الطعن رقم 295 سنة 8 ق – جلسة 28 /03 /1938
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1936 لغاية 30 أكتوبر سنة 1939) – صـ 176
جلسة 28 مارس سنة 1938
برياسة سعادة مصطفى محمد باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: عبد الفتاح السيد بك ومحمود المرجوشي باشا ومحمد كامل الرشيدي بك وسيد مصطفى بك المستشارين.
القضية رقم 295 سنة 8 القضائية
( أ ) شهادة. حق المحكمة في تجزئة أقوال الشاهد. قصد التجزئة. وجوب
دلالة الحكم عليه ولو ضمناً.
(ب) شهادة. شاهد نفي. تمسك الدفاع بمناقشته. التسليم بأقواله في التحقيقات. صرف النظر
عن سماعه. لا يجوز.
(جـ) شاهد. إعلانه قانوناً. رفضه تسلم الإعلان. اللجوء إلى المحكمة لإحضاره. وجوب إحضاره
إلى المحكمة ولو بالقوّة. صرف النظر عن مناقشته. إخلال بحق الدفاع.
1 – إنه وإن كان للمحكمة أن تأخذ ببعض أقوال الشاهد وتعتمد عليها وتطّرح البعض الآخر
ولا تعتبره ولو كان منصباً على وقائع الدعوى ومتعلقاً بها إلا أنه يجب أن يدل الحكم
الذي وقعت فيه تجزئة شهادة الشاهد الواحد، ولو دلالة ضمنية، على أن المحكمة قصدت هذه
التجزئة لأن سكوت المحكمة عن ذلك ينصرف إلى أنها لم تفطن لما يعيب شهادة الشاهد فأخذت
بها على علاتها. وهذا يوقع التناقض في منطق الحكم ويعيبه.
2 – إن الأحكام تبنى في الأصل على التحقيقات العلنية التي تحصل شفوياً أمام المحاكم
وفي مواجهة الخصوم. فللدفاع أن يتمسك أمام المحكمة بسماع شهود النفي ولو كانوا قد سئلوا
في التحقيق الابتدائي لما قد يكون في موقفهم وفي كيفية أدائهم للشهادة من أثر في رأي
القاضي في صدد القوّة التدليلية للشهادة. وإذاً فلا يجوز للمحكمة أن تصرف النظر عن
سماع شهود النفي الذين طلب إليها سماعهم بحجة تسليمها بما جاء من أقوالهم في التحقيقات.
3 – على المحكمة أن تعاون الدفاع في أداء مأموريته وأن تأمر بالبحث عن الشاهد وإحضاره
ولو بالقوّة لأداء الشهادة ما دام الدفاع قد لجأ إليها في ذلك وأثبت أن الشاهد يتهرّب
من تسلم الإعلان ليتخلص من أداء الشهادة، وما دامت المحكمة نفسها قد تبينت أحقية الدفاع
في تمسكه بوجوب مناقشته، وأنه لم يكن في طلبه مراوغاً أو قاصداً تعطيل سير الدعوى.
فإذا قصرت المحكمة في ذلك فإنها تكون قد أخلت بحق الدفاع.
المحكمة
وحيث إن محصل الوجهين الأوّل والثاني أن في الحكم قصوراً يعيبه
ويبطله لأنه اعتمد على شهادة ابن القتيل وحده مع أن هذه الشهادة تتعارض مع شهادة أحمد
فؤاد محمود الذي شهد بأنه رأى القتيل خارجاً من شارع الفل الذي كانت به المعركة ثم
اتجه إلى شارع الطوبي، وكان وحده لا يرافقه أحد، فإذا برجل من المتشاجرين يتعقبه ويطعنه
بالسكين. ومؤدّى شهادة أحمد فؤاد هذه أن القتيل كان بين المتشاجرين في شارع الفل وأنه
أصيب وهو متجه نحو بيته وأنه كان وحده. أما شهادة زوجته وابنه فمضمونها أن الأب والابن
كانا بالمنزل وأنهما خرجا بسبب تساقط الأحجار ولم يبتعدا عن الباب إلا نحو ستة أمتار
حتى أصيب القتيل. وإزاء هذا التناقض بين شهادة أحمد فؤاد وشهادة زوجة القتيل وابنه
طلبت المحكمة من النيابة رأيها في هذا التناقض والتوفيق بين أقوال الشهود إن كان لذلك
من سبيل، فلم يسع النيابة إلا أن تظهر تعويلها على شهادة أحمد فؤاد. ويقول الطاعن أيضاً
إن الواقع إن صحت شهادة أحمد فؤاد – وهي صحيحة – فإن ابن القتيل لم يكن موجوداً مع
أبيه وقت الحادثة خلافاً لما يزعمه هو وأمه، وإن القتيل لم يصب وهو خارج من بيته كما
ادّعيا. ويضيف الطاعن أنه مع هذا التناقض قضت المحكمة في الدعوى بإدانته، وعوّلت على
شهادة ابن القتيل وحاولت أن تنتزع من أقوال أحمد فؤاد ما يؤيد هذه الشهادة، وأغفلت
وجود التناقض البين بين الشهادتين ولم تتعرّض له وتبد رأيها فيه لكي يكون حكمها قد
أحاط بالجوهر الهام في الدعوى.
وحيث إنه ثابت في محضر الجلسة أن أحمد فؤاد شهد أمام المحكمة أنه لم ير أحداً وقت الحادثة
في مكانها سوى المجني عليه والشخص الذي ضربه، وأن الدفاع استند على أقوال أحمد فؤاد
ورجحها وقال إنها تنقض شهادة زوجة القتيل وابنه لأنه قال إنه لم يشاهد أحداً من ذوي
القتيل معه وقت الحادثة وإن المجني عليه كان آتياً من جهة المشاجرة وقتئذ. وورد في
هذا المحضر أيضاً أن المحكمة طلبت من النيابة أثناء مرافعتها أن توفق بين شهادة أحمد
فؤاد وبين شهادة شهود الرؤيا الذين رأوا الحادثة وهم زوجة القتيل وابنه فقالت النيابة
"إن سوء تعبير ولد القتيل في الإرشاد عن الاتجاهات يجعلها تعتمد على أقوال أحمد فؤاد،
ويكون ابن القتيل رأى والده مصاباً ورأى ضاربه".
وحيث إن الحكم المطعون فيه أثبت أن بكر محمد منازع ابن القتيل شهد أنه حضر المعركة
وشاهد المتهم (الطاعن) يطعن أباه بسكين، وأن أحمد فؤاد محمود شهد بأنه كان يذاكر دروسه
بمنزله بالغرفة التي بها بلكون وسمع صوتاً ورأى القتيل يجري ومن ورائه رجل يجري يريد
اللحاق به فلما اقترب من القتيل قفل راجعاً يحمل سكيناً ورأى المجني عليه وقتئذ مصاباً
فأدرك أن الرجل الذي معه السكين هو القاتل ولم يستطع التعرّف عليه في التحقيق. وقال
أيضاً بأنه شاهد ابن القتيل في المشاجرة. وقد استندت المحكمة في إدانة الطاعن إلى شهادة
بكر محمد منازع الدالة على أنه رآه وهو يطعن أباه بالسكين، وقالت إن هذه الشهادة تأيدت
بالتقرير الطبي وبشهادة أحمد أفندي فؤاد الذي قرّر في التحقيقات برؤيته لهذا الشاهد
وسط المشاجرة وفي الجلسة بأنه رآه عقب الحادثة، واتفاقه معه على نوع الملابس التي كان
يلبسها المتهم (الطاعن) وهو يجري عقب ارتكاب الحادثة.
وحيث إنه وإن كان للمحكمة أن تأخذ ببعض أقوال الشاهد وتعتمد عليها وتطّرح البعض الآخر
وتتغاضى عنه ولو كان منصباً على وقائع الدعوى ومتعلقاً بها إلا أنه يجب أن يدل الحكم
الذي وقعت فيه تجزئة شهادة الشاهد الواحد، ولو دلالة ضمنية، على أن المحكمة قصدت هذه
التجزئة وإلا لكان تصديق الشاهد في ناحية من أقواله مدعاة لتصديقه في النواحي الأخرى،
ولكان منطق الحكم في التدليل متناقضاً.
