الطعن رقم 829 سنة 5 ق – جلسة 11 /03 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 447
جلسة 11 مارس سنة 1935
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وبحضور حضرات مصطفى محمد بك وزكي برزي بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.
القضية رقم 829 سنة 5 القضائية
أسباب الإباحة وموانع العقاب. متى يصح التمسك بالمادة 58 ع؟
إن المادة 58 من قانون العقوبات تشترط لتبرير الفعل الواقع من الموظف – فوق أن يكون
حسن النية – وجوب تحرّيه وتثبته من ضرورة التجائه إلى ما وقع منه وجوب اعتقاده مشروعية
عمله اعتقاداً مبنياً على أسباب معقولة. فإذا كان المفهوم مما أثبته الحكم المطعون
فيه أن ما وقع من المتهم كان عن طيش ولم يكن منبعثاً عن أسباب معقولة فلا يحق له التمسك
بهذه المادة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن حاز شكله القانوني.
وحيث إن مبنى الوجهين الأول والثاني من أوجه الطعن هو أن الطاعن نادى الصيادين من البر
الشرقي فعرفوا أنه خفير وقد طلب إليهم أن يعودوا إلى البر خوفاً من أن يسرقوا المراكب
كما اعتادوا على ذلك، ولما لم يردّوا عليه أطلق عيارين في الهواء ليعوقهم عن الفرار.
ولهذا فلا عقاب على ما فعله عملاً بالمادة 58 من قانون العقوبات لأن إطلاق العيارين
قد جاء طبقاً للتعليمات المعطاة لرجال الخفر.
وحيث إن واقعة هذه المادة – حسبما جاء بالحكم المطعون فيه – هي أن بعض الصيادين كانوا
يصيدون في مركبين لهم في النيل وقد ألقوا شباكهم في الماء في ليلة مقمرة إذ خرج عليهم
الطاعن شاهراً سلاحه وطالباً منهم الخروج إلى البر، فاستمهلوه حتى يجمعوا غزلهم فأمهلهم
عشر دقائق كانوا في خلالها يعملون على رفع الشباك من الماء، ثم أطلق عليهم عياراً نارياً
أحدث جروحاً بأحدهم. وبعد أن أثبت الحكم هذه الوقائع أورد ما تمسك به الطاعن من أنه
قصد إرهاب الصيادين لمنعهم عن الفرار بعد أن اعتقدهم لصوصاً، ورد على هذا الدفاع قائلاً
إن قليلاً من التبصر والتفكير من جانب الطاعن كان يكفي لتبديد هذا الظن إذ نور القمر
كان ساطعاً ترى معه الشباك في الماء، ولأنه كان في وسع الطاعن أن يمهل الصيادين حتى
يجمعوا غزلهم. وأضاف الحكم إلى ذلك أن الصيادين كانوا يضربون الماء بشدّة لدفع السمك
إلى شباكهم وأن الصوت الذي كان ينبعث من هذه الحركة والذي نبه الطاعن إلى وجودهم ما
كان يصدر منهم لو كانوا يريدون السرقة لأن السارق يبتعد عن كل عمل ينم عن وجوده. ثم
استخلص الحكم مما تقدّم طيش الطاعن في تصرفه وإطلاقه النار على الصيادين بلا مبرر أو
داعٍ يلجئه إلى هذه الوسيلة حين رآهم يصيدون، وانتهى إلى اعتباره الطاعن مرتكباً لجريمة
إحداث جروح طبقاً للمادة 206 من قانون العقوبات.
وحيث إنه يؤخذ مما سلف أن تمسك الطاعن بالمادة 58 من قانون العقوبات لم يكن له محل،
إذ هي تشترط لتبرير الفعل الواقع من الموظف، فوق أن يكون حسن النية، وجوب تثبته وتحرّيه
من ضرورة التجائه إلى ما وقع منه ووجوب اعتقاده مشروعية عمله وأن اعتقاده كان مبنياً
على أسباب معقولة. والمفهوم مما أثبته الحكم المطعون فيه أن ما وقع من الطاعن كان عن
طيش ولم يكن منبعثاً عن أسباب معقولة. أما التعليمات الإدارية التي يستند إليها الطاعن
فهي مستمدة من روح القانون ولا تبيح استعمال السلاح ضد المشتبه في أمرهم إلا بعد التيقن
من أن للشبهة محلاً وبعد استنفاد وسائل الإرهاب والتهديد التي قد تعين على القبض على
المشتبه فيهم بغير حاجة إلى استعمال السلاح. وظاهر مما تقدّم ذكره أن الطاعن لم ينفذ
شيئاً من هذه التعليمات.
وحيث إن الوجه الثالث يتحصل في أن محكمة الموضوع لم تبين الأدلة على أن الطاعن أراد
إحداث جروح بالمجني عليه، ولم تأخذ بدفاع الطاعن بأنه قصد مجرد الإرهاب فأصاب العيار
خطأً المجني عليه لهياج البحر واضطراب المركب فوقه مما كان يتعين معه تطبيق المادة
208 لا المادة 206 من قانون العقوبات.
وحيث إن محكمة الموضوع رأت أن الطاعن صوب العيار متعمداً إلى ساق المجني عليه ليحدث
به جروحاً ليعوقه بها عن الفرار، واستخلصت رأيها هذا من الوقائع التي أوضحتها في حكمها
المطعون فيه، وهي مؤدية إلى ما انتهت إليه المحكمة من نتيجة. ولذا يكون تطبيق الحكم
المطعون فيه للمادة 206 من قانون العقوبات على الواقعة التي أثبتها قد جاء سليماً من
شائبة الخطأ.
