الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 231 سنة 23 ق – جلسة 16 /05 /1957 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 8 – صـ 479

جلسة 16 من مايو سنة 1957

برياسة السيد عبد العزيز محمد رئيس المحكمة، وبحضور السادة: اسحق عبد السيد، ومحمد عبد الواحد علي، وأحمد قوشه، ومحمد متولي عتلم المستشارين.


القضية رقم 231 سنة 23 القضائية

( أ ) إثبات. "الإثبات بالبينة". الإثبات بالبينة فيما يخالف أو يجاوز الثابت بالكتابة في المواد التجارية. جوازه.
(ب) حكم استئنافي "تسبيبه". عدم التزام محكمة الاستئناف بالرد تفصيلاً على أسباب الحكم المستأنف.
(ج) حكم استئنافي "تسبيبه". انتهاء الحكم الاستئنافي في خصوص الدلائل التي ساقها إلى غير ما انتهى إليه حكم محكمة أول درجة باستخلاص سائغ. عدم الرد على وجهة نظر حكم محكمة أول درجة في خصوص هذه الدلائل. لا عيب.
(د) إثبات "الإثبات بالبينة". شهادة. صلة الشاهد بأحد الخصوم (مستخدم لديه) لا تمنعه من أداء الشهادة.
(هـ) نقض. "أسباب جديدة" محكمة الموضوع. بيع. النزاع أمام محكمة الموضوع على مقدار كمية الحديد المتعاقد عليها وعدم تمسك المشترى صراحة أمامها بقيمة العجز الذي يدعيه. إثارة الجدل بشأن العجز أمام هذه المحكمة. لا محل له.
1 – إذا استبانت المحكمة من ظروف الدعوى التجارية وملابساتها أن الادعاء بحصول اتفاق يخالف أو يجاوز الثابت بالكتابة مرجح كان لها أن تقتضي بإحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات هذا الادعاء ولا مخالفة فيما تقضي به في هذا الخصوص للقانون. ذلك أن الشارع استبعد المواد التجارية من الأحكام التي وضعها للإثبات في المواد 400 – 403 من القانون المدني وجاءت أحكام تلك المواد لتنظيم قواعد الإثبات في غير المواد التجارية فأباح القانون في المواد التجارية الإثبات بالبينة كقاعدة عامة ولم يستثن من ذلك إلا ما نص عليه في المواد 40 – 46 و63 من قانون التجارة والمواد 3 و90 و150 و174 من القانون البحري – ولا محل إذن للتحدي بحكم الفقرة الأولى من المادة 401 من القانون المدني التي منعت الإثبات بالبينة فيما خالف أو جاوز الثابت بالكتابة.
2 – محكمة الاستئناف ليست ملزمة بتعقب أسباب الحكم المستأنف والرد عليها تفصيلاً ما دامت قد أقامت قضاءها على ما يحمله.
3 – إذا كان الحكم الاستئنافي قد انتهى في خصوص الدلائل التي ساقها إلى غير ما انتهى إليه حكم محكمة أول درجة فإن ذلك لا يعيبه ما دام أن ما استخلصه في خصوصها سائغ عقلاً. كما أن عدم الرد على وجهة نظر حكم محكمة أول درجة في خصوص تلك الدلائل لا يعيب الحكم الاستئنافي بالقصور.
4 – إذا كانت المحكمة قد اعتمدت على شهادة شاهدين من مستخدمي أحد الخصوم كان أحدهما هو ممثل هذا الخصم في الاتفاق موضوع النزاع في الدعوى فإن المحكمة لا تكون قد خالفت القانون لأن صلة هذين الشاهدين بذلك الخصم لا تمنعهما قانوناً من أداء الشهادة ما دام أن أحداً منهما ليس خصماً في الدعوى.
5 – متى كان النزاع قد دار بين الطرفين أمام محكمة الموضوع على أمر واحد هو مقدار كمية الحديد التي تم عليها التعاقد ولم يتمسك المشتري صراحة لدى تلك المحكمة بالمطالبة بقيمة العجز الذي يدعيه فإنه لا يكون هناك محل لإثارة الجدل بشأنه أمام هذه المحكمة.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في أن الطاعن أقام الدعوى 1905 سنة 1950 تجاري كلي القاهرة على المطعون عليها طلب فيها الحكم بفسخ العقد المؤرخ 19 من يوليو سنة 1950 وبإلزام المطعون عليها بأن تدفع له مبلغ 2170 ج و196 م واستند في دعواه إلى أنه كان قد تعاقد مع المطعون عليها على أن تبيعه مائة طن من الحديد وحرر الاتفاق في صورة إيصال موقع عليه من "فيليكس بللوز" ممثل المطعون عليها تضمن أنه استلم من الطاعن شيكاً على بنك مصر بمبلغ مائة جنيه بمثابة عربون عن مائة طن من الحديد المبروم بسعر 2750 قرشاً للطن – وأضاف الطاعن أن المطعون عليها لم تورد له من الكمية المتعاقد عليها إلا 49 طناً و348 كيلو جراماً على ثلاث دفعات آخرها في 28 من أغسطس سنة 1950 وخصمت مبلغ العربون من ثمن الدفعة الأخيرة، ثم امتنعت المطعون عليها بعد ذلك عن تنفيذ تعهدها متعللة بأن الاتفاق تم على خمسين طناً فقط وأن ما زاد على هذه الكمية كان الاتفاق عليه موقوفاً على موافقة مقر الشركة الرئيسي ولم تتم هذه الموافقة – وانتهى الطاعن إلى أنه إزاء امتناع المطعون عليها عن تنفيذ ما تعهدت به اضطر إلى شراء باقي الكمية المتفق عليها بسعر 4750 قرشاً للطن فخسر بذلك مبلغ 1170 ج و196 م قيمة فرق الثمن كما ناله ضرر بسبب تصرف المطعون عليها إذ تأخر في الوفاء بما التزم به من أعمال للحكومة وقدر هذا الضرر الأخير بألف من الجنيهات – دفعت المطعون عليها الدعوى بأن الاتفاق تم بين ممثلها في القاهرة "فيليكس بللوز" وبين الطاعن على خمسين طناً فقط وأن الإيصال الذي حرر عن العربون قد ذكرت به الكمية على أنها مائة طن بناء على طلب الطاعن على أن يكون التعاقد عنها مرهوناً بموافقة المقر الرئيسي لها. واستدلت على ذلك أولاً بأن المواصفات التي قدمها الطاعن عقب الاتفاق كانت قاصرة على 50 طناً مدللة على ذلك بدفتر الكوبيا الخاص بها وبأنها خصمت مبلغ العربون من ثمن الرسالة الثالثة والأخيرة التي أكملت بها القدر المتعاقد عليه وكان في ذلك دلالة استنفاد العقد لأغراضه وسكت الطاعن عن ذلك كما أن الطاعن عندما أرسل إليها الخطاب 3 من أكتوبر سنة 1950 يطلب فيه تنفيذ الصفقة على أنها تمت عن مائة طن جاء خطابه هذا خلواً من مواصفات الكمية التي يطالب بها مما يدل على عدم جدية مطالبته، وفضلاً عن ذلك فإن الطاعن سكت من ذلك التاريخ حتى أرسل إلى المطعون عليها خطاباً وضع عليه تاريخ 10 من فبراير سنة 1951 وصل إليها في 6 من مارس سنة 1951 مرفقاً به شيك بثمن باقي كمية الحديد التي يدعى حصول التعاقد عليها. وفي 9 من فبراير سنة 1952 قضت المحكمة بفسخ العقد المؤرخ 19/ 7/ 1950 وبإلزام الشركة المدعى عليها بأن تدفع للمدعي مبلغ 1470 جنيهاً و169 مليماً…" وأقامت المحكمة قضاءها على أن إيصال 19 من يوليو سنة 1950 صريح في أن التعاقد تم عن مائة طن وأن المطعون عليها لم تقدم أي دليل على إدلاء الطاعن بمقاسات خاصة بخمسين طناً وأن المحكمة لا تعول على دفتر الكوبيا الخاص بالمطعون عليها ولا على ما ذكرته من أن التعاقد على ما زاد على الخمسين طناً كان موقوفاً على موافقة المقر الرئيسي لعدم قيام