الطعن رقم 1285 سنة 5 ق – جلسة 20 /05 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 476
جلسة 20 مايو سنة 1935
برياسة حضرة مصطفى محمد بك وحضور حضرات زكي برزي بك ومحمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.
القضية رقم 1285 سنة 5 القضائية
( أ ) وصف التهمة. الطعن بوجود نقص في وصف التهمة. متى يجب إبداؤه؟
(المادة 236 تحقيق)
(ب) اختلاس. وكيل بالأجرة. تصرفه فيما بعهدته تصرف المالك في ملكه. تحقق جريمة الاختلاس.
(جـ) تبديد. نية الحيازة المؤقتة. تحوّلها إلى التملك. تحقق جريمة التبديد.
(المادة 296 عقوبات)
1 – إن ما يزعمه المتهم من النقص في وصف التهمة الموجهة إليه يجب إبداؤه والتمسك به
لدى القضاء الموضوعي في الوقت المناسب. فإذا هو لم يفعل ولازم السكوت فليس له أن يثير
هذا الأمر لأوّل مرة لدى محكمة النقض.
2 – إذا سلم الوكيل بالأجرة الشيء الذي في عهدته للغير لبيعه وشراء شيء آخر بثمنه،
فهذا التصرف يعتبر بمثابة تصرف المالك في ملكه وبه تتحقق جريمة الاختلاس.
3 – تعتبر جريمة التبديد تامة بمجرّد طروء التغيير على نية الحيازة، وتحوّلها إلى نية
حيازة بقصد التملك، بعد أن كانت نية حيازة وقتية لحساب الغير.
الوقائع
اتهمت النيابة العامّة هذا الطاعن بأنه في يوم 7 نوفمبر سنة 1933 بأسيوط: (أوّلاً) بدّد كيلتين من قمح حلمي إبراهيم السبع المسلم لبنك التسليف الزراعي على سبيل الرهن، وكانت هذه الغلال قد سلمت من البنك المذكور للمتهم بصفته وكيلاً عنه بالأجرة فاختلسها إضراراً بالبنك، ولأنه في يوم 8 نوفمبر سنة 1933 بدّد خمسة أرادب من الفول المسلم من الأهالي لبنك التسليف الزراعي على سبيل الرهن، وكانت هذه الغلال قد سلمت من البنك المذكور للمتهم بصفته وكيلاً عنه بالأجرة فاختلسها المتهم إضراراً بالبنك المذكور. وطلبت من محكمة جنح أسيوط الجزئية معاقبته بالمادة 296 من قانون العقوبات. سمعت المحكمة الدعوى وقضت فيها حضورياً بتاريخ 4 يونيه سنة 1934 عملاً بمادة الاتهام بحبس المتهم شهرين مع الشغل عن التهمتين وكفالة خمسمائة قرش. استأنف المتهم هذا الحكم في 7 يونيه سنة 1934، ومحكمة أسيوط الابتدائية الأهلية منعقدة بهيئة استئنافية نظرت القضية وقضت فيها حضورياً بتاريخ 19 فبراير سنة 1935 بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف. فطعن الأستاذ محمد كامل حسن أفندي المحامي وكيل المتهم في هذا الحكم بطريق النقض في 6 مارس سنة 1935 وقدّم حضرته تقريراً بأسباب هذا الطعن في 9 مارس سنة 1935.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن حاز شكله القانوني.
وحيث إن مبنى الوجه الأول هو أن التهمتين الموجهتين إلى الطاعن غير مبينتين بياناً
كافياً لأن الصيغة فيهما قاصرة على الوصف القانوني دون ذكر الوقائع المادية التي يصح
وصفها بأنها تبديد يستحق الطاعن من أجله العقاب، ويعتبر الطاعن ذلك نقصاً في الإجراءات
القانونية مبطلاً للحكم.
وحيث إنه فضلاً عن عدم صحة هذا الوجه لأن ما جاء في وصف التهمتين فيه البيان الكافي
الذي يستلزمه القانون، فإن ما يزعمه الطاعن من النقص في وصف التهمة كان يجب عليه إبداؤه
والتمسك به لدى القضاء الموضوعي في الوقت المناسب. أما وهو لم يفعل ذلك ولازم السكوت
فقد سقط حقه في أن يثيره لدى محكمة النقض لأوّل مرة عملاً بنص المادة 236 من قانون
تحقيق الجنايات.
وحيث إن محصل الوجهين الثاني والثالث هو أن الحكم الجزئي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون
فيه قد أخطأ في اعتباره أن الجريمتين المسندتين للطاعن قد تمتا فعلاً. وفي بيان ذلك
يقول الطاعن إنه بالنسبة للتهمة الأولى وهي تبديد كيلتين من القمح، فإن كل ما نسب إلى
الطاعن بشأنها أنه أمر بتسليم هاتين الكيلتين لشخص لبيعهما وشراء زكايب بثمنهما. وهذا
الأمر بفرض وقوعه لا يكفي وحده في تكوين جريمة التبديد. وفوق ذلك فإن الحكم ليس به
ما يفيد أن ذلك الشخص استلم الكيلتين فعلاً وباعهما بناءً على هذا الأمر. أما بالنسبة
للتهمة الثانية وهي تبديد الفول فقد اعتبر الحكم مجرّد وضع الفول على العربة كافياً
لإتمام الجريمة، ومع أن الحكم لم يأخذ بما أثاره الدفاع من أن الواقعة إن صحت فلا تعدو
أن تكون شروعاً في الجريمة فقد فاته أن جريمة التبديد تقع غالباً والمتهم حائز للشيء
وواضع يده عليه، إذ عندئذ قد يكون تغيير النية كافياً متى برز هذا التغيير في الوجود
وتعزز بعمل سلبي أو مادّي. أما في هذه الدعوى فلا يتصوّر وقوع الجريمة من الطاعن بينما
الفول لم يكن في حيازته وتحت تصرفه بل هو في شونة البنك تحت تصرف إدارته وتحت تصرف
أصحابه. وإذاً فغير كافٍ تغيير النية وحده، بل يجب أن تتم أركان الجريمة من نقل الفول
إلى حيازة المتهم فعلاً. أما ما ذكره الحكم من وقائع فلا يخرج عن كونه شروعاً في تبديد
غير معاقب عليه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قال عن التهمة الأولى وهي تبديد الطاعن لكيلتي القمح "إنها
ثابتة من شهادة عطية جوهر الذي قرّر بأنه سلم إبراهيم اللواح كيلتين من القمح المودع
بالشونة بناء على أمر المتهم (الطاعن) وذلك لبيعهما وشراء أشولة بثمنهما، كما أشار
هذا الحكم في معرض سرد الوقائع إلى واقعة التسليم هذه تنفيذاً لأمر الطاعن للغرض آنف
الذكر. وإذاً يكون ما زعمه الطاعن من عدم حصول التسليم فعلاً غير صحيح وتكون جريمة
التبديد لكيلتي القمح متوافرة الأركان بعد أن أثبت الحكم واقعة التسليم. ذلك لأن تسليم
الطاعن القمح الذي كان في عهدته للغير لبيعه على الوجه المتقدّم ذكره يعتبر بمثابة
تصرف المالك في ملكه وبه تتحقق جريمة الاختلاس. أما عن التهمة الثانية فقد أفاض الحكم
في بيان وقائعها وطريقة ارتكابها. ومحصل ذلك كما جاء في الحكم المطعون فيه أن الطاعن
أمين شونة بنك التسليف يحفظ ما بالشونة وديعة تحت يده وتبقى في عهدته إلى أن يحضر صاحب
المحصول ومعه إذن استلام من البنك فيسلم هذا الإذن للأمين ويتسلم محصوله منه. وقد أراد
الطاعن أن يستولي لنفسه على جانب مما في عهدته من الفول فكلف عطية جوهر الخفير بأن
ينقل مقادير معينة من أهراء الفول المودعة بالشونة فقام الخفير بهذا العمل وجعل من
مجموع المقادير المسلوبة هرياً مستقلاً وضعه في زكائب ثم نقله فوق عربة، وعندئذ فاجأه
وكيل البنك وضبط العربة بما عليها". ثم عقب الحكم على ذلك بقوله "إن العبرة في جريمة
الاختلاس والتبديد إنما هي في تحوّل نية الحيازة المؤقتة عند الأمين إلى نية التملك،
وليس من شرائط هذا التحوّل أن يتصرف المتهم في الشيء المختلس بالبيع أو النقل أو غير
ذلك". ولا يسع محكمة النقض سوى أن تقرّ محكمة الموضوع على ما رأت من اعتبار واقعة التبديد
التي ارتكبها الطاعن جريمة تامة بمجرّد ثبوت التغيير الطارئ على نية الحيازة، هذا التغيير
الذي ثبت لمحكمة الموضوع من الوقائع التي بينتها والتي تؤدي إليه. أما ما يدعيه الطاعن
من أن الفول والقمح لم يكونا في حيازته وتحت تصرفه بل كانا في حيازة البنك وتحت تصرفه
فلا يلتفت إليه طالما أنه ثابت مما أورده الحكم أنه حائز فعلاً للفول والقمح وقد تسلما
إليه من البنك بصفته وكيلاً عنه بالأجرة.
وحيث إنه لما تقدّم يكون الطعن متعين الرفض موضوعاً.
