الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1481 لسنة 40 ق – جلسة 22 /11 /1970 

أحكام النقض – المكتب الفنى – جنائى
العدد الثالث – السنة 21 – صـ 1124

جلسة 22 من نوفمبر سنة 1970

برياسة السيد المستشار/ نصر الدين عزام، وعضوية السادة المستشارين/ سعد الدين عطيه، ومحمود كامل عطيفه، والدكتور محمد محمد حسنين، وطه الصديق دنانة.


الطعن رقم 1481 لسنة 40 القضائية

( أ ) قتل عمد. حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". إثبات. "خبرة".
للمحكمة الاستناد فى إدانة المتهمين بجريمة القتل العمد إلى ما جاء بتقرير التحليل من وجود آثار دماء آدمية ببعض المضبوطات لدى المتهمين كقرينة تعزز بها أدلة الثبوت التى أوردتها ولو لم يقطع الحكم فى نسبة تلك الآثار من الدماء إلى المجنى عليهم.
(ب) دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". إثبات. "خبرة".
عدم التزام المحكمة بإجابة طلب استدعاء الخبير لمناقشته. شرط ذلك؟
(ج، د، هـ، و) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". إثبات. "شهود". محكمة الموضوع. "سلطتها فى تقدير الدليل".
(ج) لمحكمة الموضوع استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى عن أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها وإطراح ما يخالفها من صور أخرى. ما دام استخلاصها سائغاً.
(د) تساند الأدلة فى المواد الجنائية؟
(هـ) تناقض الشهود. لا يعيب الحكم. شرط ذلك؟
(و)الخطأ فى الإسناد. لا يعيب الحكم. شرط ذلك ؟
(ز) نقض. "أسباب الطعن. ما لا يقبل منها".
الجدل الموضوعى فى تقدير الدليل. عدم جواز إثارته محكمة النقض.
(ح) سبق الإصرار. ترصد. قتل عمد. محكمة الموضوع. "سلطتها فى تقدير توافر سبق الإصرار والترصد".
تقدير توافر سبق الإصرار والترصد. أمر موضوعى.
1 – متى كان الثابت أن المحكمة لم تبن قضاءها بصفة أصلية على ما استبان من تقرير التحليل من وجود آثار دماء آدمية ببعض المضبوطات وإنما هى استندت إلى وجود تلك الآثار من الدماء ببعض المضبوطات كقرينة تعزز بها أدلة الثبوت التى أوردتها، وإذ لم يقطع الحكم فى نسبة تلك الآثار من الدماء إلى المجنى عليهم ولم يطلب الطاعنون تحقيقاً معينا فى هذا الشأن، فإنه لا جناح على الحكم إن هو عول على تلك القرينة تأييدا وتعزيزا للأدلة الأخرى التى اعتمد عليها فى قضائه ما دام أنه لم يتخذ من تقرير التحليل دليلا أساسيا فى ثبوت الاتهام قبل المتهمين.(1)
2 – من المقرر أن المحكمة لا تلتزم بإجابة طلب استدعاء الخبير لمناقشته ما دامت الواقعة قد وضحت لديها ولم تر هى من جانبها اتخاذ هذا الإجراء، ومن ثم فإن النعى على الحكم بدعوى الإخلال بحق الدفاع يضحى غير مقبول.
3- لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغا مستنداً إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصل فى الأوراق.
4- لا يلزم أن تكون الأدلة التى اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع فى كل جزئية من جزئيات الدعوى، لأن الأدلة فى المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضى فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقى الأدلة، بل يكفى أن تكون الأدلة فى مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة فى اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه.
5 – تناقض أقوال الشهود لا يعيب الحكم ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من تلك الأقوال استخلاصا سائغا لا تناقض فيه.
6 – الخطأ فى الإسناد لا يعيب الحكم طالما أنه غير مؤثر فيما استخلصته المحكمة.
