الطعن رقم 1179 سنة 4 ق – جلسة 11 /06 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 350
جلسة 11 يونيه سنة 1934
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وحضور حضرات زكي برزي بك وأحمد أمين بك وحامد فهمي بك.
القضية رقم 1179 سنة 4 القضائية
( أ ) اختصاص. محكمة الجنح. حكمها بعدم الاختصاص الجنائية
الواقعة.
إحالة الدعوى إليها من جديد طبقاً لقانون 19 أكتوبر سنة 1925. وجوب نظرها. متى يصح
لمحكمة الجنح أن تمتنع عن نظرها؟
(ب) قاضي الإحالة. قراره بإحالة دعوى الجناية إلى محكمة الجنح. طريق الطعن فيه. عدم
الطعن فيه يجعله نهائياً. لا يجوز لقاضي الإحالة الرجوع فيه. لا يجوز للمحكمة أن تقضي
بعدم اختصاصها.
(قانون 19 أكتوبر سنة 1925 والمواد 148 و174 و189 تحقيق و12 "ج" و13 تشكيل)
1 – إن قضاء محكمة الجنح لأوّل مرة بعدم الاختصاص لجنائية الواقعة لا يمنعها من نظر
الدعوى فيما بعد إذا أحيلت إليها من جديد لتفصل فيها على أساس أنها جناية اقترنت بأعذار
قانونية أو ظروف مخففة، لعدم تعارض ذلك مع قضائها الأوّل بعدم الاختصاص. وهذا هو ما
قصد إليه الشارع بتحريمه في الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من قانون 19 أكتوبر سنة
1925 على محاكم الجنح الحكم بعدم الاختصاص في الدعاوى التي تحال عليها طبقاً للقانون
المذكور. وقد أتى أمر التحريم بصيغة عامة، فهو يشمل الدعاوى التي تعرض على محاكم الجنح
لأوّل مرة والتي سبق لها الحكم فيها بعدم الاختصاص لجنائية الواقعة. ومحل كل ذلك إذا
لم تستجد وقائع لم يتناولها التحقيق ويكون من شأنها تغيير التهمة إلى جناية أشدّ، فإذا
استجد شيء من ذلك فلا ينطبق عليها هذا التحريم.
2 – إن قرار قاضي الإحالة بإحالة نظر الجناية إلى القاضي الجزئي متى رأى أن الفعل المعاقب
عليه قد اقترن بأحد الأعذار المنصوص عليها في المادتين 60 و215 من قانون العقوبات أو
بظروف مخففة من شأنها تبرير تطبيق عقوبة الجنحة طبقاً للمادة الأولى من قانون 19 أكتوبر
سنة 1925 – هذا القرار له قوّة الشيء المحكوم فيه، لأنه يكسب المتهم حقاً بإحالته إلى
محكمة الجنح لتطبيق عقوبة الجنحة عليه. وقد رسم القانون طريقة الطعن فيه، فأجاز للنائب
العمومي وحده الطعن فيه بطريق المعارضة أمام المحكمة الابتدائية منعقدة بهيئة غرفة
مشورة، بتقرير يعمل في قلم كتاب المحكمة في ظرف عشرة أيام كاملة من تاريخ القرار. فإذا
لم يطعن فيه النائب العمومي في المدة المذكورة يصبح نهائياً، ولا يجوز لقاضي الإحالة
الرجوع فيه لأنه استنفد سلطته بشأنه. كما لا يجوز للمحكمة التي أحيلت إليها الدعوى
بموجب هذا القرار أن تقضي بعدم اختصاصها.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد القانوني فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن إجراءات هذه المادة تتلخص في أن النيابة العامة رفعت الدعوى على الطاعنين
وآخرين أمام محكمة دكرنس الجزئية على اعتبار أنها جنحة ضرب بالمواد 205 و206 و207 من
قانون العقوبات. وفي أثناء نظرها ظهر أن أحد المجني عليهم وهو حسن حسن الحدّاد أصيب
بعاهة مستديمة فقضت المحكمة الجزئية بعدم اختصاصها بنظر الدعوى. فقدّمتها النيابة لقاضي
الإحالة فأصدر قراره بتاريخ 27 إبريل سنة 1929 بإحالتها على المحكمة الجزئية للفصل
فيها على أساس عقوبة الجنحة طبقاً للقانون الصادر في 19 أكتوبر سنة 1925 ففصلت فيها
تلك المحكمة فعلاً بتاريخ 24 سبتمبر سنة 1929 غيابياً بالنسبة لثلاثة متهمين آخرين
وحضورياً للباقين ببراءة البعض وإدانة الباقين. فاستأنفته النيابة بالنسبة للأربعة
الأول من الطاعنين فقط، واستأنفه جميع المحكوم عليهم حضورياً، فقضت المحكمة الاستئنافية
بتاريخ 2 فبراير سنة 1930 بإلغاء الحكم وعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بحكم
نهائي بعدم اختصاصها استناداً على حكم بهذا المعنى صدر من محكمة النقض بتاريخ 21 مارس
سنة 1929، أما المحكوم عليهم غيابياً من المحكمة الجزئية فعارضوا في الحكم وترتب على
معارضتهم أن قضت المحكمة بإلغاء الحكم المعارض فيه وبعدم جواز نظر الدعوى أمام محكمة
الجنح. فاستأنفت النيابة هذا الحكم وقضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء الحكم وإعادة القضية
بالنسبة للمستأنف ضدّهم للفصل فيها. فقدمت النيابة القضية لمحكمة الجنح بالنسبة لجميع
المتهمين فقضت بعدم جواز نظر الدعوى بالنسبة للمتهمين السابق الحكم في مواجهتهم، ثم
برأت اثنين ممن كانوا حوكموا غيابياً وأدانت ثالثهم. وأخيراً قدّمت النيابة القضية
لقاضي الإحالة بالنسبة للمتهمين المحكوم بعدم جواز نظر الدعوى بالنسبة لهم فدفعوا أمامه
بعدم جواز نظر الدعوى بالنسبة لهم فقضي برفض دفعهم هذا وبإحالتهم على محكمة الجنايات،
وذلك بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1932، وعند نظر الدعوى أمام محكمة الجنايات دفع الطاعنون
بعدم قبول الدعوى العمومية أمام محكمة الجنايات لأن إحالتها على المحكمة من حضرة قاضي
الإحالة جاء مخالفاً للقانون، وقضت محكمة الجنايات برفض الدفع الفرعي وباختصاصها بنظر
الدعوى وفصلت في الموضوع بإدانة الطاعنين فطعنوا في هذا الحكم بطريق النقض والإبرام
لسببين: أوّلهما حصول خطأ في تطبيق القانون وبطلان جوهري فيه. وثانيهما عدم تسبيب الحكم.
ومن حيث إن محصل الوجه الأوّل أن قاضي الإحالة إذ أصدر قراره الأوّل الرقيم 27 إبريل
سنة 1929 بإحالة القضية على محكمة الجنح على أساس عقوبة الجنحة قد استنفد سلطته فلا
يجوز له بعد ذلك أن يصدر قراراً آخر في القضية نفسها بإحالة المتهمين على محكمة الجنايات
لأنهم اكتسبوا حقاً مستمداً من القرار الأوّل بمحاكمتهم أمام محكمة الجنح على أساس
عقوبة الجنحة، والعدول عن القرار الأوّل فيه إخلال بالحق المكتسب. أما ما ذكره الحكم
المطعون فيه من أن الأخذ بهذا الدفع يقتضي إفلات المتهمين من العقوبة فلا ينهض حجة
لمخالفة القانون لأن النيابة أخطأت في عدم رفعها نقضاً عن الحكم الصادر من محكمة الجنح
المستأنفة بعدم جواز نظر الدعوى أمام محكمة الجنح، وهذا الخطأ من النيابة لا يسوغ تلافيه
بالوقوع في خطأ قانوني ظاهر. خصوصاً وأن النيابة لم تكن استأنفت أوّل حكم صدر بالإدانة
في الدعوى الحالية من المحكمة الجزئية إلا بالنسبة للأربعة الأول من الطاعنين فقط،
فما كان يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تقضي بعدم جواز نظر الدعوى لمن لم تستأنف ضدهم
النيابة لأنها بذلك قد سوأت مركزهم، ولا يجوز أن يكون استئناف المتهم سبباً لتسويء
حالته. وترتب على ذلك أن قدّم الطاعنون لمحكمة الجنايات وحكم بإدانتهم بالحبس في حين
أن زميلهم الذي كان متهماً معهم في نفس القضية وحوكم أمام محكمة الجنح قضي عليه بالغرامة
فقط.
ومن حيث إنه ظهر من بيان الإجراءات التي تمت في الدعوى الحالية أن محكمة الجنح حكمت
بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لأوّل مرة لأن الواقعة جناية. فلما أحيلت إليها من قاضي
الإحالة على أساس أنها جناية اقترنت بظروف مخففة طبقاً للمادة الأولى من قانون 19 أكتوبر
سنة 1925 حكمت فيها المحكمة الجزئية على هذا الأساس، ولكن المحكمة الاستئنافية ألغت
هذا الحكم وقضت في 2 فبراير سنة 1930 بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها بعدم الاختصاص
وأصبح هذا الحكم نهائياً لعدم طعن النيابة العامة فيه بطريق النقض مع أنه صدر مخالفاً
للقانون، إذ أن قضاء محكمة الجنح الأوّل بعدم الاختصاص لجنائية الواقعة لا يمنعها من
نظر الدعوى فيما بعد إذا أحيلت إليها من جديد لتفصل فيها على أساس أنها جناية اقترنت
بأعذار قانونية أو ظروف مخففة لعدم تعارض ذلك مع قضائها الأوّل بعدم الاختصاص. وهذا
هو ما قصد إليه الشارع بتحريمه على محاكم الجنح الحكم بعدم الاختصاص في الدعاوى التي
تحال عليها طبقاً لقانون 19 أكتوبر سنة 1925. وقد أتى أمر التحريم بصفة عامة فهو شامل
للدعاوى التي تعرض على محاكم الجنح لأوّل مرة والتي سبق لها الحكم فيها بعدم الاختصاص
لجنائية الواقعة. ومحل كل ذلك إذا لم تستجد وقائع لم يتناولها التحقيق تغير التهمة
إلى جناية أشدّ. فإذا استجد شيء من ذلك فلا ينطبق عليها هذا التحريم (انظر الفقرة الثالثة
من المادة الخامسة من القانون الصادر في 19 أكتوبر سنة 1925 بجعل بعض الجنايات جنحاً
إذا اقترنت بأعذار قانونية أو ظروف مخففة). وقد وضعت محكمة النقض الأمور في نصابها
بإقرار هذا المبدأ في حكمها الصادر في 19 ديسمبر سنة 1929 في القضية رقم 49 سنة 47
قضائية الذي عدلت به عن الحكم الصادر في 21 مارس سنة 1929 بمعنى آخر.
ومن حيث إن قرار قاضي الإحالة بإحالة نظر الجناية للقاضي الجزئي إذا رأى أن الفعل المعاقب
عليه قد اقترن بأحد الأعذار المنصوص عليها بالمادتين 60 و215 من قانون العقوبات أو
بظروف مخففة من شأنها تبرير تطبيق عقوبة الجنحة طبقاً للمادة الأولى من قانون 19 أكتوبر
سنة 1925 – هذا القرار له قوّة الشيء المحكوم فيه لأنه يكسب المتهم حقاً بإحالته إلى
محكمة الجنح لتطبيق عقوبة الجنحة عليه. وقد رسم القانون طريقة الطعن فيه فأجاز للنائب
العمومي وحده الطعن فيه بطريق المعارضة أمام المحكمة الابتدائية منعقدة بهيئة غرفة
مشورة بتقرير يعمل في قلم كتاب المحكمة في ظرف عشرة أيام كاملة من تاريخ القرار. فإذا
لم يطعن فيه النائب العمومي في المدة المذكورة يصبح نهائياً، ولا يجوز لقاضي الإحالة
الرجوع فيه لأنه استنفد سلطته بشأنه، كما لا يجوز للمحكمة التي أحيلت إليها الدعوى
بموجب هذا القرار أن تقضي بعدم اختصاصها إلا إذا استجدت وقائع لم يتناولها التحقيق
تغير التهمة إلى جناية أشدّ. وكل ذلك حرصاً على حق المتهم المكتسب أن يمس. ولا محل
لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من جواز الرجوع في القرار المذكور في حالة ما إذا حكمت
محكمة الجنح بعدم اختصاصها في القضية التي أحيلت عليها طبقاً لقانون 19 أكتوبر سنة
1925 قياساً على الصورة المبينة بالفقرة الأخيرة من المادة 148 من قانون تحقيق الجنايات.
لا محل لذلك لأن محكمة الجنح التي أحيلت عليها الدعوى طبقاً للقانون المذكور لا تملك
الحكم بعدم الاختصاص فإذا فعلت وجب إصلاح حكمها بالطعن فيه أمام محكمة النقض، ولأنه
لا وجه للقياس بين هذه الحالة وحالة الفقرة الأخيرة من المادة 148 من قانون تحقيق الجنايات
لأن تلك الفقرة تفرض قيام الخلاف بين محكمة الجنح وقاضي الإحالة على وصف الواقعة فترى
محكمة الجنح أنها جناية وتحكم بعدم اختصاصها ويرى قاضي الإحالة أنها جنحة، لذلك رخص
له القانون بإحالتها على محكمة الجنايات بطريق الخيرة بين الجناية والجنحة. أما الحالة
المعروضة فلا خلاف فيها على أن الواقعة جناية وأنها اقترنت بأعذار قانونية أو ظروف
مخففة وإنما الخلاف على الجهة التي تنظرها أهي محكمة الجنح أو محكمة الجنايات. ولا
خيرة في ذلك خصوصاً وقد فصل القانون نفسه في هذا الخلاف بأن حرم على محكمة الجنح الحكم
بعدم الاختصاص في الدعاوى التي تحال عليها طبقاً لقانون 19 أكتوبر سنة 1925 فإذا فعلت
وجب الطعن في حكمها بطريق النقض لإصلاح الخطأ كما تقدّم القول. وإذا لم تطعن النيابة
فيه فتكون قد سدّت طريق المحاكمة وهو ما يستفيد منه المتهم حتماً. ولا عبرة بما تعلل
به الحكم المطعون فيه من أن القول بعدم جواز إحالة المتهمين على محكمة الجنايات بعد
أن تقرّرت إحالتهم على محكمة الجنح طبقاً لقانون 19 أكتوبر سنة 1925 يترتب عليه إفلات
مجرم من العقاب دون مبرر أو سبب قانوني. لا عبرة بذلك لأن مثل هذه الاعتبارات العملية
لا يقام لها وزن عند تطبيق القانون تطبيقاً سليماً لا سيما وأن تلك النتيجة التي ينكرها
الحكم المطعون فيه لم تنشأ عن عيب في القانون نفسه بل نشأت عن خطأ في تطبيقه وتأويله.
ومن حيث إنه مهما يكن السبب الذي حدا بالنيابة العامة إلى عدم الطعن بطريق النقض في
حكم محكمة الجنح المستأنفة الرقيم 2 فبراير سنة 1931 الذي قضى خطأ بعدم جواز نظر الدعوى
لسابقة الفصل فيها بعدم الاختصاص فإن حق المتهمين في محاكمتهم أمام محكمة الجنح على
أساس عقوبة الجنحة قد ثبت لهم بقرار قاضي الإحالة الرقيم 27 إبريل سنة 1929 الذي أصبح
نهائياً بعدم الطعن فيه من النائب العمومي طبقاً للقانون. ولذلك يكون قرار قاضي الإحالة
الثاني الصادر في 22 أكتوبر سنة 1932 بإحالتهم على محكمة الجنايات باطلاً قانوناً ويكون
الحكم المطعون فيه إذ رفض الدفع بعدم جواز نظر الدعوى باطلاً أيضاً ويتعين نقضه برمته
والحكم بعدم جواز نظر الدعوى أمام محكمة الجنايات. ولا محل بعد ذلك لبحث باقي أوجه
الطعن.