الدليل على صحة هذا الدفاع وأن واقعة خصم العربون من ثمن الكمية الأخيرة التي وردتها المطعون عليها لا يقوم حجة على الطاعن لأنه عمل تم من جهتها هي ورفضت المحكمة طلب المطعون عليها إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات أن الاتفاق تم على تخفيض الكمية المتعاقد عليها لكفاية الدليل المقدم في الدعوى وانتهت المحكمة إلى تقرير ثبوت تقصير المطعون عليها وإلى مسئوليتها عن فرق ثمن الحديد وقدرت للطاعن تعويضاً عن الضرر المادي والأدبي بسبب نكول المطعون عليها عن تنفيذ الصفقة بمبلغ 300 ج. استأنفت المطعون عليها هذا الحكم وقيد الاستئناف برقم 191 سنة 69 ق استئناف القاهرة. وردد الطرفان أمام محكمة الاستئناف دفاعهما أمام محكمة أول درجة. وفي 25 من ديسمبر سنة 1952 قضت محكمة الاستئناف "بقبول الاستئناف شكلاً وقبول الفصل في موضوع الدعوى بإحالتها إلى التحقيق لتثبت المستأنفة أن الطرفين اتفقا على أن يكون التنفيذ باتاً فيما يختص بخمسين طناً ومعلقاً على إجازة المقر الرئيسي للشركة فيما يختص بالخمسين طناً الباقية…" وبعد أن تم التحقيق حكمت المحكمة في 7 من مايو سنة 1951 "بإلغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف عليه فطعن الطاعن في هذا الحكم وفي الحكم التمهيدي الصادر في 25 من ديسمبر سنة 1952، وعرض الطعن على دائرة فحص الطعون وأبدت النيابة رأيها برفضه وقررت دائرة الفحص في 13 من مايو سنة 1951 إحالة الطعن إلى الدائرة المدنية والتجارية لجلسة 25 من إبريل سنة 1957 وفيها صممت النيابة على رأيها.
وحيث إن حاصل السبب الأول من أسباب الطعن أن الحكم التمهيدي إذ قضى بإحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات ما يخالف ما أثبت بإيصال 19 من يوليو سنة 1950 قد خالف القانون لأن الدليل الكتابي لا ينقضه إلا دليل كتابي أو قرينة قانونية لا تحتمل إثبات عكسها ولكن الحكم ركن إلى قرائن غير قاطعة لإباحة إثبات ما خالف الثابت بالكتابة كما أن الحكم القطعي قد خالف القانون بدوره بما قرره من أن التعاقد وإن كان قد ذكر به أنه عن مائة طن إلا أنه في حقيقته تم عن خمسين طناً فقط وأن ذلك لابد أن يكون قد حصل شفوياً فافترض الحكم بذلك عكس الثابت بالكتابة فرضاً واجباً بغير دليل – وأن الحكمين المطعون فيهما قد جاءا قاصرين عن بيان العناصر الواقعية في شأن إيصال 19 من يوليو سنة 1950 وخالف نصوصه الصريحة وعدلا عن تفسير مدلوله الصريح مخالفين بذلك حكم محكمة أول درجة دون أن يردا على أسبابه ومن ذلك: أولاً – أن حكم محكمة أول درجة قرر أن إيصال 19 من يوليو سنة 1950 صريح في أن التعاقد تم على مائة طن من الحديد وأن هذا الإيصال خلا من ذكر أية مواصفات أو مقاسات من الحديد المتعاقد عليه وأن المطعون عليها لم تقدم أي دليل على أن الطاعن حدد مقاسات أو مواصفات عن خمسين طناً فقط – ولم يعول ذلك الحكم على دفتر الكوبيا المقدم من المطعون عليها والثابت به مقاسات ومواصفات عن خمسين طناً لحساب الطاعن استناداً إلى أن الدفاتر التجارية على فرض انتظامها وهو ما لم يتحقق في هذا الدفتر لا ترقى في الإثبات إلى مرتبة الدليل – في حين أن الحكم التمهيدي الصادر من محكمة الاستئناف قد استند في القضاء بالإحالة إلى التحقيق على مجرد تناقض روايتي طرفي الخصومة – كما أن الحكم القطعي أورد أنه وإن كان إيصال 19 من يوليو سنة 1950 حرر عن مائة طن إلا أن الاتفاق تم في الحقيقة عن خمسين طناً فقط وأن ذلك لابد أن يكون قد تم شفوياً واستند إلى ظواهر وعوامل واقعية سردها – ومجرد تناقض رواية طرفي الخصومة لا يبرر الإحالة إلى التحقيق لإثبات ما خالف الثابت بالكتابة، كما أن الظواهر والعوامل التي سردها الحكم القطعي لا تبرر إهدار ما ثبت بالكتابة. وثانياً – أن الحكم القطعي المطعون فيه ذكر أن من الظواهر التي اعتمد عليها في ترجيح رواية المطعون عليها وإهدار مدلول إيصال 19 من يوليو سنة 1950 الصريح أن المطعون عليها خصمت قيمة العربون المنوه عنه بذلك الإيصال من ثمن آخر شحنة أرسلتها إلى الطاعن في 28 من أغسطس سنة 1950 وأن دلالة هذا الإجراء أن المطعون عليها أخطرت الطاعن بانقضاء التعاقد دون أن يرد الحكم على ما أورده حكم محكمة أول درجة من أن هذا الإجراء لا يلزم الطاعن لأنه تم من جانب المطعون عليها وحدها ولم يثبت رضاء الطاعن بدلالته – كما أن الحكم القطعي إذ قرر أن الطاعن سكت عن مدلول هذا الإجراء يكون قد خالف الثابت في الدعوى ذلك أن الشحنة الأخيرة التي خصم العربون من ثمنها لم تصل إلى الطاعن إلا في 20 من سبتمبر سنة 1950 وأنه بادر إلى مطالبة المطعون عليها بتنفيذ ما تعهدت به بإيصال 19 من يوليو سنة 1950 بخطابه المرسل إليها في 3 من أكتوبر سنة 1950
وحيث إن هذا السبب مردود في جميع وجوهه أولاً بأن الفقرة الأولى من المادة 400 من القانون المدني تنص على أنه "في غير المواد التجارية إذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته على عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة فلا تجوز البينة في إثبات وجوده أو انقضائه ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك". كما تنص المادة 401 على "أنه لا يجوز الإثبات بالبينة ولم لم تزد القيمة على عشرة جنيهات ( أ ) فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي…" ثم ورد نص المادة 402 بأنه "يجوز الإثبات بالبينة فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مبدأ ثبوت الكتابة…" وأباحت المادة 403 الإثبات بالبينة فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي أو إذا فقد الدائن سنده الكتابي لسبب أجنبي لا يد له فيه – ومؤدى هذه النصوص أن المشرع وضع قاعدة عامة في الإثبات بالبينة في المادة 400 فنص على جواز الإثبات بها في المواد التجارية وعلى عدم جواز الإثبات بها في غير المواد التجارية إذا زادت قيمة التصرف القانوني على عشرة جنيهات أو كان التصرف غير محدد القيمة، ثم أوردت المواد 401 و402 و403 أحكاماً تمنع الإثبات بالبينة ولو لم تزد القيمة على عشرة جنيهات "م 401" وأحكاماً أخرى تجيز الإثبات بها فيما كان يجب إثباته بالكتابة "المادتين 402 و403" وسياق المواد على هذا النحو يشير إلى أن الشارع استبعد المواد التجارية من الأحكام التي وضعها للإثبات في المواد 400 – 403 وجاءت أحكام تلك المواد لتنظيم قواعد الإثبات في غير المواد التجارية فأباح القانون في المواد التجارية الإثبات بالبينة كقاعدة عامة ولم يستثن من ذلك إلا ما نص عليه في المواد 40 – 46، 63 من قانون التجارة والمواد 3 و90 و150 و174 من القانون البحري – والحكمة التي رأى المشرع من أجلها إباحة الإثبات بالبينة في المواد التجارية هي أن المعاملات التجارية تقتضي السرعة وتستلزم البساطة وتستغرق وقتاً قصيراً في تنفيذها – وما دام أن المواد التجارية لا تخضع للأحكام التي سنتها المواد 400 – 403 من القانون المدني فلا محل إذن للتحدي بحكم الفقرة الأولى من المادة 401 التي منعت الإثبات بالبينة فيما خالف أو جاوز الثابت بالكتابة ومن ثم فإن المحكمة إذ استبانت من ظروف الدعوى التجارية وملابساتها أن الادعاء بحصول اتفاق يخالف أو يجاوز الثابت بالكتابة مرجح كان لها أن تقضي بإحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات هذا الادعاء ولا مخالفة فيما تقضي به في هذا الخصوص للقانون وإذ كان الحكم التمهيدي قد استند إلى القرائن التي أوردها فيما انتهى إليه من إحالة الدعوى إلى التحقيق كما كان الحكم القطعي فيما انتهى إليه من حصول اتفاق يخالف الثابت بالكتابة لم يفترض ذلك بغير دليل بل ساق الأدلة التي استند إليها من شهادة الشهود والقرائن وخلص منها إلى النتيجة التي انتهى إليها – لما كان ذلك فإن النعي على الحكمين بمخالفة القانون يكون غير صحيح. ثانياً – بأن ما ينعاه الطاعن في هذا السبب على الحكمين بالقصور مردود بأن الحكم التمهيدي قد أورد روايتي طرفي الخصومة ثم ساق الدلائل التي استندت إليها المطعون عليها لتأييد وجهة نظرها وخلص من ذلك إلى "أنه وإن كان يبدو من ظاهر الاتفاق المؤرخ 19 من يوليو سنة 1950 أنه المنظم لعلاقات الطرفين غير أن المستأنفة أتت بجملة قرائن يحتمل معها الحد من مدلول هذا الاتفاق والقول بأنه كان خاضعاً لتحفظ – قبله المستأنف ضده – يقضي بوجوب اعتماده من مركز الشركة الرئيسي عن نصف الكمية الموضحة في الاتفاق ومن ناحية أخرى أصر المستأنف ضده على ما نص عليه التعاقد حرفياً – وأنه إزاء ما علق بالوقائع من تناقض مرجعه تباين هاتين الروايتين رأت المحكمة قبل الفصل في الموضوع واستكمالاً لعناصر الدعوى أن تحيلها على التحقيق…" – كما أن الحكم القطعي بدوره قد أورد خلاصة ما انتهى إليه من شهادة الشهود الذين سمعوا في الدعوى وذكر أنه "فضلاً عما انطوى عليه التحقيق من ظواهر لتأييد رواية الشركة المستأنفة فهناك ثلاثة عوامل جوهرية تقطع بصحتها – أولها – أن فيليكس بللوز وكيل الشركة أبلغ مركزها الرئيسي في 3 من أغسطس سنة 1950 مقاسات الكمية التي اقتصر على طلبها المستأنف عليه وهي خمسون طناً ويستفاد ذلك من دفتر الكوبيا المقدم من المستأنفة عليه ويبدو من الاطلاع على هذا الدفتر أنه ممسك بطريقة مسلسلة ومنتظمة تدعو إلى الاعتداد بمحتوياته – ولو أن الاتفاق كان منصباً على الكمية المدرجة في الإيصال لما أغفل الوكيل ذكر تلك الكمية – أما القول بأن الشركة عجزت عن تقديم الدليل الكتابي على اكتفاء المستأنف عليه بخمسين طناً من الحديد فمردود بأن وكيل الشركة لم يتوان في إبلاغ المركز الرئيسي حقيقة ما انتهى إليه الاتفاق بين الوكيل وعميله المستأنف عليه ولابد أن يكون ذلك قد تم شفوياً بينهما – وإن ارتفاع أسعار الحديد لم يجاوز حتى 15 من أغسطس سنة 1950 العشرة في المائة ولا يمكن أن تكون هذه الزيادة الطفيفة هي الباعث على إخلال المستأنف عليها باتفاقها – ثانياً – أرسل المركز الرئيسي للشركة الخمسين طناً أو ما قل عنها بقليل إلى المستأنف عليه بسوهاج على ثلاث شحنات كان آخرها في 28 من أغسطس سنة 1950 ومما يستوقف النظر أن المستأنفة خصمت من مطلوبها لدى المستأنف عليه مبلغ العربون المدفوع منه – ورغماً من أن خصم العربون على هذه الصورة هو بمثابة إخطار ضمني من الشركة بانقضاء التعاقد فقد ركن المستأنف عليه إلى السكوت التام… وأن العرف التجاري يقضي بأن السكوت في مثل هذه الحالة