح غضبهما، وأنهما بناء على ذلك لم يكونا
هادئي البال وقت ارتكاب الجريمة، وأنه بناء على ذلك يكون ظرف سبق الإصرار منعدماً –
لا يمكن القول بذلك لأن العبرة ليست بمضي الزمن لذاته بين التصميم والجريمة طال أو
قصر، بل العبرة بما يقع في ذلك الزمن من التدبير والتفكير. وبديهي أنه إذا خرج الجاني
بعد هذا التدبير بفكرة مبهمة لا حدّ لها ولا ترتيب فلا يعتبر سبق الإصرار موجوداً،
وأنه يجب لتوفر هذا الظرف أن يكون الجاني انتهى بتفكيره إلى خط سير معين رسمه لنفسه
قبل تنفيذ الجريمة، والوقائع السابقة الثابت منها أن المتهمين في الفترة ما بين انصراف
المهندس والقياسين بعد انتهاء المقاس وارتكاب الجريمة أمكنهما أن يتفقا فيها على القتل،
ثم دبرا طريقة تنفيذه بإحكام، فأعدّا لهذا الغرض بندقية معمرة، واحتفظا بخلاف ذلك بخراطيش
احتياطية ضماناً لتنفيذ خطتهما واستعداداً للطوارئ، ثم اختارا المكان الذي يكمنان فيه
لاقتناص غريمهما، ورأيا أن يكون هذا المكان خارج البلد وعلى مسافة قريبة من بعض المساكن
حتى يكمنا فيه بعيداً عن الأنظار، وحتى يمكنهما في الوقت نفسه مهاجمة السيارة وهي سائرة
حيث تكون مضطرة لأن تسير ببطء لقربها من المساكن. وكذا تدبرا في كيفية مهاجمة السيارة
أثناء سيرها وفيما يقوم به كل واحد منهما من الأعمال حتى تنفذ الجريمة ثم تنفيذ الجريمة
فعلاً طبقاً للتدبير المتفق عليه بينهما – هذه الوقائع كلها تدل بوضوح على أن المتهمين
كانا هادئي البال رابطي الجأش وقت ارتكاب الجريمة. وبناء على ذلك كله يكون ظرفا سبق
الإصرار والترصد متوفرين.
وحيث إنه بهذا الذي أثبته الحكم المطعون فيه يتوافر سبق الإصرار على جناية القتل العمد
حسبما عرفه القانون. ومتى كان الأمر كذلك، وكانت المقدّمات التي ساقها الحكم تصلح لأن
تبنى عليها النتيجة التي وصلت إليها المحكمة فلا يقبل من الطاعنين مجادلتهما أمام محكمة
النقض في صحة استخلاص المحكمة توافر ظرف سبق الإصرار من تلك المقدّمات.
وحيث إنه فضلاً عن ذلك فلا مصلحة للطاعنين من إثارة الجدل في موضوع سبق الإصرار لأن
الحكم المطعون فيه أثبت عليهما أيضاً أنهما ارتكبا الجريمة وهما متربصان للمجني عليه
للفتك به واغتياله في الطريق الذي كان سائراً فيه، وقيام الترصد وحده، ولو مع عدم ثبوت
سبق الإصرار، يبرر تطبيق مادة القانون التي طبقتها المحكمة.
