الطعن رقم 1386 سنة 4 ق – جلسة 19 /11 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 387
جلسة 19 نوفمبر سنة 1934
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وكيل المحكمة وحضور حضرات مصطفى محمد بك وزكي برزي بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.
القضية رقم 1386 سنة 4 القضائية
( أ ) مسئولية مدنية. مناطها. مسئولية الوالد عن حادث وقع من ابنه
في المدرسة التي يتعلم فيها.
(ب) تعويض. رفضه بناء على تقديرات موضوعية. لا عيب.
(جـ) وقوع حادث مفاجأة. تقدير المفاجآت موضوعي.
(د) المسئولية عن فعل الغير. وجوب افتراض وقوع الخطأ ابتداءً.
(هـ) خادم. انتفاء المسئولية عنه يستوجب نفيها عن المخدوم.
(المادة 151 مدني)
1 – المسئولية المدنية عن أفعال الغير ليست أمراً اجتهادياً، بل يجب أن تحصر في الأحوال
التي نص عليها القانون، وأن ترتكز على الأساس الذي عدّه القانون مبعثاً لها. وذلك لورودها
على خلاف الأصل الذي يقضي بأن الإنسان لا يسأل إلا عن أعماله الشخصية، وما دام هذا
شأنها فلا يجوز التوسع فيها. وإذاً فلا خطأ إذا نفى الحكم تقصير الوالد في ملاحظة ابنه
بناء على أن الحادثة التي وقعت من هذا الابن قد حصلت أثناء وجوده في المدرسة بمنأى
عن والده الذي يقيم في بلد آخر، وفي رعاية غيره من القائمين بشئون المدرسة، لأن القانون
المدني لا يحمل الوالد المسئولية في هذه الحالة إلا إذا ثبت وقوع تقصير من ناحية الأب
في ملاحظة الابن (المادة 151 مدني).
2 – إذا بني رفض التعويض على تقديرات موضوعية فلا شأن لمحكمة النقض بذلك.
3 – إذا قدّرت محكمة الموضوع ظروف الحادث الذي وقع من تلميذ داخل المدرسة وقرّرت أن
لا مسئولية على ناظر المدرسة فيه لأنه وقع مفاجأة، فإنها بذلك تكون قد فصلت في نقطة
موضوعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها، لأن من المتفق عليه أن القول بوجود المفاجأة
أو بعدم وجودها أمر متعلق بالموضوع مما لا يدخل تحت رقابة محكمة النقض. أما الزعم بأن
المفاجأة لا يمكن اعتبارها في القانون المصري سبباً معفياً من المسئولية المدنية ما
دام لم ينص عليها فيه، فذلك لا يعبأ به إذ الأمر ليس بحاجة إلى نص خاص بل يكفي فيه
تطبيق مبادئ القانون العامة التي منها وجوب قيام علاقة السببية بين الخطأ والحادث الذي
أنتج الضرر، وبغير ذلك لا يمكن الحكم بالتعويض على مرتكب الخطأ. وقول المحكمة بحصول
الحادث مفاجأة معناه أن الفعل كان يقع ولو كانت الرقابة شديدة إذ ما كان يمكن تلافيه
بحال. ومفهوم هذا القول بداهة أن نقص الرقابة لم يكن هو السبب الذي أنتج الحادث بل
كان وقوعه محتملاً ولو مع الرقابة الشديدة.
4 – في كافة الحوادث التي يسأل فيها الشخص عن فعل الغير يجب افتراض الخطأ ابتداء، لأن
وقوع الحادث يعتبر في ذاته قرينة على الإخلال بواجب الرقابة والملاحظة.
5 – انتفاء المسئولية المدنية عن الخادم ينفيها أيضاً عن المخدوم بطريق التبعية.
