الطعن رقم 2145 سنة 5 ق – جلسة 25 /11 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 504
جلسة 25 نوفمبر سنة 1935
برياسة حضرة زكي برزي بك المستشار وحضور حضرات محمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك ومحمود سامي بك.
القضية رقم 2145 سنة 5 القضائية
قرار حفظ. متى يعتبر؟
(المادة 42 تحقيق)
إذا دفع المتهم بعدم قبول الدعوى العمومية لصدور قرار بحفظها استناداً إلى ما دوّنه
وكيل النيابة المحقق بالمداد الأحمر في محضر التحقيق تحت عنوان "قرار حفظ قطعي"، وأجاب
الحكم عن هذا الدفع بأن القرار الذي يشير إليه هذا المتهم خاص بمتهم توفى وبأنه كان
يحوي بضعة أسطر لعلها كانت تمس موقف ذلك المتهم ولكن المحقق طمسها دلالة على عدوله
عنها بحيث لم يصبح في الإمكان تمييز ألفاظها، وبأن المتهم لا يمكن أن يكتسب حقاً لمجرّد
شروع المحقق في التفكير في إصدار قرار لمصلحته، لأن العبرة هي بما انتهى إليه رأي المحقق
وما استقر عليه في قراره، وبأن قرار الحفظ لا يكون محترماً ونافذاً طبقاً للقانون ما
لم يذيله المحقق بإمضائه، فإذا وضع المحقق مسودة القرار ثم عدل عنها أو شرع في تدبيج
أسباب لقرار جال بخاطره، ثم امتنع عن إتمامه فإن هذا التصرف من جانبه لا يعتبر نهائياً
– فهذا الذي أجاب به الحكم صحيح ولا مخالفة فيه للقانون.
الوقائع
اتهمت النيابة هذا الطاعن بأنه في أوّل يناير سنة 1932 بأرمانيا، استعمل مخالصة مزوّرة بمبلغ مائة جنيه على مسعدة عوض حسان منسوباً صدورها كذباً لها والتي أثبت بها كتابة مكان أخرى محيت، تحتها ختم المجني عليها والشهود مع علمه بتزويرها، وطلبت من محكمة جنح إيتاي البارود الجزئية معاقبته بالمادة 183 من قانون العقوبات. ادعت مسعدة عوض حسان المجني عليها مدنياً وطلبت الحكم لها بمبلغ عشرة جنيهات تعويضاً قبل الطاعن وآخر. سمعت المحكمة المذكورة الدعوى وقضت فيها حضورياً بتاريخ 28 إبريل سنة 1934 عملاً بالمادة السالفة الذكر بحبس المتهم ثلاثة أشهر مع الشغل وكفالة خمسمائة قرش وإلزامه مع آخر متضامنين بأن يدفعا للمدعية بالحق المدني مبلغ خمسمائة قرش والمصاريف المدنية المناسبة. استأنف المحكوم عليه هذا الحكم في يوم صدوره. ولدى نظر الدعوى أمام محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية منعقدة بهيئة استئنافية دفع الحاضر مع الطاعن فرعياً بعدم قبول الدعوى العمومية إذ أصدر فيها المحقق بتاريخ 3 أكتوبر سنة 1933 قراراً قطعياً مسبباً بحفظها ألغاه في 21 أكتوبر سنة 1933 على خلاف ما تقضي به المادة 42 فقرة ب من قانون تحقيق الجنايات، فقررت المحكمة ضم هذا الدفع إلى الموضوع. وبعد أن أتمت سماعه قضت فيها حضورياً بتاريخ 5 نوفمبر سنة 1934 بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف دون أن تشير في أسباب حكمها إلى شيء عن الدفع السابق وذلك عملاً بمادة الاتهام. فطعن الأستاذ عبد الحميد السنوسي أفندي المحامي بالتوكيل عن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 15 نوفمبر سنة 1934 وقدّم حضرته تقريراً بالأسباب في 20 منه. ومحكمة النقض نظرت هذا الطعن وقضت فيه بتاريخ 28 يناير سنة 1935 بقبوله شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى إلى محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية للقضاء فيها ثانية من هيئة استئنافية أخرى. وعند نظر الدعوى ثانية أمام محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية منعقدة بهيئة استئنافية دفع الحاضر مع المتهم فرعياً بعدم قبول الدعوى العمومية لسابقة صدور قرار بحفظها، وبعد أن أنهت المحكمة المذكورة سماع الدعوى قضت فيها بتاريخ 10 يونيه سنة 1935 عملاً بمادة الاتهام بقبول الاستئناف شكلاً وبرفض الدفع بعدم قبول الدعوى العمومية وبتأييد الحكم المستأنف وألزمت المتهم بالمصاريف المدنية الاستئنافية وثلثمائة قرش أتعاباً للمحاماة وأعفته من المصاريف الجنائية. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض لثاني مرة بتاريخ 16 يونيه سنة 1935 وقدّم الأستاذ عبد الحميد السنوسي أفندي المحامي عنه تقريراً بالأسباب في 29 يونيه سنة 1935.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن محصل الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن محكمة الموضوع إذ قضت برفض الدفع استناداً
إلى أن قرار الحفظ لم يوقع عليه بإمضاء وكيل النيابة في الوقت الذي سلمت فيه بوجود
ذلك القرار ثم طمسه بعد ذلك قد أخطأت في تطبيق القانون لأنه لا يشترط لصحة أي قرار
أن يمهر بإمضاء واضعه ما دام واضعه لم ينكر صدوره، وقد كان يتعين عليها أن تعتبره نهائياً.
ومن حيث إنه بالاطلاع على الحكم المطعون فيه يرى أنه ذكر أن المتهم دفع بعدم قبول الدعوى
العمومية لصدور قرار بحفظها وأنه استند في ذلك إلى ما دوّنه وكيل النيابة المحقق بالمداد
الأحمر في محضر التحقيق تحت عنوان (قرار حفظ قطعي). وقد أجاب الحكم عن هذا الدفع بأن
القرار الذي يشير إليه الطاعن خاص بمتهم توفى، وأن ذلك القرار كان يحوي بضعة أسطر لعلها
كانت تمس موقف المتهم ولكن المحقق طمسها بالمداد دلالة على عدوله عنها بحيث لم يصبح
في الإمكان تمييز ألفاظها. وقد ذكر الحكم بحق أن "المتهم لا يمكن أن يكتسب حقاً لمجرّد
شروع المحقق في التفكير في إصدار قرار لصالحه لأن العبرة بما انتهى إليه الرأي وبما
استقر عليه المحقق في قراره. ولن يكون القرار محترماً ونافذاً طبقاً للقانون ما لم
يذيله المحقق بإمضائه، فإذا هو وضع مسودّة القرار ثم عدل عنها أو شرع في تدبيج أسباب
لقرار جال بخاطره، ثم امتنع عن إتمامه فإن هذا التصرف من جانبه لا يعدّ نهائياً" ثم
رفض الدفع بهذه الأسباب. وهذه المحكمة تقرّ محكمة الموضوع على ما رأته في هذا الشأن.
ومن حيث إن محصل الوجه الثاني أن من بين ما استند إليه الحكم في إدانة الطاعن واقعة
لا أثر لها في التحقيقات وهي قوله إن اتفاق 4 يوليه سنة 1931 تنفذ مع أن التحقيقات
تفيد العكس.
ومن حيث إنه بالاطلاع على التحقيقات التي دارت بشأن هذه المسألة أمام المحكمة الاستئنافية
يبين أنها كانت موضع خلاف بين الطاعن والمدعية بالحق المدني وأن من بين الشهود من شهد
بأن مشارطة 4 يوليه سنة 1931 لم تنفيذ ولكن المحكمة رجحت من ظروف الدعوى أنها نفذت
فعلاً اعتماداً على أدلة ذكرتها في الحكم. فما قررته المحكمة بهذا الشأن إنما هو تقدير
موضوعي لا إشراف لمحكمة النقض عليه.
ومن حيث إن محصل الوجه الثالث أن الطاعن دفع بأن اتفاق 4 يوليه سنة 1931 لم ينفذ، وأنه
أيد ذلك بجملة أدلة فحققته المحكمة وثبت لها صدق الطاعن فيما دفع به ولكن حكمها جاء
خالي البيان بخصوصه. وهذا ما يعيب الحكم.
ومن حيث إن هذا الوجه مردود بما سبق ذكره في معرض الرد على الوجه الثاني.
ومن حيث إن محصل الوجه الرابع أن مما استندت إليه محكمة الموضوع قولها إن زوج المدعية
بالحق المدني أنكر التوقيع على ورقة أوّل يناير سنة 1932 وهي بذلك قد أخطأت في تطبيق
القانون أيضاً لأنه لم يكن أمامها دعوى بتزوير الورقة المذكورة فما كان يجوز لها أن
تقبل القول بحصول إنكار التوقيع ما لم يحصل الادعاء بالتزوير وعلى هذا يجب اعتبار الورقة
صحيحة إلى أن تتخذ بشأنها الإجراءات القانونية وتكون النتيجة التي وصلت إليها المحكمة
مخالفة للمبادئ التي استقر عليها الفقه والقضاء.
وحيث إنه فضلاً عما في هذا الوجه من الخلط بين الإنكار والادعاء بالتزوير فإن ورقة
أوّل يناير سنة 1932 كانت من المسائل التي يهم المحكمة استجلاء حقيقتها توصلاً إلى
تكوين اعتقادها فيما يتعلق بصحة التهمة الموجهة إلى الطاعن أو بطلانها. فلما سمعت أقوال
زوج المدعية بالحق المدني بشأن الختم المنسوب إليه على الورقة المذكورة، واستعرضت سائر
الظروف المحيطة بهذه الواقعة قررت في حكمها "أن الزوج أنكر التوقيع على هذه الورقة
وأن الدلائل قامت على صحة إنكاره" ولم تكن المحكمة بحاجة إلى أن تلجأ إلى أكثر مما
لجأت إليه لتمحيص هذه النقطة الفرعية ولم تكن على الخصوص بحاجة إلى الالتجاء إلى إجراءات
دعوى التزوير التي لا يلجأ إليها إلا أمام المحاكم المدنية متى رأت هذه المحاكم الأخيرة
لزوماً لذلك. فما وقع من المحكمة لا مخالفة فيه لشيء من قواعد القانون.
ومن حيث إن محصل الوجه الخامس أن واقعة الاستعمال غير مبينة البيان الكافي.
ومن حيث إنه لا صحة لهذا الوجه بتاتاً إذ الحكم لم يهمل بيان واقعة الاستعمال بل قال
عنها "وإن المتهم استعملها – أي المخالصة المزوّرة – وهو عالم بتزويرها بأن قدّمها
في التحقيقات يوم 23 يونيه سنة 1933 بنقطة الكنيسة وتمسك بها في جميع أدوار التحقيق
وأمام المحكمة واستند عليها في التدليل على تخالصه من الدين واستمرت الجريمة باستمرار
الاستعمال…إلخ" وفي هذا القول ما يكفي بياناً لواقعة الاستعمال.