7 – الجدل الموضوعى فى تقدير الدليل وفى سلطة محكمة الموضوع فى وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض.
8 – البحث فى توافر ظرفى سبق الإصرار والترصد من إطلاقات قاضى الموضوع يستنتجهما من ظروف الدعوى وعناصرها ما دام موجب تلك الظروف والعناصر لا يتنافر عقلا مع ذلك الاستنتاج.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعنين بأنهم فى ليلة 18 أغسطس سنة 1967 بدائرة مركز بلبيس محافظة الشرقية: المتهم الأول قتل محمد عبد الظاهر على سيد أحمد عمدا مع سبق الإصرار والترصد بأن بيت النية على قتله وأعد لذلك سلاحاً ناريا "بندقية" روسى وترصد له فى الطريق الذى أيقن مروره فيه وما أن ظفر به حتى أطلق عليه عدة أعيرة نارية – قاصداً من ذلك قتله – أصابه إحداها وأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التى أودت بحياته. المتهمون من الثانى إلى الأخير اشتركوا فى تجمهر مؤلف من أكثر من خمسة أشخاص الغرض منه ارتكاب جرائم الاعتداء على الأشخاص وكان ذلك باستعمال القوة والعنف حالة كونهم يحملون سلاحا ناريا "بندقية خرطوش" و مدياً وسكاكين وفؤوس من شأنها إحداث الموت إذا استعملت بصفة أسلحة بأن تجمعوا حاملين الآلات سالفة الذكر إثر مقتل قريبهم محمد عبد الظاهر على سيد أحمد وتوجهوا بها إلى منازل عائلة الأول قاصدين الاعتداء عليهم والانتقام منهم وقد وقعت الجرائم الآتية فى سبيل تنفيذ الغرض المقصود من التجمهر مع علم المتجمهرين به قتلوا عمدا إبراهيم السيد عرابى حسان بأن انهالوا عليه طعنا بالمدى والسكاكين قاصدين من ذلك قتله فأحدثوا به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتى أدوت بحياته وقد اقترنت هذه الجناية بجنايات قتل وشروع فيه هى أنهم فى الزمان والمكان سالفى الذكر قتلوا عمداً عمر السيد عرابى حسان وأحمد مختار ومحمد وسامى عبد العاطى عيسى حسان بأن انهالوا عليهم طعناً بالمدى والسكاكين قاصدين من ذلك قتلهم فأحدثوا بهم الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتى أودت بحياتهم وشرعوا فى قتل "هانم الهادى عطية صيام ومحمد عبد المعطى عبد الغنى محمد عرابى حسان بأن طعنوهما بالمدى والسكاكين قاصدين من ذلك قتلهما فأحدثوا بهما الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى الشرعى وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادتهم فيه هو تدارك المجنى عليهما بالعلاج الأمر المنطبق على المواد 45 و46 و234 من قانون العقوبات أحدثوا عمداً بنور الهادى عطية وصيام وروضه وسهير عبد الغنى محمد عرابى الإصابات الموصوفة بالتقارير الطبية التى تقرر لعلاجها مدة لا تزيد عن عشرين يوما. وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم طبقا لمواد الاتهام. فقرر بذلك ومحكمة جنايات الزقازيق قضت حضوريا عملاً بالمواد 230 و231 من قانون العقوبات بالنسبة للمتهم الأول والمواد 45 و46 و234/ 1 و242/ 1 من قانون العقوبات والمادتين 2 و3 من القانون رقم 10 لسنة 1914 بالنسبة لباقى المتهمين مع تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات بالنسبة للمتهمين جميعاً: (أولاً) بمعاقبة المتهم الأول بالأشغال الشاقة المؤبدة. (ثانياً) بمعاقبة كل من المتهمين من الثانى إلى الخامس بالأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة (ثالثاً) بمعاقبة كل من المتهمين السادس والسابع بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات. فطعن الطاعنون الأول والثانى والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع فى هذا الحكم بطريق النقض …. إلخ.