الوقائع
اتهمت النيابة العمومية بسيوني يوسف بسيوني بأنه في يوم 14 فبراير سنة 1933 الموافق 19 شوّال سنة 1351 بدائرة قسم الدرب الأحمر تبع محافظة مصر قتل محمد جمال الدين وصفي بأن طعنه بمدية في ظهره قاصداً قتله طعنة نشأت عنها وفاته. وطلبت من حضرة قاضي الإحالة إحالته إلى محكمة جنايات مصر لمحاكمته بالمادة 198 فقرة أولى من قانون العقوبات. فقرر حضرته في 19 يونيه سنة 1933 إحالته إليها لمحاكمته بالمادة 200 فقرة أولى من قانون العقوبات على اعتبار أن المتهم المذكور في الزمان والمكان المذكورين آنفاًً ضرب عمداً محمد جمال الدين وصفي ضرباً لم يقصد منه قتله ولكنه أفضى إلى موته بأن طعنه بمطواة في ظهره فأحدث به الإصابة المبينة بالكشف الطبي والتي سببت وفاته. وادعى أحمد وصفي أفندي والد المجني عليه عن نفسه وبصفته ولياً شرعياً على أولاده سيادة وقوت القلوب ووفيقة ومحمد عبد الفتاح مدنياً وطلب الحكم له بمبلغ 3500 جنيه قبل المتهم ووالده يوسف أفندي بسيوني ووزارة المعارف ومحمود أفندي فهمي لهيطه ناظر مدرسة التجارة المتوسطة بالتضامن. وبعد أن سمعت محكمة الجنايات هذه الدعوى قضت حضورياً في 16 إبريل سنة 1934 عملاً بالمادة المذكورة بمعاقبة المتهم بالسجن لمدّة أربع سنوات وإلزامه في مواجهة وليه يوسف أفندي بسيوني بأن يدفع لأحمد أفندي وصفي والد المجني عليه بصفته الشخصية مبلغ خمسمائة جنيه مصري على سبيل التعويض مع المصاريف المدنية ورفضت ما خالف ذلك من طلبات المدعي المدني. فطعن المتهم في هذا الحكم في 18 إبريل سنة 1934 بطريق النقض، كما طعن فيه أيضاً المدعي بالحق المدني عن نفسه وبصفته الموضحة آنفاً بهذا الطريق في 3 مايو سنة 1934 وقدّم حضرة عباس فضلي أفندي المحامي عن هذا الأخير تقريراً بالأوجه في ذات التاريخ. أما الطاعن الأوّل (المتهم) فلم يقدم أسباباً لطعنه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطاعن الأوّل بسيوني يوسف بسيوني قرّر بالطعن ولكنه لم يقدّم أسباباً له
فطعنه غير مقبول شكلاً. أما الطاعن الثاني وهو أحمد أفندي وصفي فقد قرّر بالطعن وقدّم
أسبابه في الميعاد فطعنه مقبول شكلاً.
ومن حيث إن محصل الوجه الأوّل من أوجه الطعن المقدّمة من أحمد أفندي وصفي أن الحكم
المطعون فيه خلا من الأسباب فيما يتعلق بالدعوى المدنية. ذلك بأن المدعي بالحق المدني
(وهو أحمد أفندي وصفي الطاعن الثاني) أقام دعواه في مطالبة والد الطاعن الأوّل بالتعويض
على ثلاثة أسس: (أوّلها) أن الولد تحت رعاية أبيه وأن هذه الرعاية تفرض على الأب واجبين:
واجب الرقابة، وواجب حسن التربية. (وثانيها) كفالة الأب لولده بمقتضى المادة 65 من
قانون نظام المدارس والتعهد المأخوذ عليه بتوقيعه الاستمارة رقم 34 بملاحظة سلوك ولده.
(وثالثها) نظرية الغرم بالغنم. ولكن الحكم قصر البحث على واجب الرقابة وقال بسقوط هذا
الواجب عن الأب ما دام الحادث قد وقع في حظيرة المدرسة أي في الوقت الذي كان فيه الابن
تحت رعاية المدرسة لا تحت رعاية أبيه. على أنه إذا قيل بإعفاء الأب من واجب الرقابة
مدّة وجود ولده داخل المدرسة فهذا لا يقتضي إعفاءه من واجب تربية ابنه. ومع ذلك فإن
الحكم لم يعرض لهذا البحث بل أغفله كما أغفل الكلام على الأسس الأخرى التي بنى عليها
الطاعن مسئولية الأب.
ومن حيث إنه بالاطلاع على الحكم المطعون فيه يرى أنه قصر البحث فيما يتعلق بمسئولية
الأب على السبب الذي جعله القانون في المادة 151 فقرة ثانية من القانون المدني أساساً
لمسئولية الوالد ومن في حكمه عن أعمال من هم تحت رعايته. وهذا السبب هو ما عبّر عنه
القانون في المادة المذكورة بعدم الملاحظة (défaut de surveillance) وقد رأى الحكم
أنه لا يمكن أن ينسب إلى الوالد أي تقصير في ملاحظة ابنه ما دامت الحادثة قد وقعت أثناء
وجود الابن في المدرسة بمنأى عن والده الذي يقيم في بلد آخر وفي رعاية غيره من القائمين
بشئون المدرسة. وما دام الحكم قد نفى مسئولية الوالد على هذا الأساس الذي لا يعرف القانون
سواه فقد وفى البحث، وليس عليه بعد ذلك أن يرد على ما يتصيده المدعي المدني من أسس
أخرى للمسئولية لا أصل لها في القانون إذ المتفق عليه أن المسئولية المدنية عن أفعال
الغير ليست أمراً اجتهادياً، بل يجب أن تحصر في الأحوال التي نص عليها القانون وأن
ترتكز على الأساس الذي عدّه القانون مبعثاً لها. وذلك لورودها على خلاف الأصل الذي
يقضي بأن الإنسان لا يسأل إلا عن أعماله الشخصية، وما دام هذا شأنها فلا يجوز التوسع
فيها.
ومن حيث إن محصل الوجه الثاني أن الحكم أخطأ في تفسير القانون وتطبيقه في عدّة مواضع:
(أوّلها) أنه نفى حق إخوة المجني عليه في المطالبة بالتعويض مع أن حقهم في ذلك مقرّر
في الفقه وفي أحكام المحاكم. (وثانيها) أنه نفى المسئولية عن ناظر المدرسة بحجة أن
الحادثة وقعت مفاجأة مع أن القانون المصري لم يأخذ بما أخذ به القانون الفرنسي من اعتبار
المفاجأة (Imprévisibilité) سبباً معفياً من المسئولية المدنية فضلاً عن أن للمفاجأة
شروطاً لا يمكن القول بتوفرها في القضية الحالية. (وثالثها) أنه قال بكفاية الرقابة
الحكمية (surveillance fictive) مع مخالفة ذلك لما أجمع عليه الفقه والقضاء فضلاً عن
مخالفته لقانون نظام المدارس. (ورابعها) أن الحكم قال بوجوب إثبات خطأ الشخص المكلف
بالملاحظة ووجوب إثبات الارتباط بين ذلك الخطأ والحادث مع أن المجمع عليه أن وقوع الحادث
في ذاته يجعل ذلك الشخص مسئولاً عن وقوعه لأن الخطأ مفترض في هذه الحالة كما هو مفترض
في حالة مسئولية السيد عن أعمال خادمه، وإلا فإن القول بغير ذلك معناه إلزام المضرور
بإثبات الخطأ، وهذا نفسه إنكار للقرينة القانونية التي افترضها المشرع في المواد الخاصة
بمسئولية الشخص عن أفعال الغير. (وخامسها) أن الحكم نفى مسئولية وزارة المعارف مع وجود
العناصر المثبتة لهذه المسئولية. وهذا كله خطأ في تفسير القانون يجعل الحكم معيباً
وواجب النقض.
ومن حيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يرى أنه ذكر عن حق الإخوة في التعويض ما
يأتي: "وحيث إنه بالنسبة لإخوة المجني عليه القصر فثابت أنهم أطفال صغار والمجني عليه
أيضاً تلميذ في المدرسة ولم يكن هو الذي يعولهم ولم يلحق بهم أي ضرر مادّي بوفاته ولا
هم في سنّ يمكن أن يكون قد نالهم ضرر أدبي من وفاته، ولذلك ترى المحكمة أن لا حق لهم
في المطالبة بأي تعويض عن وفاة أخيهم المجني عليه. أما القول بأنه هو الذي كان سيتولى
أمرهم بعد والدهم فهو مجرّد احتمال لا يصلح لأن يكون أساساً للتعويض، والاحتمالات يمكن
تصويرها على جميع الوجوه والفروض فلا وزن لمثل هذه التخمينات". ومن هذا يرى أن الحكم
بنى رفض التعويض على تقديرات موضوعية ولم ينف حق الإخوة في التعويض إطلاقاً. وما دام
الأمر كذلك فليس لهذه المحكمة أن تعرض لتقدير هو من اختصاص محكمة الموضوع وقد فصلت
فيه نهائياً.
ومن حيث إنه عن النقطة الثانية فقد قال الحكم المطعون فيه اعتماداً على ما قرّره شهود
الحادثة من أن إدارة المدرسة ما كانت تعلم أن المتهم كان يحمل مطوة كشافة وأنه اعتدى
بها في مرة سابقة على زميل له لم يشأ تبليغ هذا الاعتداء إلى المدرسة لتفاهته، وكذلك
اعتماداً على ما قرّره الشهود وما ثبت للمحكمة من الاطلاع على أوراق توزيع العمل بالمدرسة
من كفاية الرقابة الموضوعة على التلاميذ أثناء أوقات الفسحة – قال الحكم: "وحيث إنه
فيما يختص بناظر المدرسة فإن من المقرّر أن مسئولية الإنسان عن تعويض الضرر الناشئ
عن أعمال من هم تحت رعايته أساسها الخطأ من جانب ذلك الإنسان (faute) أي لا مسئولية
إلا إذا كان هناك إهمال أو تقصير في الرقابة، وأن يكون هناك ارتباط مباشر بين الخطأ
والحادث الذي يطلب عنه التعويض.
وحيث إنه قد ثبت للمحكمة من وقائع هذه الدعوى بالكيفية التي سبق سردها ومن الاطلاع
على ملف التلميذين والأوراق المقدّمة أن ناظر المدرسة قام بما تقتضيه وظيفته من واجب
رقابة التلاميذ سواء بنفسه أو بواسطة مساعديه من ضباط ومدرّسين وأن الحادث الذي وقع
للمجني عليه ما كان يمكن تلافيه مهما كانت الرقابة شديدة لأن الثابت كما تقدم أن الحادث
حصل مفاجأة وفي وسط رهط من تلاميذ كبار لم يستطيعوا ملافاة الحادث ومنع المتهم من ارتكاب
جريمته بسرعة غير متوقعة… وإذاً فلا ترى المحكمة محلاً لمسئولية الناظر مدنياً".
ومن هذا يرى أن محكمة الموضوع قدّرت ظروف الحادث وقرّرت أن لا مسئولية على الناظر فيه
لأنه وقع مفاجأة، وبذلك تكون قد فصلت في نقطة موضوعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها
لأن من المتفق عليه أن القول بوجود المفاجأة أو بعدم وجودها أمر متعلق بالموضوع ومن
اختصاص محكمة الموضوع أن تفصل فيه نهائياً. أما ما زعمه المدّعي المدني من أن المفاجأة
لا يمكن اعتبارها في القانون المصري سبباً معفياً من المسئولية المدنية ما دام القانون
لم ينص عليها فقول لا يعبأ به، إذ الأمر ليس بحاجة إلى نص خاص بل يكفي فيه تطبيق مبادئ
القانون العامة التي منها وجوب قيام علاقة السببية بين الخطأ والحادث الذي أنتج الضرر،
وبغير ذلك لا يمكن الحكم بالتعويض على مرتكب الخطأ. وظاهر أن القول بحصول الحادث مفاجأة
معناه أن الفعل كان يقع ولو كانت الرقابة شديدة إذ ما كان يمكن تلافيه بحال كما يقول
الحكم نفسه. ومفهوم هذا القول بداهة أن نقص الرقابة لم يكن هو السبب الذي أنتج الحادث
بل كان وقوعه محتملاً ولو مع الرقابة الشديدة.
ومن حيث إنه عن النقطة الثالثة الخاصة بالرقابة الحكمية فليس في عبارة الحكم ما يفيد
أنه أخذ بهذا الرأي بل إن الذي يستفاد من عبارة الحكم السابق اقتباسها "أن الناظر قام
بما تقتضيه وظيفته من واجب رقابة التلاميذ سواء بنفسه أو بواسطة مساعديه من ضباط ومدرّسين".
والكلام هنا عن الرقابة الفعلية طبعاً كما يفهم من سياق العبارة، أما الرقابة الحكمية
فلم يرد لها ذكر أصلاً.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الرابعة الخاصة بما نسبه المدّعي المدني للحكم من أنه
قال بوجوب إثبات خطأ الشخص المكلف بالملاحظة وبوجوب إثبات الارتباط بين ذلك الخطأ والحادث
فكل ما جاء بالحكم في هذا الشأن هي تلك العبارة التي سبق ذكرها وهي: "إن من المقرّر
أن مسئولية الإنسان عن تعويض الضرر الناشئ عن أعمال من هم تحت رعايته أساسها الخطأ
من جانب ذلك الإنسان أي لا مسئولية إلا إذا كان هناك إهمال أو تقصير في الرقابة، وأن
يكون هناك ارتباط مباشر بين الخطأ والحادث الذي يطلب عنه التعويض". وهذه العبارة سليمة
في ذاتها إذ هي تسلم بأن أساس المسئولية الخطأ، وبأنه يجب أن يكون بين الخطأ والحادث
رابطة السببية. ولا خلاف في شيء من ذلك. وليس في عبارة الحكم هذه ما يشير لا إلى وجوب
إثبات خطأ الشخص المكلف بالملاحظة ولا إلى وجوب افتراض الخطأ من جهته ابتداءً بمجرد
ثبوت وقوع الحادث المسبب للضرر. والواقع أنه وإن كان رأي الطاعن في هذه المسألة هو
الصحيح – وهو وجوب افتراض الخطأ ابتداءً في كافة الحوادث التي يسأل فيها الشخص عن فعل
الغير لأن وقوع الحادث يعتبر في ذاته قرينة على الإخلال بواجب الرقابة والملاحظة –
إلا أنه سواء أكان الحكم قد أخذ بهذا الرأي أو بعكسه فإن النتيجة لا تتغير ما دام الذي
استنتجه الحكم من وقائع القضية ومما قام لدى محكمة الموضوع من الأدلة هو أن الحادث
وقع مفاجأة وأنه لم يكن في الاستطاعة منعه، وهذا وحده كاف لقطع رابطة السببية كما تقدّم
القول، فلا يبقى بعد هذا محل للرجوع بالتعويض على متولي الرقابة.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الخامسة وهي نفي الحكم مسئولية وزارة المعارف مع وجود
العناصر المثبتة لهذه المسئولية فقد قال الحكم عن مسئولية وزارة المعارف ما يأتي: "وحيث
إن وزارة المعارف وهي في مركز السيد من الناظر لا مسئولية عليها طالما أن مسئولية الناظر
قد انتفت على الوجه المتقدّم. أما القول من جانب المدعي بأن هناك نقصاً في أنظمة المدارس
في ذاتها يوجب مسئولية الوزارة على كل حال، وبصرف النظر عن مسئولية الناظر، فهو قول
قد ألقي على عواهنه وليس له أي سند من الصحة ولذا يتعين رفض الدعوى المدنية قبل الوزارة
أيضاً". وعبارة الحكم في هذا الصدد يمكن شطرها إلى شطرين، فأما الشطر الأوّل فقد قرر
فيه الحكم مبدأ قانونياً صحيحاً وهو أن انتفاء المسئولية عن الخادم ينفيها أيضاً عن
المخدوم، وليس في ذلك خطأ في تفسير القانون ولا في تطبيقه. وأما الشطر الثاني فقد فصل
فيه الحكم في مسألة موضوعية خارجة عن رقابة محكمة النقض.
ومن حيث إن محصل الوجه الثالث أن تقدير التعويض أمر وثيق الارتباط بالأساس الذي يقوم
عليه طلب التعويض وأنه ما دام الحكم غير مسبب بالنسبة لبعض الأسس التي يقوم عليها طلب
التعويض فإن نقصه يستلزم حتماً رجوع قيمة التعويض إلى أصلها.
ومن حيث إنه قد ظهر مما تقدّم أن لا نقص في الحكم من جهة التسبيب وأن كل الأسس التي
بني عليها رفض التعويض في المواطن التي قضى فيها بعدم وجود مبرر للحكم به كانت سليمة
من الوجهة القانونية فلم يبق محل لهذا الوجه، ويكون من المتعين رفضه هو وما تقدّمه
من الوجوه.