ينطوي على معنى القبول. ثالثاً – اعترض فيليكس بللوز على خطاب المستأنف عليه بخطاب موصى عليه ذكره فيه بأن حقيقة الاتفاق كانت على خمسين طناً غير أن المستأنف عليه عاود تمسكه بالصمت المطلق… وأنه ما لجأ إلى المطالبة بخمسين طناً أخرى إلا بعد مرور ما يقرب من خمسة شهور وبعد أن أيقن أن أسعار الحديد قد جاوزت ما قدر لها عند كتابة الإيصال…" وخلص الحكم من كل ذلك إلى أن "المحكمة ترى أن الاتفاق على الحديد خلافاً لما أظهرته صياغته الحرفية لم يكن باتاً إلا بالقدر الذي ورد فعلاً للمستأنف عليه أما الجزء الباقي فقد علق على شرط إجازته من المقر الرئيسي…" – وهذا الذي أورده الحكمان وأقاما عليه قضاءهما لا يشوبه قصور، وإذا كان الحكمان قد انتهياً في خصوص الدلائل التي ساقها إلى غير ما انتهى إليه حكم محكمة أول درجة فإن ذلك لا يعيبهما ما دام أن ما استخلصاه في خصوصها سائغ عقلاً. كما أن عدم الرد على وجهة نظر حكم محكمة أول درجة في خصوص تلك الدلائل لا يعيب الحكمين بالقصور ولا على المحكمة إذا هي لم ترد على كل ما ساقه الحكم المستأنف ما دامت قد أقامت قضائها على ما يحمله – وأما مانعاه الطاعن على الحكم القطعي من مخالفة الثابت في الدعوى في خصوص ما أورده عن سكوت الطاعن عن المطالبة بالخمسين طناً الأخرى التي يدعي أن إيصال 19 من يوليو سنة 1950 يشملها بعد وصول الشحنة الأخيرة التي أرسلتها إليه المطعون عليها في 28 من أغسطس سنة 1950 والقول بأن تلك الشحنة لم تصل إلى الطاعن إلا في 20 من سبتمبر سنة 1950 وأنه بادر في 3 من أكتوبر سنة 1950 إلى مطالبة المطعون عليها بتوريد باقي الكمية التي يدعي أن التعاقد تم عنها فمردود بأن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لم يسبق عرضه على محكمة الموضوع ومن ثم لا يجوز التحدث عنه أمام هذه المحكمة.
وحيث إن حاصل السبب الثاني أن الحكم القطعي تناقض في أسبابه كما تناقض مع المعقول ومع ما أورده حكم محكمة أول درجة في خصوص ارتفاع أسعار الحديد وفي خصوص تحديد بدء النزاع بين طرفي الخصومة إذ أورد الحكم في بعض أسبابه أن أثمان الحديد لم ترتفع في فترة النزاع وحتى 15 من أغسطس سنة 1950 إلا بما يعادل 10% من الثمن المتفق عليه وعبر عن هذه الزيادة بأنها طفيفة وفاته أنه ذكر في موضع آخر في الحكم أن النزاع لم ينشأ من الطرفين إلا بعد إرسال الشحنة الأخيرة في 28 من أغسطس سنة 1950 – وأن ما وصف به الحكم الزيادة لا يمثل الحقيقة لأن تلك الـ 10% تبلغ في الصفقة المتعاقد عليها نحو 150 جنيهاً – هذا فضلاً عن أن الحكم لم يرد على ما جاء بالحكم المستأنف في هذا الخصوص.
وحيث إن هذا السبب مردود بأن الحكم القطعي إذ تحدث عن ارتفاع أثمان الحديد حتى 15 من أغسطس سنة 1950 لم يورد هذا البيان وهو في سبيل تحديد بدء النزاع إنما أورد الحكم هذه العبارة للتدليل على أن المطعون عليها وقد أثبتت في دفتر الكوبيا بتاريخ 3 من أغسطس سنة 1950 مقاسات الحديد عن خمسين طناً لم يكن هناك من ناحية ارتفاع الأسعار ما يدعوها إلى قصر الصفقة على نصف الكمية المتفق عليها – كما أن ما أورده الحكم عن وصف زيادة الأسعار بأنها طفيفة مردود بأن ذلك من إطلاقات قاضي الموضوع في تقدير الوقائع وأن عدم الرد على ما استند إليه حكم محكمة أول درجة في هذا الخصوص لا يعيب الحكم المطعون فيه لأن المحكمة ليست ملزمة بتعقب أسباب الحكم المستأنف والرد عليها تفصيلياً ما دامت قد أقامت قضاءها على ما يحمله.