المحكمة

من حيث إن الطاعنين الثانى والسابع وإن قررا بالطعن فى الحكم فى الميعاد إلا أنهما لم يقدما أسبابا لطعنهما، فيكون الطعن المقدم منهما غير مقبول شكلاً.
وحيث إن الطعن المقدم من باقى الطاعنين قد استوفى الشكل المقرر فى القانون.
وحيث إن مبنى الطعن المقدم من الطاعن الأول هو أن الحكم المطعون فيه إذ دانه بجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، قد شابه قصور فى التسبيب وإخلال بحق الدفاع ذلك بأن ما أورده بيانا لنية القتل لا يكفى لاستظهارها والاستدلال على توافرها كما استخلص توافر ظرفى سبق الإصرار والترصد من أمور لا تنتجهما، والتفتت المحكمة عن طلب مناقشة الطبيب الشرعى فى صورة الواقعة كما رواها الطاعن وردت عليه رداً غير سائغ.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد التى دان الطاعن الأول بها، وأقام عليها فى حقه أدلة سائغة تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها، عرض لبيان توافر نية القتل لدى الطاعن بقوله "إن نية القتل متوافرة لدى المتهم الأول من استعماله سلاحا قاتلاً بطبيعته وهو بندقية آلية (اوتوماتيكية) سريعة الطلقات وتصويبها إلى مقتل من المجنى عليه الأول وهو الرأس وإطلاقه عدة أعيرة نارية عليه فأصابه فى مقتل منه بعيار أصابه فى خلفية عنقه وهتك الأجزاء الداخلية حتى خرج من العين اليمنى الأمر الذى يفيد أنه عندما أطلق تلك الأعيرة كان قاصداً قتله وإزهاق روحه" فإن هذا حسبه للتدليل على قيام تلك النية كما هى معرفة به فى القانون. ولما كان الحكم قد استخلص توافر ظرفى فى الترصد وسبق الإصرار فى قوله "وحيث إنه عن ظرفى سبق الإصرار والترصد فهما متوافران أيضا بالنسبة له، ذلك أنه للضغائن السابقة بين عائلته وعائلة المجنى عليه الأول رغم ما يربطهما من أواصر القربى والمصاهرة ونشوب مشاجرة سابقة بينهما أصيب فيها المتهم السابع بعاهة مستديمة اتهم المتهم الأول بإحداثها وحصول مشاحنة بينه وبين المتهم الخامس "السيد عبد الظاهر" فى صباح يوم الحادث أطلق فيها المتهم الأول النار من بندقيته مما حدا بالمجنى عليه الأول إلى أن يتقدم ضده بشكوى إلى العمدة فاستدعاهما وحاول التوفيق بينهما فلم يوفق فأحالهما إلى المركز وأثناء عودتهما وكان المتهم الأول قد امتلأ حقداً بالمجنى عليه فقد بيت النية على قتله وإزهاق روحه تخلصا منه فأخذ يفكر فى هدوء وروية وسبق العائدين بحجة اللحاق بورديته فى المصنع وتوجه إلى منزله وأحضر بندقيته الآلية وكمن للمجنى عليه فى زراعة ذرة متربصا به حتى إذا ما ظفر به وهو فى طريق عودته إلى البلدة أطلق عليه أعيرة نارية من تلك البندقية أصابه إحداها فأرداه قتيلا" وكان البحث فى توافر ظرفى سبق الإًصرار والترصد من إطلاقات قاضى الموضوع يستنتجهما من ظروف الدعوى وعناصرها ما دام موجب تلك الظروف والعناصر لا يتنافر عقلا مع ذلك الاستنتاج. وإذ لم يخطئ الحكم فى تقدير هذين الظرفين، وكان حسبه ما أورده تدليلا على توافرهما ليبرأ من دعوى القصور فى البيان، فإن منعى الطاعن فى هذا الخصوص لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفه من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغا مستنداً إلى أدلة مقبولة فى العقل والمنطق ولها أصل فى الأوراق، وكان الحكم بعد أن سرد وقائع الدعوى عرض لدفاع الطاعن وتناوله بالتفنيد وأورد من الاعتبارات السائغة ما يبرر إطراحه لصورة الواقعة كما رواها الطاعن، وخلص نتيجة فهم سليم للواقع إلى أنه لا مبرر لإجابة الطاعن إلى طلب مناقشة الطبيب الشرعى فى مسار العيار حسب التصوير الذى قال به الطاعن بعد أن التفت عن هذا التصوير، وكان من المقرر أن المحكمة لا تلتزم بإجابة طلب استدعاء الخبير لمناقشته ما دامت الواقعة قد وضحت لديها ولم تر هى من جانبها اتخاذ هذا الإجراء فإن النعى على الحكم بدعوى الإخلال بحق الدفاع يضحى غير مقبول. لما كان ما تقدم، فإن الطعن يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا.
وحيث إن مبنى الطعن المقدم من باقى الطاعنين – عدا الثانى والسابع – هو أن الحكم المطعون فيه إذ دانهم بجريمة الاشتراك فى تجمهر مؤلف من أكثر من خمسة أشخاص الغرض منه ارتكاب جرائم الاعتداء على النفس واقترافهم فى سبيل الغرض المقصود من تجمهرهم جرائم القتل العمد والشروع فيه والضرب المسندة إليهم، قد شابه قصور فى التسبيب وإخلال بحق الدفاع وخطأ فى الاستدلال ذلك بأن ما أورده فى بيان واقعة التجمهر غير كاف، ولم يستظهر توافر عناصرها القانونية وجاء قاصراً فى بيان نية القتل وثبوتها لدى الطاعنين، والتفت عن طلب مناقشة الطبيب الشرعى فى كيفية إصابة المجنى عليهم وما أورده فى تبرير إطراح هذا الطلب لا يصلح رداً عليه، وعول على أقوال الشهود مع تناقضها وعلى تحريات الشرطة مع أن مؤداها أن النصاب العددى المطلوب قانوناً لقيام جريمة التجمهر لم يكن متكاملا، وأغفل الرد على دفاع الطاعنين الثانى والرابع مع جوهريته، كما أن ما أورده على لسان الشاهدة نور الهادى عطية من أنها رأت فى منزل أختها المتهمين الثالث والرابع والخامس ينهالون على "عمر السيد عرابى" طعنا بالسكاكين ليس له مأخذ صحيح فى الأوراق، واستدل الحكم فى قضائه بإدانة الطاعنين بضبط مطواه "سكين وملابس للطاعنين الأول والثانى وهى ملوثة بدم آدمى دون أن يثبت أنها من دماء المجنى عليهم" وذلك كله مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن سرد وقائع الدعوى وأدلة الثبوت فيها وأورد مؤدى نص المادتين الثانية والثالثة من القانون رقم 10 لسنة 1914 اللتين حددتا شروط قيام التجمهر قانونا قد بين توافر عناصر التجمهر وثبوتها فى حق الطاعنين بقوله "وكان الثابت من ظروف الدعوى وملابساتها أن المتهمين من الثانى إلى الأخير قد وقرت فى أذهانهم فكرة الانتقام من المتهم الأول وذويه عقب قيامه بقتل قريبهم المجنى عليه الأول فتجمهروا حاملين فؤوس وسكاكين من شأنها إحداث القتل إذا استعملت فى هذا الشأن ويمموا شطر مساكن المتهم الأول وعبد العاطى عيسى عرابى والسيد عرابى حسان على التوالى قاصدين ارتكاب تلك الجرائم فهاجموا تلك المنازل واعملوا الفئوس فى أبوابها حتى حطموها وتمكنوا من الدخول إلى المنزلين الأولين ولما حاولوا دخول المنزل الثالث ولم يستطيعوا اقتحام بابه تسور المتهمون المذكورون – عدا السادس – جداره وصعدوا إليه ثم نزلوا منه إلى الدار ولحق بهم المتهم السادس من الباب عند فتحه لدخول نور الهادى عطية وإذ ما كانت الجرائم التى ارتكبها هؤلاء المتهمين من طبيعة واحدة ووقعت حالة تجمهر ولم يستقل بها أحد المتجمهرين لحسابه وكان وقوعها بقصد تنفيذ الغرض من تجمهرهم ولم تقع تنفيذاً لغرض سواه ولم يكن الالتجاء إليها بعيداً عن المألوف وكان علمهم بهذا الغرض ثابتا ثبوتا قاطعا من تلك الظروف والملابسات، فإنه يتعين محاسبتهم عن هذه الجرائم مسئولية جماعية بصرف النظر عما أتاه كل منهم من أفعال فى تنفيذها" لما كان ذلك وكانت دلالة ما استظهره الحكم فى مدوناته على نحو ما سلف البيان كافية لبيان أركان التجمهر على ما هو معرف به فى القانون، وما أورده من أسباب سائغة تكشف فى مجموعها عما ينبئ بجلاء عن ثبوت عناصر التجمهر فى حق الطاعنين ويكفى لحمل قضائه، فإن ما يثيرونه فى هذا الصدد ينحل إلى منازعة موضوعية فى العناصر السائغة التى استقت منها المحكمة معتقدها فى الدعوى ويرتد فى حقيقته إلى جدل موضوعى لا يجوز الخوض فيه أمام محكمة النقض، أما النعى على الحكم أنه عول على التحريات مع أن مؤداها أن النصاب العددى المطلوب لقيام التجمهر لم يكن متكاملا، فهو مردود بأنه لا يلزم أن تكون الأدلة التى اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع فى كل جزئية من جزئيات الدعوى، لأن الأدلة فى المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضى فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقى الأدلة بل يكفى أن تكون الأدلة فى مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة فى اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه. لما كان ذلك, وكان الحكم قد دلل على توافر نية القتل لدى الطاعنين بقوله "إن نية القتل متوافرة فى حق المتهمين من الثانى إلى السابع، ذلك أن بعد مقتل قريبهم المجنى عليه الأول فارت الدماء فى عروقهم واستبد بهم الغضب وتجمهروا للانتقام من عائلة المتهم الأول وأقاربه فتجمهروا وأخذوا يجدون فى البحث عنه وتوجهوا إليه منزله مزودين بالفؤوس والسكاكين وحطموا باب ذلك المنزل ولما لم يجدوا غريمهم به ضرب بعضهم بنتيه روحية وسهير بالسكاكين، وإذ شاهدوا إبنه محمد عبد المعطى عبد الغنى طعنه أحدهم بالسكين – وهى أداة قاتلة بطبيعتها – طعنة قوية فى ظهره مسدداً هذه الطعنة إلى مقتل منه وهو الظهر – ولو أن هذه الطعنة لم تنفذ إلى التجويف الصدرى – فوقع على الأرض ثم توجهوا إلى منزل عبد العاطى عيسى حسان وحطموا بابه وصعدوا إلى السطح حيث أعمل بعضهم أسلحتهم القاتلة "سكاكين" فى أحمد ومختار ومحمد وسامى بعدة طعنات قوية قاتلة صوبوها إلى مقاتل منهم نفذت بعضها إلى الرأس والتجاويف الداخلية للجسم مما أحدث بهم الإصابات التى أودت بحياتهم" ثم انتهى الحكم فى بيان نية القتل إلى القول بأن "ظروف الحادث وملابساته على ذلك النحو قاطعة الدلالة فى أن الغضب كان قد استبد بهؤلاء المتهمين من الثانى إلى السابع فلم يكونوا يرضون بالقتل بديلا عن ثأرهم لمقتل قريبهم المجنى عليه الأول" فإن هذا الذى أورده الحكم هو تدليل سائغ على توافر تلك النية بما يحمل قضاء الحكم ويكون النعى عليه بالقصور غير سديد. لما كان ذلك، وكان الحكم قد رد على طلب مناقشة الطبيب الشرعى بقوله "إنه لما كان التقرير الطبى الشرعى قد بين إصابات كل من هؤلاء المجنى عليهم بيانا واضحا وأرجع سبب حصولها على النحو المفصل آنفا فإن المحكمة لا تجد محلاً لإجابة الدفاع إلى طلب مناقشة الطبيب الشرعى فى هذا الخصوص" وكان الطاعنون لا ينازعون فى صحة ما نقله الحكم عن هذا التقرير وكانت المحكمة غير ملزمة بإجابة طلب الدفاع هذا ما دامت الواقعة قد وضحت لديها ولم تر هى من جانبها حاجة إلى استدعاء الطبيب الشرعى لمناقشته, فإن دعوى الإخلال بحق الدفاع لا تكون مقبولة. لما كان ذلك، وكان تناقض أقوال الشهود لا يعيب الحكم ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من تلك الأقوال استخلاصا سائغا لا تناقض فيه كما لا يبين الخطأ فى الإسناد – بفرض وجوده – طالما أنه غير مؤثر فيما استخلصته المحكمة – كما هو الشأن فى الدعوى المطروحة – فإن منعى الطاعنين فى هذا الصدد يكون فى غير محله. لما كان ذلك، وكان الحكم بعد أن بين الأدلة التى رتب عليها قضاءه بإدانة الطاعنين والتى استقاها من أقوال الشهود والمتهمين ومما تبين من المعاينة وما أسفرت عنه التحريات، ومن استعراف الكلب البوليسى وما ثبت من التقارير الطبية والشرعية، وأورد مؤدى هذه الأدلة، أثبت ما ورد بتقرير المعمل البكتريولوجى بمصلحة الطب الشرعى بما مؤداه أنه ثبت أن المطواة والسكين المضبوطتين فى منزل المتهم الثانى والمطواة المضبوطة فى منزل المتهم السادس والملابس المضبوطة فى زراعة الذرة بها آثار دماء من دم آدمى عدا المطواة المضبوطة بمنزل المتهم السادس فقد ثبت أن بها آثار من دم لم يثبت أنه آدمى، فإن مفاد ذلك أن المحكمة لم تبن قضاءها بصفة أصلية على ما استبان من تقرير التحليل، وإنما هى استندت إلى وجود تلك الآثار من الدماء ببعض المضبوطات كقرينة تعزز بها أدلة الثبوت التى أوردتها، وإذ لم يقطع الحكم فى نسبة تلك الآثار من الدماء إلى المجنى عليهم، ولم يطلب الطاعنون تحقيقا معينا فى هذا الشأن، فإنه لا جناح على الحكم إن هو عول على تلك القرينة تأييداً وتعزيزاً للأدلة الأخرى التى اعتمد عليها فى قضائه ما دام أنه لم يتخذ من تقرير التحليل دليلاً أساسيا فى ثبوت الاتهام قبل المتهمين. لما كان ذلك، وكان باقى ما يثيره الطاعنون من منازعة فى سلامة ما استخلصته المحكمة من واقع أوراق الدعوى والتحقيقات التى تمت فيها لا يعدو أن يكون جدلا موضوعياً فى تقدير الدليل وفى سلطة محكمة الموضوع فى وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعاً.


(1) راجع أيضا السنة 20 ص 415 (مدونات) والسنة 18 صـ 191 (مدونات) والطعن 130 لستة 40 ق جلسة 3/1/1971.
وقارن الطعن رقم 193 لسنة 39 ق. جلسة 31/ 3/ 1969 س 20 ع 1 صـ 441 والطعن رقم 723 لسنة 40 ق جلسة 18/ 10/ 1970.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات