الطعن رقم 793 سنة 4 ق – جلسة 25 /03 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 449
جلسة 25 مارس سنة 1935
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وبحضور حضرات مصطفى محمد بك وزكي برزي بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.
القضية رقم 793 سنة 4 القضائية
تزوير. بصمة الإصبع. حرمتها. حجيتها. نسبة البصمة الموقع بها على
تعهد أو التزام لشخص آخر. تزوير.
(المادة 179 ع)
للبصمة حرمة، وللمحرّر المذيل بها حجية فيما سطر من أجله، والعبث به عبث بالثقة العامة
التي وضعت فيه مستوجب للعقاب. فالمحرّر الذي يسند فيه للغير أي تعهد أو التزام ويذيل
ببصمة تنسب كذباً لهذا الغير يكتسب في الظاهر شكل الورقة الصحيحة المثبتة لذلك التعهد
أو الالتزام ويمكن أن يخدع من يتعامل به، كما تخدع الورقة المذيلة بإمضاء مزوّر أو
ختم مزوّر من يتعامل بها. ذلك لأن البصمات تتشابه، وهي لا تقرأ إلا بعد تحقيق فني،
فيمكن للمزوّر أن يقدّم ذلك المحرّر للقضاء ويحصل منه على ما يحصل عليه لو قدّم له
ورقة عليها ختم أو إمضاء مزوّر، فهو إذن محرّر يصلح مبدئياً أن يكون أساساً للمطالبة
بحق ويمكن أن ينشأ عنه ضرر للغير.
ومن يبصم بأصبعه أو إصبع غيره على محرّر وينسب كذباً تلك البصمة لشخص آخر إنما ينتحل
شخصية ذلك الشخص الآخر، والانتحال طريقة مستقلة من طرق التزوير المادي التي نصت عليها
المادة 179 من قانون العقوبات.
وهذا فضلاً عن أن من ينشئ محرّراً مثبتاً لتعهد أو التزام وينسبه إلى غير محرره بأن
يبصم عليه ببصمة ينسبها كذباً إلى هذا الغير يصح من جهة أخرى أن يعدّ مزوّراً بطريق
الاصطناع، وهو من طرق التزوير المنصوص عليها قانوناً. [(1)]
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد القانوني فهو مقبولاً شكلاً.
ومن حيث إن محصل الوجه الأوّل من وجهي الطعن أن الواقعة التي نسبت إلى الطاعن والتي
عوقب عليها لا جريمة فيها، وملخص تلك الواقعة أن الطاعن حرر على أخيه حنفي حسين حسن
سنداً بمديونيته له في مبلغ 60 جنيهاً وجعل آخر يدعى محمد فرغلي السيد يبصم بأصبعه
على هذا السند ثم تمسك به ضدّ أخيه زعماً منه بأن البصمة الموجودة على هذا السند هي
بصمة ذلك الأخ، وليس في وضع بصمة بدل أخرى أي تزوير أو تقليد. ولذلك يكون الحكم المطعون
فيه إذ أدان الطاعن على تلك الواقعة قد أخطأ في تطبيق القانون.
ومن حيث إن النيابة العامة رفعت على الطاعن الدعوى العمومية متهمة إياه بأنه زوّر على
حنفي حسن حسين إيصالاً بمبلغ 60 جنيهاً بأن نسب إليه أنه أصدره ووقع عليه ببصمته وبأنه
استعمل الإيصال المذكور بأن قدّمه في محضر تحقيق البوليس الذي عمل بناء على بلاغ منه
ضدّ حنفي حسين المذكور مطالباً إياه بردّ المبلغ المحرر، عنه الإيصال المزوّر، وقضى
على الطاعن ابتدائياً بالحبس ستة شهور وتأيد في الاستئناف وأثبت الحكم الابتدائي أن
الطاعن التقى بشخصين في مقهى وطلب منهما أن يشهدا على ورقة كان أعدّها من قبل على أنها
شكوى ضدّ أقارب زوجته ليسلموه ابنته فوقع عليها أحدهما محمد فرغلي السيد بأصبعه تحت
تأثير هذا الفهم، ثم قدّم المتهم الورقة لنقطة البوليس فإذا بها إيصال على أخيه بمبلغ
ستين جنيهاً وقد أنكر المجني عليه توقيعه على هذا الإيصال، واعترف محمد فرغلي السيد
بتوقيعه عليه ببصمته على أنه شكوى.
ومن حيث إن استعمال بصمة الإصبع في المحرّرات بدل الختم أو الإمضاء أمر شائع معروف،
يتعامل بها الجمهور فيما بينهم كما تتعامل بها مصالح الحكومة مع الأفراد الذين يجهلون
الكتابة. وقد أقرت المحاكم المدنية الأهلية والمختلطة هذا العرف إذ هي تأخذ ببصمة الأصبع
كدليل على شخصية المتعاقد قياساً على الختم أو الإمضاء، وتعاقب من ينكر التوقيع ببصمته
أسوة بحالة من ينكر التوقيع بختمه أو إمضائه. كما أقرّه الشارع نفسه في القانون رقم
20 الصادر في 15 مارس سنة 1913 يجعل بعض عقود عرفية تحت مراقبة محاكم الأخطاط (ولو
أن هذا القانون ألغي فيما بعد تبعاً لإلغاء نظام محاكم الأخطاط) فقد سوّى هذا القانون
بصريح اللفظ في عدّة مواد منه طابع الإبهام بالإمضاء والختم. فللبصمة حرمة وللمحرّر
المذيل بها حجية فيما سطر من أجله، والعبث به عبث بالثقة العامة التي وضعت فيه مستوجب
للعقاب، لأن ما يعاقب عليه قانون العقوبات في جرائم التزوير إنما هو الإخلال بالثقة
العامة التي يمكن أن توضع في المحرّرات.
ومن حيث إن المحرّر الذي يسند فيه للغير أي تعهد أو التزام ويذيل ببصمة تنسب كذباً
لهذا الغير يكتسب في الظاهر شكل الورقة الصحيحة المثبتة لذلك التعهد أو الالتزام ويمكن
أن يخدع من يتعامل به، كما تخدع الورقة المذيلة بإمضاء مزوّر أو ختم مزوّر من يتعامل
بها. ذلك لأن البصمات تتشابه وهي لا تقرأ إلا بعد تحقيق فني، فيمكن للمزوّر أن يقدّم
ذلك المحرّر للقضاء ويحصل منه على ما يحصل عليه لو قدّم له ورقة عليها ختم أو إمضاء
مزوّر كاستصدار أمر بالحجز أو حكم غيابي كما يمكنه التصرف فيه بطريق الحوالة إذا كان
سنداً تحت الإذن. فهو إذن محرّر يصلح مبدئياً أن يكون أساساً للمطالبة بحق ويمكن أن
ينشأ عنه ضرر للغير.
ومن حيث إن من يبصم بأصبعه أو إصبع غيره على محرّر وينسب كذباً تلك البصمة لشخص آخر
إنما ينتحل شخصية ذلك الشخص الآخر، والانتحال طريقة مستقلة من طرق التزوير المادّي
التي نصت عليها المادة 179 من قانون العقوبات.
ومن حيث إنه من جهة أخرى فإن من ينشئ محرّراً مثبتاً لتعهد أو التزام وينسبه إلى غير
محرّره بأن يبصم عليه ببصمة ينسبها كذباً إلى هذا الغير يعدّ مزوّراً بطريق الاصطناع
وهو من طرق التزوير المنصوص عليها قانوناّ. ولا يطعن في ذلك أن البصمة في ذاتها لا
يمكن أن تكون مزوّرة لأن التزوير في هذه الحالة ليس تزويراّ بوضع بصمة مزورة وإنما
هو في نسبة البصمة الصحيحة زوراً إلى غير صاحبها كما هو الحال تماماً في نسبة الإمضاء
الصحيح أو الختم الصحيح زوراً إلى غير صاحبيهما في حالة توافق الأسماء، ولا نزاع في
قيام التزوير في الحالتين الأخيرتين. على أن دلالة البصمة على صاحبها الحقيقي لا تكون
إلا بعد التحقيق أي بعد ارتكاب الجريمة، والواجب أن ينظر إلى البصمة وقت ارتكاب الجريمة
لا بعدها. فإذا وجد أنها تخدع الغير وأنها تجري مجرى البصمة الصحيحة حق العقاب. ولا
نزاع في أن المحرّرات المذيلة ببصمات مسندة لغير أصحابها يمكن أن تخدع من يتعامل بها
قبل اكتشاف أمرها.
ومن حيث إن القول بعدم وجود جريمة في نسبة البصمة لغير باصمها لأنها لا تنبئ في الواقع
إلا عمن بصم بها دون غيره يستند في الحقيقة إلى استحالة الجريمة نفسها في هذه الحالة
لأسباب موضوعية (Objectives) مستمدّة من طبيعة البصمة، ولكن المعوّل عليه الآن هو أن
ينظر للجريمة من الوجهة الشخصية (Subjective) فإذا ثبت أن المزوّر عمل كل ما في وسعه
أن يعمله ليصل إلى خدع من يتعامل معه حق عليه العقاب بصرف النظر عما إذا كان يمكنه
أن يحقق غرضه الجنائي أم لا.
ومن حيث إنه لما تقدّم يكون الحكم المطعون فيه إذ أدان الطاعن لتزويره إيصالاً على
آخر بأن نسب إليه أنه أصدره ووقع عليه ببصمته كذباً ولأنه استعمل هذا الإيصال المزوّر
بأن قدّمه في محضر تحقيق البوليس قد أصاب الحقيقة ولذلك يتعين رفض هذا الوجه.
ومن حيث إن محصل الوجه الثاني أن ركن الضرر أو احتمال الضرر من الأركان الأساسية في
جريمة التزوير ولا يتصوّر احتمال حدوث الضرر في حالة التمسك ضد شخص معين بسند مبصوم
عليه ببصمة شخص آخر.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه أثبت احتمال حصول الضرر من فعل الطاعن إذ جاء فيه "إنه
لولا شهادة محمد السيد فرغلي بأن البصمة الموضوعة على الإيصال هي بصمة إصبعه لكان من
المحتمل أن يصيب المجني عليه ضرر، إما اعتباره مبدّداً أو مديناً على الأقل في مبلغ
لم يقبضه ولم يستلمه". وتوفر الضرر أو احتمال الضرر مسألة موضوعية تقدّرها محكمة الموضوع
لأنها من اختصاصها وحدها. ولذلك يكون هذا الوجه على غير أساس أيضاً.
[(1)] راجع مع هذا الحكم الصادر في القضية رقم 1341 سنة 46 القضائية بجلسة 9 مايو سنة 1929 المنشور بالجزء الأول من هذه المجموعة ومما جاء به أن البصمة التي يضعها شخص ما بأصبعه يستحيل عقلاً أن تكون مزوّرة لا في ذاتها ولا في نسبتها لغير باصمها لأنها لو نطقت لما فاهت إلا باسم باصمها لا باسم المراد نسبتها إليه. ويراجع أيضاً الحكم الصادر في القضية رقم 522 سنة 3 القضائية بجلسة 5 ديسمبر سنة 1932.
