الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1298 سنة 8 ق – جلسة 06 /06 /1938 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 256

جلسة 6 يونيه سنة 1938

برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمود المرجوشي باشا ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك المستشارين.


القضية رقم 1298 سنة 8 القضائية

( أ ) تعدّد الجرائم الناشئة عن فعل واحد. عقاب المتهم عن الجريمة الأشد عقوبة. يحول دون محاكمته عما عداها من الجرائم الناتجة عن الفعل عينه.
(المادة 32 ع)
(ب) انتخاب. عفو شامل. المرسوم بقانون الصادر في 10 فبراير سنة 1938. جنحة ضرب بالمادة 206 ع. وقوعها لمناسبة انتخاب عضو مجلس المديرية في الفترة المنصوص عليها في المرسوم. دخولها في متناوله.
1 – إن حكم تعدّد الجرائم الناتجة عن فعل واحد هو اعتبار المتهم إنما قصد ارتكاب الجريمة الأشد عقوبة فقط دون الجريمة أو الجرائم الأخف. فلا تصح مؤاخذة المتهم إلا على جريمة واحدة هي الأشد عقوبة. وبصدور الحكم في هذه الجريمة تنتهي المسئولية الجنائية عن ذلك الفعل هو وجميع نتائجه. وكذلك تكون الحال إذا كانت العقوبة المقرّرة قانوناً لتلك الجرائم واحدة.
فإذا كان الثابت أن المتهم لم يطلق إلا عياراً نارياً واحداً قصد به إصابة شخص بعينه فأخطأه وأصاب غيره لم يقتل، فجاءت محكمة الجنايات وأدانته في تهمة شروعه في قتل من أخطأه وفي الوقت ذاته حفظت للنيابة الحق في أن تقيم عليه دعوى أخرى مستقلة لشروعه في قتل من أصيب فإنها تكون قد أخطأت. لأن محاكمة المتهم عن الفعل الذي وقع منه وهو إطلاق العيار الناري بنية القتل تحول دون إعادة محاكمته عن الفعل عينه وعن أية نتيجة من نتائجه. على أنه ما دام ظاهراً من وصف التهمة الذي أحيل به هذا المتهم من قاضي الإحالة ما يدل على أنه شرع في قتل المجني عليهما الاثنين في وقت واحد بعيار ناري واحد، فما كان يجوز لمحكمة الجنايات أن تجزئ الدعوى على نحو ما فعلت لأن في هذه التجزئة ما يفيد أنها تخلت عن الفصل في تهمة مطروحة عليها قانوناً.
2 – إن المرسوم بقانون بالعفو الشامل عن بعض الجرائم الصادر في 10 فبراير سنة 1938 نص في المادة الثانية منه على العفو عفواً شاملاً عما ارتكب في الفترة بين 9 مايو سنة 1936 و31 ديسمبر سنة 1937 من الجرائم الواردة فيها، ومنها جنحة الضرب المنصوص عليها في المادة 206 من قانون العقوبات القديم متى وقعت بمناسبة الانتخاب في المدّة المتقدّم ذكرها. فجنحة الضرب الواقعة في الفترة المحدّدة في ذلك القانون لمناسبة انتخاب عضو لمجلس المديرية – وهو انتخاب عام تتبع فيه أحكام قانون انتخاب أعضاء مجلس النوّاب – تدخل في متناول النص المذكور متى كان الانتخاب قد حصل هو أيضاً في الفترة المذكورة.


المحكمة

وحيث إن وجه الطعن المقدّم من الطاعن الأوّل يتحصل في أن النيابة العامة طلبت في جلسة المحاكمة أن تعدّل وصف التهمة بالنسبة لهذا الطاعن وتجعل تهمته أنه شرع في قتل الأستاذ أحمد هشام المحامي عمداً وفي قتل عبد الغفار مهران عمداً، وذلك بأن أطلق عياراً نارياً قاصداً قتلهما فأخطأ المجني عليه الأوّل وأصاب المجني عليه الثاني، فاعترض الدفاع على هذا التعديل، فقررت المحكمة اعتبار تصحيح التهمة الواردة في أمر الإحالة، على النحو الذي طلبته النيابة، توجيه تهمة جديدة للطاعن وهي الشروع في قتل عبد الغفار مهران، وأمرت بنظر الدعوى بحالتها بناء على أمر الإحالة، وحفظت للنيابة الحق في اتخاذ ما تراه بشأن التهمة الجديدة وهي شروع الطاعن في قتل عبد الغفار مهران. ويقول الطاعن إن قرار المحكمة هذا يدل على أن الحكم المطعون فيه أدانه في تهمة الشروع في قتل الأستاذ أحمد هشام فقط ولا ينصرف إلى إصابة عبد الغفار مهران. وعلى هذا الأساس لا تتوافر نية القتل لدى الطاعن لأن الوقائع المادية التي أثبتها الحكم والتي حدّدها المجني عليه أحمد هشام أفندي لا يمكن أن تتفق بحال مع وجود هذه النية، لأن العيار لم يصب المجني عليه مع أن المسافة بينه وبين الطاعن لا يمكن أن تسمح بالقول بأن الطاعن أخطأ الرماية.
وحيث إن الطاعن الأوّل أحيل إلى محكمة الجنايات بتهمة أنه "شرع في قتل الأستاذ أحمد هشام المحامي عمداً وذلك بأن أطلق عليه عياراً نارياً قاصداً قتله فأخطأه وأصاب عبد الغفار مهران فأحدث به الإصابات المبينة بالتقرير الطبي الشرعي. وقد خاب أثر الجريمة لسبب خارج عن إرادته هو عدم إحكام الرماية بالنسبة للمجني عليه الأوّل وإسعاف المجني عليه الثاني بالعلاج". وتبين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن النيابة طلبت من المحكمة أن يعدّل الوصف إلى أن "المتهم الأوّل كامل موسى شرع في قتل الأستاذ أحمد هشام المحامي عمداً وفي قتل عبد الغفار مهران عمداً وذلك بأن أطلق عياراً نارياً قاصداً قتلهما فأخطأ المجني عليه الأوّل وأصاب المجني عليه الثاني وأحدث به الإصابات المبينة بالتقرير الطبي الشرعي، وقد خاب أثر الجريمة لسبب خارج عن إرادته وهو عدم إحكام الرماية بالنسبة للمجني عليه الأوّل وإسعاف المجني عليه الثاني بالعلاج". فاعترض الدفاع على هذا التعديل ودفع بعدم قبوله بدعوى أن النيابة لا تملك توجيه تهمة جديدة، وأن الوصف المقدّم به المتهم من قاضي الإحالة هو تهمة شروعه في قتل الأستاذ أحمد هشام فقط. ثم قررت المحكمة "اعتبار تصحيح التهمة الموجهة إلى المتهم في أمر الإحالة على محكمة الجنايات الذي طلبته النيابة بالجلسة ليس تداركاً لسهو في عبارة الاتهام وإنما هو توجيه تهمة جديدة لهذا المتهم وهي الشروع في قتل عبد الغفار مهران، وأمرت بنظر الدعوى بحالتها المرفوعة بها بقرار الإحالة وحفظت للنيابة الحق في اتخاذ ما تراه بشأن التهمة الجديدة وهي شروع المتهم في قتل عبد الغفار مهران. وبعد أن نظرت المحكمة الدعوى أدانت الطاعن الأوّل على أساس التهمة المبينة في قرار الإحالة وهي "أنه شرع في قتل الأستاذ أحمد هشام المحامي عمداً وذلك بأن أطلق عليه عياراً نارياً قاصداً قتله فأخطأ لعدم إحكام الرماية وأصاب عبد الغفار مهران".
ومن حيث إن حكم تعدّد الجرائم الناتجة عن فعل واحد هو اعتبار المتهم إنما قصد ارتكاب الجريمة الأشدّ عقوبة فقط دون الجريمة أو الجرائم الأخف، فلا تصح مؤاخذة المتهم إلا على جريمة واحدة وهي الأشدّ عقوبة، وتنتهي المسئولية الجنائية عن الفعل وجميع نتائجه بصدور الحكم في هذه الجريمة. وكذلك يكون الحال إذا كانت العقوبة المقررة قانوناً لتلك الجرائم واحدة.
وحيث إنه متى تقرر ذلك، وكان الثابت بالحكم المطعون فيه أن الطاعن الأوّل لم يطلق إلا عياراً نارياً واحداً قصد به إصابة الأستاذ أحمد هشام فأخطأه وأصاب عبد الغفار مهران، تكون محكمة الجنايات إذ أدانت الطاعن في تهمة شروعه في قتل الأستاذ أحمد هشام وحفظت في الوقت نفسه للنيابة الحق في أن تقيم عليه دعوى أخرى مستقلة لشروعه في قتل عبد الغفار مهران قد أخطأت قانوناً لأن ما تصوّرته من إمكان محاكمة الطاعن مرة أخرى عن إصابة المجني عليه الثاني تصوّر خاطئ، إذ أن محاكمة الطاعن عن الفعل الذي وقع منه وهو إطلاق العيار الناري بنية القتل تحول دون إعادة المحاكمة عن الفعل نفسه وعن أية نتيجة من نتائجه.
ومن حيث إنه ظاهر من جهة أخرى أن في وصف التهمة الذي أحيل به الطاعن من قاضي الإحالة ما يدل على أنه شرع في قتل المجني عليهما في وقت واحد فما كان يجوز للمحكمة أن تجزئ الدعوى على نحو ما فعلت، لأن في تلك التجزئة ما يفيد أنها تخلت عن الفصل في تهمة مطروحة عليها قانوناً. على أن تلك التجزئة كانت في الواقع مستحيلة، حتى أن المحكمة نفسها لم تقو على مواجهة حقيقة تلك الاستحالة، فلم تستطع العمل على تنفيذ مقتضى التجزئة التي قالت بها، لأن حكمها المطعون فيه تناول بحث إصابة المجني عليه الثاني عبد الغفار مهران، إذ قال في صراحة إن العيار الذي أطلقه الطاعن أخطأ المجني عليه الأوّل وأصاب المجني عليه الثاني وما كان الحكم ليستطيع أن يسكت عن هذا البيان الذي تقتضيه حتماً وحدة الفعل الجنائي.
وحيث إنه مع فرض أن الحكم المطعون فيه لم يفصل في واقعة إصابة عبد الغفار مهران (المجني عليه الثاني)، فإن ذلك لا يؤثر في سلامة الحكم بالنسبة لاستنباط توافر نية القتل لدى الطاعن فيما يختص بالمجني عليه الأوّل خلافاً لما يزعمه الطاعن، لأن الحكم المطعون فيه وهو يعرض لنية القتل لم يتعرّض لإصابة عبد الغفار مهران وإنما أثبت أن الطاعن الأوّل قصد قتل أحمد هشام أفندي مستنداً في ذلك إلى أنه "استعمل آلة قاتلة بطبيعتها (بندقية) وأطلقها على المجني عليه بعد توجيهها عليه بشكل يدل على أنه إنما يقصد منه القتل لا الإرهاب". وهذا الذي استند إليه الحكم يسوغ استخلاص نية القتل منه، فلا محل إذاً للطعن على الحكم من هذه الناحية لتعلقها بتقدير موضوعي.
وحيث إن محصل وجهي الطعن المقدّمين من الطاعن الثاني أن في الحكم المطعون فيه قصوراً يعيبه ويبطله. وفي بيان ذلك يقول الطاعن إن الحكم لم يدلل على توافر نية القتل تدليلاً قانونياً، لأن مجرّد القول الذي أورده بأن نية القتل مستنتجة من الآلة التي استعملت في الجريمة ومن مكان الإصابة لا يكفي وحده للحكم على وجود تلك النية، إذ في غالب الأحوال تكون الآلة التي استعملت موجودة مع الفاعل بطريق الصدفة ولم يكن معه غيرها، وإن الطاعن لو كان معه غير المطواة عصا لاستعمل العصا، وهو يحمل المبراة بحكم صناعته بحيث لو كان معه غيرها لاستخدمها. وكذلك الحال بالنسبة لموضع الإصابة قد تصادف مقتلاً من المجني عليه عفواً وعن غير قصد من الفاعل. ويزيد الطاعن على ذلك أنه دفع أمام المحكمة بأنه كان في حالة استفزاز وقت الحادثة وأنه ما كان يقصد إلا دفع الأذى عن أحمد هشام أفندي ولم يكن مالكاً لكل أعصابه. وهذا إن صح يمحو المسئولية الجنائية أو على الأقل يكفل استبعاد نية القتل، ومع ذلك فإن المحكمة لم تحققه ولم تعن بالرد عليه.
وحيث إن هذا الوجه على غير أساس لأن استخلاص محكمة الموضوع توافر نية القتل من أدلة الدعوى ووقائعها أمر موضوعي من شأنها الفصل فيه كما تقدّم القول. وقد ذكر الحكم أن نية القتل ثابتة قبل الطاعن الثاني من طعنه المجني عليه بآلة قاتلة وهي سكين في مقتل من جسمه وهو الصدر فنفذت لتجويف الصدر ولولا إسعاف المجني عليه بالعلاج لقضت على حياته. وما ذكره الحكم هذا يصلح لأن تبنى عليه النتيجة التي استخلصتها المحكمة. أما ما يثيره الطاعن من أنه كان في حالة استفزاز فلا يجديه لأن قيام حالة الاستفزاز بفرض صحتها لا يستلزم حتماً انعدام نية القتل التي أثبتها الحكم عليه.
وحيث إن الطاعنين الثالث والرابع تقدّما إلى المحكمة بطلب الحكم بسقوط الدعوى العمومية لأن قانون العفو الشامل يتناول الجريمة التي وقعت من كل منهما.
وحيث إنه ثابت من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه أدان الطاعنين الثالث والرابع المذكورين من أجل جنحة ضرب منطبقة على المادة 206/ 1 من قانون العقوبات القديم، وأن سبب هذا الحادث يرجع إلى انتخاب الشيخ عبد الرحيم عبد الجوّاد عضواً بمجلس مديرية أسيوط، وأن الأستاذ أحمد هشام رأى أن يطعن في صحة انتخابه فكلف أحمد علي محمد بأن يقدّم الطعن. وقد سعى الشيخ عبد الرحيم لديه لكي يتنازل عن الطعن فلم يقبل، وحضر الأستاذ أحمد هشام والأستاذ حسين أبو زيد عن الطاعن وحصلت المرافعة عنهما في الطعن بجلسة 24 إبريل سنة 1937. وفي نفس هذا اليوم بسراي محكمة أسيوط خرج الأستاذ أحمد هشام من قاعة الجلسة المنظور بها الطعن ثم حصلت الواقعة. وقد تبين من المذكرتين المقدّمتين من النيابة أن الانتخاب الذي فاز فيه الشيخ عبد الرحيم عبد الجوّاد المذكور بالترشيح كان محدّداً له يوم 6 مارس سنة 1937 وهو اليوم الذي حدّد بالمرسوم الصادر في 23 يناير سنة 1937 بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء مجالس المديريات.
وحيث إن المرسوم بقانون العفو الشامل عن بعض الجرائم الصادر في 10 فبراير سنة 1938 نص في المادة الثانية منه على العفو عفواً شاملاً عما ارتكب في الفترة بين 9 مايو سنة 1936 و31 ديسمبر سنة 1937 من الجرائم الواردة فيها ومنها جنحة الضرب المنصوص عليها في المادة 206 من قانون العقوبات القديم إذا وقعت بمناسبة الانتخاب في المدة المتقدّم ذكرها.
وحيث إن جنحة الضرب التي وقعت من الطاعنين تدخل في متناول النص المذكور لأنها وقعت لمناسبة انتخاب أعضاء مجلس المديرية وهو انتخاب عام تتبع فيه أحكام قانون انتخاب أعضاء مجلس النوّاب، ولأن تاريخ وقوعها وتاريخ الانتخاب الذي وقعت بسببه يدخلان في الفترة المحدّدة في قانون العفو. ولذلك يتعين قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه والحكم بسقوط الدعوى العمومية تطبيقاً لقانون العفو المذكور.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات