الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 2265 لسنة 28 ق – جلسة 09 /03 /1959 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الأول – السنة 10 – صـ 286

جلسة 9 من مارس سنة 1959

برياسة السيد مصطفى فاضل رئيس المحكمة, وبحضور السادة: محمود محمد مجاهد, وأحمد زكي كامل, والسيد أحمد عفيفي, وعادل يونس المستشارين.


الطعن رقم 2265 لسنة 28 القضائية

حكم. عيوب التدليل. عدم تجانس الحكم وتهاتر الأسباب. مثال.
إذا كان ما استخلصه الحكم من القول بثبوت الواقعة – حسب تحصيله لها من أقوال الشاهدين – لا يفيد إلا وجود الطاعنين في مكان الحادث واعتدائهما بالضرب على الشاهدين المذكورين, وكان مجرد الوجود في مكان الحادث – حسب منطق الحكم – لا يكفي للإدانة, إذ أنه قضى بتبرئة المصابين من فريق المتهمين مع أن هذه الإصابات تحمل دليل وجودهم بمكان الحادث, فإن هذا الاستخلاص فيه من التعارض ما يعيب الحكم بعدم التجانس والتهاتر في الأسباب مما يستوجب نقضه.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة كلا من 1 – عطا سليمان قاسم و2 – ابو طه سليمان قاسم و3 – محمود عبده قاسم و4 – ابراهيم محمد فوده (الطاعن الأول) و5 – محمد محمد فوده و6 – محمد أحمد فوده و7 – أحمد أحمد أبو جبل (الطاعن الثاني) و8 – مصطفى محمود أبو جبل و9 – عيسى محمود أبو جبل و10 – السيد محمود البطل و11 – سليمان الحبشي قاسم بأنهم أولا: – قتلوا عمدا متولي النجار وولديه محمد وسليمان متولي النجار وكان ذلك مع سبق الإصرار بأن عقدوا بينهم عزمهم وجمعوا قصدهم على قتلهم وأعدوا لذلك عصيا غليظة وغيرها من الالات الحادة والأسلحة (فأس وشرشرة وسكاكين وغيرها) حملوها وذهبوا بها إليهم بحقلهم وأخذوا يضربونهم بالعصى والآلات ثم تبعوهم إلى حظيرة مواشيهم واقتحموا عليهم واستمروا في ضربهم على رءوسهم وأجسامهم فأحدثوا بهم الإصابات المبينة بتقارير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتهم – ثانيا – المتهمان الرابع والسابع (الطاعنان) أيضا أحدثوا عمدا بحميده حسنين النجار وعطا ابراهيم الإصابات المبينة بالتقرير الطبي والتي تقرر لعلاج الأولى منهما مدة لا تزيد على العشرين يوما والتي لا تحتاج لعلاج بالنسبة للثاني – وطلبت إلى غرفة الاتهام إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمواد 230 و231 و242/1 من قانون العقوبات. فقررت بذلك, وقد ادعت أمينه مصطفى (زوجة المجني عليه الأول ووالدة المجني عليه الثاني والثالث) بحق مدني قبل المتهمين جميعا متضامنين وطلبت القضاء لها قبلهم بمبلغ ألف جنيه بصفة تعويض. ومحكمة جنايات المنصورة قضت حضوريا عملا بمواد الاتهام مع تطبيق المادتين 17 و32/2 من قانون العقوبات أولا: بمعاقبة كل من ابراهيم محمد فوده وأحمد أحمد أبو جبل بالأشغال الشاقة المؤبدة وبإلزامهما بأن يدفعا متضامنين لأمينه مصطفى المدعية بالحق المدني باعتبارها زوجة المجني عليه متولي النجار ووالدة المجني عليهما محمد وسليمان متولي النجار مبلغ خمسمائة جنيه والمصروفات المناسبة. وثانيا – ببراءة باقي المتهمين مما أسند إليهم وبرفض الدعوى المدنية قبلهم عملا بالمادتين 304/1 و381/1 من قانون الإجراءات الجنائية فطعن الطاعنان في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.


المحكمة

… وحيث إن محصل وجهي الطعن هو أن الحكم المطعون فيه شابه قصور واضطراب وتناقض في أسبابه وفساد في الاستدلال ذلك بأن دفاع المتهمين جرى على أن الواقعة مجرد مشاجرة قامت بين المجني عليهم والمتهم الحادي عشر سليمان الحبشي قاسم ثم اتسع نطاقها وأدت إلى النتيجة التي انتهت إليها مما ينفي عن الحادث فكرة الاعتداء المبيت والإصرار السابق وأنه قام على صحة هذا الدفاع أدلة مستقاة من إشارة الحادث ومحاضر البوليس والنيابة والكشوف الطبية, ومع ذلك فقد صور الحكم الحادث على أنه قتل عمد مع سبق الإصرار دون أن يلتفت إلى هذا الدفاع أو يرد عليه ودان الطاعنين وحدهما بينما قضى بتبرئة باقي المتهمين ومن بينهم أربعة من المصابين دون أن يفطن إلى دلالة هذا القضاء من نفي التدبير المبيت عن الحادث واعتباره مشاجرة تعدد فيها المصابون من الفريقين ولذلك لا يسأل كل منهم إلا عما قارفه بالذات دون فعل غيره, وقد فات الحكم نسبة أي فعل معين إلى الطاعنين مما يعيبه, كما أسس الحكم قضاءه بإدانة الطاعنين على وجودهما في مكان الحادث واستدل على ذلك من أن أولهما اعتدى على الشاهدة حميده النجار بالضرب وأن ثانيهما اعتدى كذلك على عطا ابراهيم معتمدا على رواية الشاهدين المذكورين في الوقت الذي أطرح فيه شهادتهما بالنسبة إلى باقي المتهمين بدعوى عدم الاطمئنان إلى أقوالهما إلا بالنسبة إلى من اعتدى عليهما عن قرب وكان في مكنتهما تمييزه قولا من الحكم بأن الشاهدة حميده النجار ضعيفة الأبصار ولا تستطيع تمييز المتهمين – على ما تبينته المحكمة على بعد ثلاثة أمتار – ورتب الحكم على ذلك أن الطاعنين دون غيرهما هما اللذان قام الدليل قبلهما على الاشتراك في الحادث, وهذا الذي انتهى إليه الحكم لا يسعفه في نسبة الجريمة التي دان الطاعنين بها ولا يفيد أكثر من وجودهما بمكان الحادث وهو استنتاج استبعده الحكم بالنسبة إلى باقي المتهمين الذين ثبت وجودهم به, وخصوصا أن الحكم قد سلم بضعف إبصار الشاهدة حميده النجار وعدم اطمئنانه إلى شهادتها وشهادة الشاهد الآخر إلا في حق من تحققا من أنه اعتدى عليهما وهذا التحقق لا يفيد أنهما تأكدا من الجاني في جريمة القتل, كما اعتمد الحكم في إدانة الطاعن الأول على وجود آثار دماء بجلباب نسبه إليه تبين أن فصيلتها من الفصيلة التي ينتمي إليها دم المجني عليهما متولى النجار ونجله سليمان, مع أن هذه الفصيلة ليست وقفا عليهما بل ينتمي إليها كثيرون غيرهم وأن الحادث تعدد فيه المصابون من فريق المتهمين كما أصيب فيه الشاهدان سالفا الذكر دون أن يجري البحث عن فصائل دماء هؤلاء مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما محصله: "إنه لنزاع سابق بين عائلتي المتهمين الرابع (الطاعن الأول) والسابع (الطاعن الثاني) والمجني عليهم اتفق عزم المتهمين وإصرارهما على قتل المجني عليهم فاتفقا مع آخرين مجهولين على تنفيذ هذا القصد, وإذ كان المجني عليهم يقومون بالعمل في حقولهم يوم الحادث حضر إليهم الجناة وانهالوا عليهم ضربا بالعصى الغليظة والآلات الحادة التي كانوا قد أعدوها لذلك واستمروا يضربونهم على رءوسهم وأجسامهم فأحدثوا بهم الاصابات المبينة بتقرير الصفة التشريحية والتي أدوت بحياتهم كما اعتدى المتهمان الرابع (الطاعن الأول) والسابع (الطاعن الثاني) أيضا على كل من حميده حسنين النجار وعطا ابراهيم عمدا فأحدثا بهما الاصابات المبينة بالتقرير الطبي والتي تقرر لعلاج الأولى منها مدة لا تزيد على العشرين يوما والتي لا تحتاج لعلاج بالنسبة للثاني". ثم أورد الحكم على ثبوت الواقعة على هذه الصورة أدلة مستمدة من أقوال الشاهدين حميده النجار وعطا ابراهيم ومن تقرير الصفة التشريحية والتقارير الطبية وتقرير المعامل بمصلحة الطب الشرعي.
وحيث إنه يبين من الحكم المطعون فيه أنه في استخلاصه للأدلة التي أسس عليها قضاءه بإدانة الطاعنين قال:
"ومن حيث إن المحكمة ترى وهى تتبين وجه الحق من أقوال الشهود ألا تعول إلا على ما اقتنعت بصدقه من أقوال حميده حسنين النجار وعطا ابراهيم, ومن حيث إن المحكمة فوق ذلك لا تطمئن إلى إدانة أي من المتهمين استنادا إلى أقوال الشاهدين السالف ذكرهما إلا إذا تأيدت بدليل آخر يسندها, ومن حيث إن أقوال الشاهدين لم تتأيد بدليل آخر إلا بالنسبة للمتهمين الرابع والسابع (الطاعنين)" ثم عرض الحكم بيان ما ثبت له من إصابات بالشاهدين المذكورين أوردها التقرير الطبي الموقع عليهما ثم قال "وحيث إنه يبين مما سلف أن المتهمين الرابع والسابع (الطاعنين) اللذين نسب إليهما الشاهدان حميده النجار وعطا ابراهيم الاعتداء عليهما ذلك الاعتداء الذي تأيد وجوده بالكشف الطبي الموقع على الشاهدين والدال على وجودهما بمكان الحادث, هذان المتهمان قد اشتركا على سبيل القطع في ارتكاب الجريمة المنسوبة إليهما مع آخرين. ومن حيث إن المحكمة وإن اقتنعت بوجود الشاهدين على مسرح الحادث إلا أنها لا تطمئن إلى الأخذ بأقوالهما إلا بالنسبة لمن اعتدى عليهما عن قرب وكان في إمكانهما أن يتميزاه حقا, أما بالنسبة لباقي المتهمين فإن حميده وبصرها الضعيف – على ما تبينته المحكمة عند اختبارها بالجلسة إذ أنها لم تميز أشخاص المتهمين على بعد ثلاثة أمتار – فإنه لا يمكن الأخذ بأقوالهما إلا بالنسبة للمتهم الرابع ابراهيم فوده (الطاعن الأول) الذي اعتدى عليهما بعصا أي حصل من قرب بمسافة تمكنها من رؤيته, وأما عطا ابراهيم حبيب فلا يمكن الأخذ بأقواله أيضا بالنسبة لمن عدا المتهم السابع (الطاعن الثاني) الذي اعتدى عليه بالضرب وذلك لما تبين من أقواله بالجلسة من أنه تحقق من بعض المتهمين دون البعض الآخر مما يشكك المحكمة فيما ادعاه من تمكنه من التحقق من الأشخاص الذين اشتركوا في الحادث, عدا من اعتدى عليه من قرب, وتمكن بذلك من رؤيته". ثم انتهى الحكم إلى القول: "ومن حيث إنه وقد بان مما سلف أن المتهمين الرابع والسابع الطاعنين هما اللذان قام قبلهما وحدهما الدليل على الاشتراك في الحادث وأن باقي من قارفه ظلوا مجهولين للمحكمة, لذلك تكون التهمة قبل المتهمين عدا الرابع والسابع (الطاعنين) محل شك ومن ثم يتعين الحكم ببراءتهم مما هو مسند إليهم عملا بالمادتين 304/1 و381/1 من قانون الإجراءات الجنائية", وأضاف الحكم بعد ذلك ما ثبت له من تقرير المعامل بمصلحة الطب الشرعي في حق المتهم الرابع (الطاعن الأول) فقال "إنه فضلا عما اقتنعت به المحكمة من دليل قبل المتهم الرابع فإن هذا الدليل قد تأيد بتقرير المعامل بمصلحة الطب الشرعي الذي ثبت منه أن ما وجد بجلباب المتهم من تلوثات عبارة عن دم آدمي وأن هذا الدم هو من فصيلة دماء سليمان النجار ومتولي النجار من المجني عليهم لا من فصيلة دماء المتهم مما يدل على أن دماء هذين القتيلين قد تناثرت على ملابسه فجاءت دليلا قاطعا على اشتراكه في الحادث, ولا تلتفت المحكمة إلى ما ادعاه هذا المتهم من أن هذا الجلباب ليس له لأن الثابت أنه كان يرتديه عند استجوابه" ثم عرض لسبق الاصرار فقال: "إنه متوفر من ثبوت قيام النزاع السابق بين الطرفين ومن تجمع المتهمين مع آخرين وتوجههم إلى الحقل الذي كان به المجني عليهم ثم مفاجأتهم لهم بالاعتداء المنكر بقصد إزهاق أرواحهم محدثين بهم تلك الضربات المتعددة التي بينتها تقارير الصفة التشريحية السالفة الإشارة إليها". لما كان ذلك, وكان المستفاد من هذا الذي ذهب إليه الحكم أن الحادث لا يعدو مشاجرة طارئة تعدد فيها المصابون من فريقي المجني عليهم والمتهمين وجاء استخلاص الحكم لظرف سبق الاصرار غير سائغ كما قصر في الرد على ما ارتآه الطاعنان من تصوير للحادث على أنه مشاجرة فردية وظاهر الحال في الدعوى يؤيد ذلك التصوير الذي تسانده الإصابات المادية التي شوهدت بفريق المتهمين, ولما كان ما استخلصه الحكم من القول بثبوت الواقعة – حسب تحصيله لها من أقوال الشاهدين سالفي البيان – لا يفيد إلا وجود الطاعنين في مكان الحادث واعتدائهما بالضرب على الشاهدين المذكورين على رغم ما سلم به الحكم من ضعف إبصار الشاهدة حميده حسنين النجار – وكان مجرد الوجود في مكان الحادث – حسب منطق الحكم – لا يكفي للإدانة, إذ أنه قضى بتبرئه المصابين من فريق المتهمين مع أن هذه الإصابات تحمل دليل وجودهم بمكان الحادث, وكان هذا الاستخلاص فيه من التعارض ما يعيب الحكم بعدم التجانس والتهاتر في الأسباب, مما يستوجب نقضه بغير حاجة إلى بحث باقي ما أثاره الطاعنان في طعنهما.
وحيث إنه لما تقدم يتعين قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات