الطعن رقم 41 سنة 5 ق – جلسة 18 /02 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 429
جلسة 18 فبراير سنة 1935
برياسة حضرة مصطفى محمد بك وحضور حضرات زكي برزي بك ومحمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.
القضية رقم 41 سنة 5 القضائية
قرار الحفظ. متى يحوز قوّة الشيء المحكوم به؟
(المادة 42 تحقيق)
إن نص المادة 42 من قانون تحقيق الجنايات جاء عاماً غير مفرّق فيه بين قرار حفظ وآخر،
ولم يجعل فيه للأسباب التي يبنى عليها القرار أثر في تحديد قيمته القانونية. وكل ما
اقتضاه القانون في قرار الحفظ كي يكون له ذلك الأثر الذي نصت عليه الفقرة (ب) من المادة
42 هو أن يكون القرار مسبوقاً بتحقيق (Instruction) استبانت منه النيابة أن لا وجه
لإقامة الدعوى. فإذا صدر قرار الحفظ على هذا الأساس فإنه – بغض النظر عن الأسباب الخاصة
التي بني عليها – يحوز قوة الشيء المحكوم فيه، بحيث لا يجوز بعده العود إلى إقامة الدعوى
العمومية إلا في الحالتين المذكورتين في الفقرة (ب) من المادة المذكورة. فالقرار الذي
تصدره النيابة بحفظ الأوراق "لعدم الأهمية" يكتسب كغيره من القرارات قوّة الشيء المحكوم
فيه متى كان صادراً بعد تحقيق.
الوقائع
اتهمت النيابة العمومية كلاً من محمد الجوهري ومحمد رمضان المنسي
ورمضان سيد أحمد ومحمد البسيوني علي بأنهم في ليلة 21 نوفمبر سنة 1933 بميت محمود ضربوا
كلاً من مسعودة محمد ومحمد العزب وإبراهيم العزب فأحدثوا بهم الإصابات الموضحة بالكشف
الطبي والتي تحتاج لعلاج مدّة أقل من عشرين يوماً. وطلبت من محكمة جنح بندر المنصورة
الجزئية معاقبتهم بالمادة 206 من قانون العقوبات.
ولدى نظر الدعوى أمام محكمة جنح بندر المنصورة الجزئية دفع الحاضر مع المتهمين الثاني
والأخير بعدم قبول نظر الدعوى لسابقة صدور أمر من النيابة بحفظها، وطلبت النيابة رفض
هذا الدفع للأسباب الواردة بمحضر الجلسة. وبعد أن أنهت المحكمة سماع الدعوى قضت فيها
بتاريخ 8 إبريل سنة 1934 حضورياً للمتهمين الثاني والأخير وغيابياً للباقين بقبول الدفع
وعدم قبول الدعوى لصدور قرار من النيابة بحفظها. استأنفت النيابة هذا الحكم بتاريخ
10 إبريل سنة 1934 طالبة إلغاء الحكم المستأنف وإعادة القضية لمحكمة أوّل درجة لنظرها.
ولدى نظر الدعوى أمام محكمة المنصورة الابتدائية الأهلية منعقدة بهيئة استئنافية طلب
الحاضر مع المتهمين التأييد. وبعد أن أتمت المحكمة سماع الدعوى قضت فيها بتاريخ أوّل
أغسطس سنة 1934 غيابياً للأخير وحضورياً للباقين بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع
برفضه وتأييد الحكم المستأنف بلا مصاريف. فطعن في هذا الحكم حضرة رئيس نيابة المنصورة
بطريق النقض في 18 أغسطس سنة 1934 وقدّم حضرته تقريراً بالأسباب بتاريخ 19 أغسطس سنة
1934.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن القرار الصادر من النيابة العامة بحفظ الدعوى قطعياً لعدم
الأهمية لا يمنعها من العدول عن الحفظ ورفع الدعوى من جديد طالما أنها لم تسقط بمضي
المدّة لأنه قرار لا يستند إلى نص في القانون وإنما يلاحظ في إصداره أن الواقعة ولو
أن القانون يعاقب عليها إلا أنها بحسب ظروفها تافهة ولا تستحق أن ترفع الدعوى العمومية
بشأنها. ومثل هذا الحفظ إنما يكون من قبيل التنازل عن الدعوى وهو أمر لا تملكه النيابة
لأن القانون يفرض العقاب على كل جريمة ثبتت واقعتها بغير استثناء. وعدم أهمية الواقعة
لا يقتضي عدم العقاب عليها ولكنه قد يبعث سلطة الحكم على تخفيف العقوبة فقط. أما سلطة
التحقيق والاتهام فإنها لا تملك من الأمر سوى أن تقدّم الواقعة إلى المحكمة بالحالة
التي هي عليها. يضاف إلى ما تقدّم أن قرار الحفظ لعدم الأهمية لا يمكن صدوره عن النيابة
بصفتها سلطة تحقيق وإنما قد تصدره وهي تعمل كسلطة اتهام، وإذاً فلا يكون لقرارها قوة
الشيء المحكوم به، ولا تحتاج النيابة في التحلل منه إلى استصدار أمر من النائب العام
بإلغائه بل يكون لها حق الرجوع فيه في أي وقت شاءت بلا شرط ولا قيد. وبما أن الحكم
المطعون فيه قد جعل لهذا القرار قوّة الشيء المحكوم به، وعدّه بهذه المثابة حائلاً
دون العود إلى رفع الدعوى العمومية فيكون بذلك قد أخطأ في تطبيق القانون وأصبح مستحق
النقض.
ومن حيث إن قانون تحقيق الجنايات، بعد أن أسبغ على النيابة العامة السلطة التي كانت
من قبل من اختصاص قاضي التحقيق وحده وهي تولي أعمال التحقيق (Instruction) في القضايا
الجنائية، ولم يبق لذلك القاضي سوى ما ترى النيابة أن تطلب إليه تحقيقه من الجرائم
التي عينتها المادة 57 من قانون تحقيق الجنايات، نص على طريقة تصرف النيابة في القضايا
بعد تحقيقها، وبين في المادة 42 من قانون تحقيق الجنايات حكم الأحوال التي يسفر فيها
التحقيق عن أن الأمر لا يستدعي محاكمة جنائية فقال:
"إذا رؤي للنيابة العمومية بعد التحقيق أن لا وجه لإقامة الدعوى تصدر أمراً بحفظ
الأوراق ويكون صدور هذا الأمر في مواد الجنايات من رئيس النيابة العمومية أو ممن يقوم
مقامه. الأمر الذي يصدر بحفظ الأوراق يمنع من العود إلى إقامة الدعوى العمومية
إلا إذا ألغى النائب العمومي هذا الأمر في مدّة الثلاثة الشهور التالية لصدوره أو إذا
ظهرت قبل انقضاء المواعيد المقررة لسقوط الحق في إقامة الدعوى أدلة جديدة على حسب ما
هو مقرر في الفقرة الثانية من المادة 127".
ومن حيث إن نص هذه المادة جاء عاماً لم يفرّق فيه بين قرار حفظ وآخر، ولم يجعل فيه
للأسباب التي يبنى عليها القرار أثر في تحديد قيمته القانونية. وكل ما اقتضاه القانون
في قرار الحفظ كي يكون له ذلك الأثر الذي نصت عليه الفقرة (ب) من المادة 42 هو أن يكون
القرار مسبوقاً بتحقيق (Instruction) استبانت منه النيابة أن لا وجه لإقامة الدعوى.
فإذا صدر قرار الحفظ على هذا الأساس، بغض النظر عن الأسباب الخاصة التي بني عليها،
فإنه يحوز قوّة الشيء المحكوم به بحيث لا يجوز بعده العود إلى إقامة الدعوى العمومية
إلا في الحالتين المذكورتين في الفقرة (ب) من المادة 42 سالفة الذكر.
ومن حيث إنه بمقارنة المادة 42 المذكورة بالمادة 116 من نفس القانون الواردة في الكتاب
الثاني منه الخاص بالتحقيق بمعرفة قاضي التحقيق يبين أن القانون قد أفسح للنيابة حرية
التصرف في القضايا الجنائية التي تراها غير جديرة بأن تقدّم للمحاكم، فلم يقيد في هذه
الحالة حقها في حفظ الدعوى بضرورة أن تكون الواقعة التي دار عليها التحقيق غير منطوية
على جناية أو جنحة أو مخالفة كما شرط ذلك في المادة 116 على قاضي التحقيق عند إصداره
أمراً بأن لا وجه لإقامة الدعوى، بل أطلق لها الحرّية في حفظ الأوراق كلما رؤي لها
بعد التحقيق أن لا وجه لإقامة الدعوى لأية علة كانت. وورود النص بهذا الإطلاق يسمح
للنيابة بالحفظ ولو ظهر لها من التحقيق ما يدل على وجود جريمة مستحقة للعقاب قانوناً.
ولم تقصر النيابة في الاستفادة من هذه الرخصة القانونية، بل قد جرى العمل عندها – حتى
قبل وضع المادة المذكورة – على حفظ بعض القضايا لعدم الأهمية برغم انطوائها على جرائم
معاقب عليها قانوناً متى رأت في ذلك تحقيقاً لمصلحة اجتماعية أو أخلاقية أو غير ذلك.
ولعل الشارع لحظ في هذه التفرقة بين النيابة وقاضي التحقيق أن النيابة برغم قيامها
الآن بعمل هذا القاضي لا تزال تجمع بين طرف من السلطة القضائية وآخر من السلطة الإدارية،
وأنها بهذه الصفة قد تحتاج في تصرفها إلى قسط من المرونة لا يرى قاضي التحقيق نفسه
بحاجة إلى مثله لأن مهمته قضائية بحتة.
ومن حيث إن ما تثيره النيابة في أسباب طعنها من التشكيك في قوّة القرار الصادر بالحفظ
لعدم الأهمية بحجة أن مثله لا يمكن أن يصدر عن قاضي التحقيق لا محل له، إذ لا يجوز
بعد الذي تقدّم من البيان اتخاذ سلطة قاضي التحقيق معياراً لمبلغ ما يمكن أن يصدر عن
النيابة من تصرفات.
ومن حيث إنه يبين مما تقدّم أن التفرقة التي تريد النيابة أن تقيمها بين قرار الحفظ
لعدم الأهمية وقرارات الحفظ الأخرى لا سند لها من القانون بل هي تتنافى مع عموم نص
المادة 42 من قانون تحقيق الجنايات. ولا جدال في أنه حتى إذا كانت النيابة قد أخطأت
في تخير الأسباب التي اتخذتها أساساً لقرار مّا فإن ذلك لا يسلب القرار قوّته وأثره
القانوني من حيث إنه بمجرّد صدوره قد تعلقت به حقوق الأفراد الذين يعنيهم صدوره، ويكون
شأنه في ذلك شأن القرار الصادر من قاضي التحقيق بأن لا وجه لإقامة الدعوى بناء على
أسباب خاطئة فإنه يكتسب بمجرّد فوات مواعيد الطعن قوّة الشيء المحكوم به على كل حال.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قضى بعدم قبول الدعوى لصدور قرار من النيابة بحفظها.
وقد تبين من الاطلاع على مفردات القضية التي أمرت هذه المحكمة بضمها أن النيابة قررت
حفظ الأوراق لعدم الأهمية، وأن هذا القرار صدر بعد تحقيق من النيابة ولم يصدر من النائب
العام في الميعاد القانوني أمر بإلغائه فيكون قد حاز قوة الشيء المحكوم به. وإذاً يكون
الحكم المطعون فيه قد أصاب الحقيقة فيما قضى به ويتعين لذلك رفض الطعن موضوعاً.