وحيث إن أحمد فؤاد محمود الشاهد المنوّه عنه في وجه الطعن ذكر في شهادته أمام المحكمة
أنه لم ير ابن القتيل في مكان الحادثة وقت مقارفة الجريمة. وقد تمسك الدفاع بهذا القول
الذي ذكره الشاهد ولكن المحكمة لم تغفل الرد عليه فحسب، بل عوّلت في تأييد شهادة ابن
القتيل على أقوال أحمد فؤاد المذكور من جهة وصف ملابس الجاني وقت الحادثة ومن جهة أنه
رأى ابن القتيل في المشاجرة قبل وقوع الواقعة وبعدها ولم تذكر شيئاً عن واقعة عدم رؤية
الشاهد لابن القتيل مع أبيه وقت وقوع الجريمة بحيث لا يمكن أن يعرف من الحكم ما إذا
كانت المحكمة قصدت تجزئة شهادة هذا الشاهد فلم تعوّل على هذا الجزء من شهادته أو أنها
لم تقصد التجزئة وتركت هذا الجزء من الشهادة قائماً وهو يتعارض إلى حدّ ما مع أقوال
ابن القتيل. وهذا التجهيل في الحكم يعيبه للقصور في تسبيبه وللإخلال بحق الدفاع.
وحيث إن مبنى الوجه الثالث من أوجه الطعن أن المحكمة أخلت بحق الدفاع. وفي بيان ذلك
يقول الطاعن إن من بين من سمعتهم النيابة في التحقيق شاهدة تسمى منيرة السيد، وكانت
تقيم وقت الحادثة في منزل القتيل وابنه بكر محمد منازع، شهدت أنها نزلت من مسكنها عقب
الحادثة مباشرة فوجدت القتيل ملقى على باب المنزل لا ينطق ولم يكن بجواره أحد من ذويه.
ومع ما في شهادة هذه الشاهدة من دليل قاطع على كذب أقوال زوجة القتيل وعدم صدق شهادة
ابنه الذي زعم أنه كان بجوار أبيه وقت أن طعنه المتهم بالسكين، ولحرص الدفاع على أن
يعلن هذه الشاهدة أمام المحكمة ليسقط بها شهادة ابن القتيل أعلنها في محل إقامتها فرفض
ذووها استلام الإعلان فسلم للمحافظة. وفي يوم الجلسة تمسك الدفاع بضرورة تأجيل الدعوى
حتى تحضر وتسمع شهادتها لما لها من أهمية، ولكن المحكمة قررت نظر الدعوى وذكرت أنها
إذا رأت لزوماً لسماع هذه الشاهدة تجري اللازم. وفعلاً نظرت الدعوى وسمعت الشهود ثم
كلفت النيابة باستدعاء شاهدة النفي المذكورة. وفي الجلسة التالية لم تحضر الشاهدة وقالت
النيابة إنها أرسلت إشارة تليفونية إلى قسم كرموز لإحضارها وورد الرد بأنها غير موجودة
بمحل سكنها وهو مغلق. ويقول الطاعن إنه كان الواجب المتعين على المحكمة إزاء هذا أن
تؤجل نظر الدعوى لحضور الشاهدة بعد ما بدا من أهمية شهادتها. وهذا هو ما طلبه الدفاع
وأصر عليه، ولكن المحكمة بدلاً من إجابة هذا الطلب الذي يقتضيه العدل استمرت في سماع
الدعوى وحكمت في موضوعها، ولكي يستر الحكم النقص الناشئ عن الإخلال بحق الدفاع تعرّض
لأقوال هذه الشاهدة في التحقيق وقال إن المحكمة تستبعد شهادة زوجة القتيل، وبهذا تنتفي
حاجة الدفاع إلى الاستشهاد بمنيرة لأنه لم يستشهد بها إلا لتكذيب زوجة القتيل. أما
بالنسبة لشهادة ابن القتيل فإنه على فرض إصرار شاهدة النفي منيرة بالجلسة على أقوالها
بالنسبة لعدم وجود ابن القتيل، فإن المحكمة لا تأخذ بشهادة الشاهدة المذكورة لأن عدم
رؤيتها له لا يقطع بعدم وجوده وقت الحادثة. وينعى الطاعن على المحكمة هذا الذي وقع
منها.
وحيث إنه يبين من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن محامي الطاعن طلب التأجيل لعدم حضور
شاهدة النفي ورفضها استلام الإعلان وقال إن الدفاع متمسك بسماع أقوالها ومناقشتها لأهمية
ذلك، وقدّم الإعلان للمحكمة فقالت إنها لا تستطيع تأجيل القضية لهذا السبب وهو عدم
حضور الشاهدة، وأجاب الدفاع بأن هذا العذر طارئ وهو يأسف لاضطراره لأن يطلب هذا الطلب
وأنه يتمسك بطلب التأجيل وسماع أقوال الشاهدة. ولكن المحكمة قرّرت نظر القضية وقالت
"إذا رأت لزوماً أثناء نظر القضية لهذه الشاهدة أجرت اللازم". ثم سمعت أقوال الشهود.
وبعد ذلك قال الدفاع إنه يتمسك بشهادة منيرة شاهدة النفي لأنها تكذب شهادة زوجة القتيل
وابنه. فقرّرت المحكمة استمرار المرافعة لجلسة اليوم التالي، وطلبت إلى النيابة العامة
استدعاء منيرة السيد. وفي اليوم التالي قالت النيابة إنها أرسلت إشارة إلى قسم كرموز
لإحضار الشاهدة وورد الردّ بأنها غير موجودة بمحل سكنها وهو مغلق ولا يعلم وجودها،
وقرّر صاحب الملك بأنها لم تحضر لمنزلها منذ أحد عشر يوماً ولا يعلم محل وجودها. فقال
الدفاع إنه يتمسك باستحضار هذه الشاهدة لأهمية سماعها. وبالرغم من ذلك أمرت المحكمة
بالمرافعة في الدعوى. وقد ورد على لسان الدفاع أثناء المرافعة "وإذا انتقلنا إلى شاهدة
النفي منيرة التي رجونا المحكمة وحاولنا أن تحضر فلم نوفق لوجدنا أنها هي التي حضرت
للمجني عليه أوّلاً وقبل زوجته لأنها ساكنة بالمنزل وقد قالت إنها وجدت المجني عليه
ملقى على باب المنزل، وهذا قاطع بأن مخلوقاً لم ير القتيل إلى أن وقع على العتبة، وقد
قالت منيرة صراحة بأن بكر لم يكن مع أبيه القتيل".
وحيث إنه بالاطلاع على الحكم المطعون فيه يبين أنه قد أثبت مؤدى شهادة منيرة السيد
في التحقيق بأنها تسكن في الدور السفلي بمنزل القتيل وأنها سمعت الهرج فخرجت فوجدت
المجني عليه ملقى على الأرض فنادت على زوجته وأختها فنزلتا وشاهدتا القتيل، وقالت بأنها
لم تنظر بكر محمد منازع ابن القتيل، وأن المحكمة نظرت الدعوى وسمعت شهادة كل من بكر
محمد منازع والسيدة جنيدي ومحجوب عبد اللطيف وخديجة عمران وأحمد فؤاد وسمعت شهود نفي
المتهمين الذين حضروا عدا منيرة السيد، وأن الدفاع تمسك بسماع شهادة منيرة لأنها هادمة
لشهادة خديجة والسيدة وبكر، فأمرت المحكمة باستمرار المرافعة لجلسة 27 سبتمبر سنة 1937
وكلفت النيابة باتخاذ اللازم لإحضار منيرة السيد. وبالجلسة المذكورة لم تحضر منيرة
وقالت النيابة إنها لم تستدل عليها في محل إقامتها وتمسك الدفاع بسماع شهادتها. ثم
بعد أن أوردت المحكمة أدلة الثبوت التي اعتمدت عليها قالت إنها "لم تر محلاً لسماع
شهادة منيرة السيد لا لأن النيابة لم تهتد إلى محل إقامتها فقط بل لأن شهادتها غير
منتجة فإن المحكمة قد استبعدت من تقديرها شهادة السيدة جنيدي ولم تأخذ بشهادتها لأن
خديجة أختها وهي لم تشهد برؤيتها للمتهم قالت في صراحة إنها سبقت أختها إلى مكان الحادثة
مما يقطع بأن السيدة لم تر الضارب لزوجها. أما قول منيرة بأن بكر محمد منازع لم يكن
موجوداً فهو قول على فرض إصرارها عليه بالجلسة فإن المحكمة لا تأخذ به لأن عدم رؤيتها
له لا يقطع بعدم وجوده وقت الحادثة خصوصاً وإن أحمد أفندي فؤاد قد شهد برؤيته في مكان
الحادثة".
وحيث إنه يبين مما تقدّم أن الدفاع إذ عوّل على مناقشة شاهدة النفي لم يقصر في واجب
العمل على إعلانها قبل الجلسة حسب القانون، وقال للمحكمة إنه أعلنها ولكنها لم تشأ
أن تتسلم الإعلان ورفضته، ثم قدّم الإعلان ليدعم به قوله من أن الشاهدة رفضت الاستلام
وأنها تحاول التخلص من واجب الشهادة. وقد لجأ الطاعن إلى المحكمة بعد أن نفذ كل ما
في مقدوره عمله لتساعده ولتمكنه بما لها من سلطة واسعة تكفل حضور الشاهدة إلى الجلسة
ولو بطريق القبض عليها. فكان من واجب المحكمة والحالة هذه أن تعاون الدفاع في أداء
مأموريته، وأن تأمر بالبحث عن الشاهدة وإحضارها ولو بالقوّة لأداء الشهادة. أما تدليل
المحكمة على سقوط واجب الشهادة عن الشاهدة بالقول إن النيابة لم تهتد إلى محل إقامتها
عند طلبها في المرة الثانية فمردود لأن تغيب الشاهدة عن بيتها يوم طلبها لا يفيد استحالة
حضورها أو إحضارها. أما وقد قصرت المحكمة في الأمر بتعقب الشاهدة وإحضارها مع علمها
بأنها تتهرب من أداء الشهادة فقد أخلت بحق الدفاع. وعلى الأخص بعد أن طلبت هي نفسها
من النيابة إحضار الشاهدة الأمر الذي يفيد أنها تبينت حق الدفاع في مناقشتها وأن الغرض
من طلبها لم يكن للمراوغة أو تعطيل سير الدعوى.
وحيث إن ما ذكرته المحكمة في حكمها "من أنها لا تأخذ بأقوال شاهدة النفي المذكورة في
صدد تجريح شهادة ابن القتيل حتى إذا حضرت وأصرت عليها في الجلسة لأن عدم رؤيتها له
مع أبيه عند المنزل لا يقطع بعدم وجوده وقت الحادثة – هذا الذي ذكرته المحكمة لا يغير
بحال من الاعتبار المتقدّم، ولا يفيد أن الدفاع وفى حقه. وذلك لأن المحكمة وحدها ومن
تلقاء نفسها افترضت مقدّماً أن الشاهدة سوف تروي رواية معينة ومحدّدة وهي التي ذكرت
في التحقيق على لسانها. ثم عنيت المحكمة بالقول بأنها لا تأخذ بها إذا ما شهدت بها
أمامها مع أن الدفاع طلب مناقشة الشاهدة لإثبات كذب أقوال ابن القتيل. وبديهي أنه كان
من حقه أن يضمن المناقشة كل ظروف الواقعة وكل ما من شأنه تعرف مكان ابن القتيل وقت
الحادثة. ومثل هذه المناقشة قد تؤدي إلى غير النتيجة التي وصلت إليها المحكمة. وإذا
لوحظ مع هذا أن الأحكام تبنى في الأصل على التحقيقات العلنية التي تحصل شفوياً أمام
المحاكم وفي مواجهة الخصوم، وأن للدفاع أن يتمسك أمام المحكمة بسماع شهود نفي المتهم
ولو كانوا قد سئلوا في التحقيق الابتدائي لما قد يكون في موقفهم وفي كيفية أدائهم للشهادة
من أثر في رأي القاضي في صدد القوّة التدليلية للشهادة – إذا لوحظ هذا كله تكون المحكمة
قد أخطأت فيما ذهبت إليه من صرف النظر عن سماع شاهدة النفي والاكتفاء بالردّ على أقوالها
الواردة في التحقيقات.
وحيث إنه لما تقدّم يتعين نقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة جنايات إسكندرية
للحكم فيها مجدّداً من دائرة أخرى.