وحيث إن السبب الثالث يتحصل في النعي على الحكم القطعي بالخطأ في الإسناد والاستناد بمقولة إن ما استخلصه الحكم من شهادة الشاهد محمد أحمد رمضان يناقض ما هو ثابت في محضر التحقيق على لسان ذلك الشاهد إذ نسب الحكم إلى الشاهد أنه يشهد بأن الطاعن ذكر له أنه مستعد لتسوية أمر النزاع وأن الشاهد قرر أنه اتفق مع المطعون عليها على تخفيض 3% من ثمن الصفقة للطاعن واعتمدت المحكمة على هذا الذي أورده الحكم للقول بأن اتفاقاً تم بين الطاعن وبين المطعون عليها مع أن رواية الشاهد صريحة في التحقيق على أن الطاعن لم يذكر له شيئاً عن الكمية المتعاقد عليها وأن الشاهد علم من مستخدمي المطعون عليها أن الاتفاق كان عن خمسين طناً – كما أن الحكم المطعون فيه قد استند إلى شهادة شاهدين من مستخدمي المطعون عليها هما إبراهيم رزق وفيليكس بللوز وأن في الأخذ بشهادتهما مخالفة للقانون لأن ثانيهما هو الموقع على إيصال 19 من يوليو سنة 1950 ومن ثم فهو طرف في النزاع كما أن الشاهد الأول بدوره يعمل مع الشاهد الثاني في مكتب المطعون عليها في القاهرة وأن أقوال هذين الشخصين لا يصح اعتبارها شهادة لأنها لا تخرج عن أن تكون ترديداً لدفاع المطعون عليها في أمر من صميم عملهما وهما لذلك مسئولان عنه.
وحيث إن هذا النعي مردود أولاً بأنه يبين من صورة محضر التحقيق المودعة من الطاعن أن الشاهد محمد أحمد رمضان شهد بأنه سمع من يوسف جباي أن الطاعن اتفق مع فيليكس على خمسين طناً ولكنه عند دفع العربون طلب أن يذكر في الإيصال أن الكمية مائة طن وأن الزيادة كانت متوقفة على موافقة الشركة وأن الشركة لم توافق وأبلغ فيليكس ذلك للطاعن عندما ذهب إليه لتحديد مقاسات الخمسين طن فرد عليه الطاعن بأن الإيصال في سوهاج وأبدى استعداده للتأشير على كعب الإيصال المحفوظ لدى فيليكس بذلك فرد عليه فيليكس بأن لا داعي لذلك ما دامت الثقة متوفرة. وأضاف الشاهد أنه قابل الطاعن وتحدث إليه في الأمر فأظهر الطاعن استعداده لتسوية النزاع وشكا من أن المطعون عليها لم تخصم له 3% فوعده الشاهد بالتحدث في الأمر مع المطعون عليها – وهذا الذي ورد بشهادة الشاهد لا يخالف في شيء ما أثبته الحكم المطعون فيه عنها – ومردود ثانياً بأن المحكمة إذ اعتمدت على شهادة شاهدين من مستخدمي المطعون عليها كان أحدهما هو ممثلها في الاتفاق موضوع النزاع في الدعوى لم تخالف القانون لأن صلة هذين الشاهدين بالمطعون عليها لا تمنعهما قانوناً من أداة الشهادة ما دام أن أحداً منهما ليس خصماً في الدعوى.
وحيث إن السبب الرابع يتحصل في النعي على الحكم القطعي بالقصور عن تحري واقعة الدعوى إذ جرى الحكم على أن المطعون عليها قامت بتعهداتها كاملة إذ وردت خمسين طناً من الحديد إلى الطاعن مع أن الثابت من الأوراق أن المطعون عليها وردت 348 كيلو و49 طناً أي أقل مما تدعي أن التعاقد تم عنه وتقصيرها في توريد بعض ما تقول أنها تعهدت بتوريده يوجب مساءلتها مهما قلت قيمة الجزء الذي تخلفت عن الوفاء به ولكن الحكم قصر في تحري حقيقة الكمية التي وردتها المطعون عليها.
وحيث إن هذا النعي مردود بأنه يبين من أوراق الدعوى أن النزاع كان يدور بين الطرفين على أمر واحد هو مقدار الكمية التي تم عليها التعاقد ولم تكن واقعة عجز الكمية التي وردتها المطعون عليها عن خمسين طناً محل جدل بين الطرفين وبالتالي لم تتناولها الأحكام الصادرة في الدعوى ولم يتمسك الطاعن لدى محكمة الاستئناف بالمطالبة بقيمة العجز المذكور صراحة ومن ثم فلا محل لإثارة الجدل بشأنه أمام هذه المحكمة.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الطعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات