الطعن رقم 1209 سنة 4 ق – جلسة 21 /05 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 332
جلسة 21 مايو سنة 1934
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وحضور حضرات مصطفى محمد بك وزكي برزي بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.
القضية رقم 1209 سنة 4 القضائية
عقد (Location – vente). سلطة قاضي الموضوع في تفسيره. مداها.
1 – لا نزاع في أن لمحكمة النقض سلطة مراقبة قاضي الموضوع في تفسيره للعقود وفي تكييفه
لها، حتى إذا رأت في الحكم الصادر منه انحرافاً أو زيغاً عن نصوص العقد موضوع الدعوى
كان لها أن تصحح ما وقع من الخطأ وأن ترد الأمر إلى التفسير أو التكييف القانوني الصحيح.
2 – إن التكييف القانوني للعقود المصطلح على تسميتها في فرنسا باسم (Location – vente)
لا يزال موضع خلاف بين المحاكم والفقهاء. فإذا اعتبر قاضي الموضوع عقداً من هذا القبيل
عقد بيع، مستهدياً في ذلك بنصوص العقد ومستظهراً منها حقيقة قصد المتعاقدين وقت التعاقد،
بحيث لم يقع منه تحيف لأي نص من نصوصه ولا مسخ لحكم من أحكامه، بل كان كل ما فعل إنما
هو تغليب لمعنى من المعاني الواردة به على معنى آخر، فإن محكمة النقض لا تستطيع سوى
إقرار ما ذهب إليه.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة فريد عبده عسل وآخر بأنهما في أسبوعين سابقين
على تاريخ المحضر المؤرّخ في 22 مارس سنة 1932 بدائرة مركز شربين بدّدا بعض أدوات سيارة
سلمت إليهما من شركة شفروليه على سبيل الإجارة، وذلك إضراراً بالشركة المذكورة. وطلبت
عقابهما بالمادة 296 من قانون العقوبات. ودخل الخواجة باقي دميان مدّعياً مدنياً بمبلغ
30 جنيهاً ضدّ المتهمين متضامنين. وأثناء نظر الدعوى أمام محكمة جنح شربين الجزئية
دفع الحاضر عن المتهمين فرعياً (أوّلاً) بعدم قبول الدعوى المدنية لرفعها من غير ذي
صفة بناء على أن المجني عليه في جريمة التبديد هي الشركة نفسها، (وثانياً) بعدم اختصاص
المحاكم الأهلية بنظرها لأن الشركة أجنبية ولأنه نص في عقد الاتفاق الذي بينهما وبين
المتهمين على أن كل نزاع ينشأ عنه يكون من اختصاص المحاكم المختلطة. وقد ضمت المحكمة
الدفعين إلى الموضوع. وبعد أن سمعت المحكمة المذكورة هذه الدعوى قضت فيها حضورياً بتاريخ
21 ديسمبر سنة 1932 عملاً بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات (أوّلاً) برفض الدفعين
الفرعيين المقدّمين من وكيل المتهمين (ثانياً) ببراءة المتهمين مما نسب إليهما ورفض
الدعوى المدنية. فاستأنفت النيابة هذا الحكم في 27 ديسمبر سنة 1932 واستأنفه المدعي
المدني في 31 منه. ومحكمة المنصورة الابتدائية الأهلية نظرت هذه الدعوى بهيئة استئنافية
وقضت فيها غيابياً بتاريخ 25 أكتوبر سنة 1933 عملاً بمادة الاتهام بالنسبة لفريد عبده
عسل وبالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات بالنسبة للآخر بإلغاء الحكم المستأنف لفريد
عبده عسل وحبسه ثلاثة أشهر مع الشغل وتأييد البراءة للآخر وإلزامهما متضامنين بتعويض
30 جنيهاً للمدعي المدني. فعارض فريد عبده عسل في هذا الحكم ونظرت المعارضة وقضي فيها
بتاريخ 4 إبريل سنة 1934 بقبولها شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المعارض فيه وبراءة
فريد عبده عسل ورفض الدعوى المدنية قبله عملاً بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات.
فطعن صاحب العزة النائب العمومي في هذا الحكم الصادر بطريق النقض في 23 إبريل سنة 1934
وقدّم عزته تقريراً بالأوجه في اليوم نفسه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن محصل الطعن أن شروط العقد المحرر بين الطاعن والمجني عليه تدل على أنه عقد
إيجار لا عقد بيع كما ذهبت إليه محكمة الموضوع من أن مجموع العقد يدل على أن نية المتعاقدين
كانت منصرفة وقت التعاقد إلى أنهما يقصدان البيع لا الإيجار. وما دام من المقرر أن
لمحكمة النقض مراقبة قاضي الموضوع في تفسيره للعقود كلما بدا منه مسخ لهذه العقود وتحيف
على نصوصها فالنيابة تحتكم إلى محكمة النقض في تفسير العقد الذي قامت عليه الدعوى الحالية.
ولا تشك النيابة في أنه بمراجعة شروط هذا العقد وباستقراء تصرف الشركة اللاحق له يتضح
أن هذا العقد هو عقد إيجار لا عقد بيع. ولقد اختلفت المحاكم والفقهاء في فرنسا في تفسير
مثل هذا العقد، ولكل من الفريقين حججه وأسانيده. ولا تشك النيابة في وجوب ترجيح الرأي
القائل بأن العاقدين إن كانا قد قصدا البيع فقد قصدا معه الإيجار أيضاً لتنظيم ما بينهما
من العلاقات في المرحلة الأولى التي تسبق البيع الذي هو المرحلة الأخيرة في التعاقد.
أما القول بأن العقد بيع من أوّل الأمر ففيه تجوّز لا يجيزه القانون. على أن الحكم
المطعون فيه قد أطرح عبارات العقد واستظهر ما يخالفها من غير دليل يمكن استمداده من
وقائع الدعوى أو ملابساتها. ولن ينتج إقرار رأي محكمة الموضوع إلا عرقلة لمعاملات تجارية
هامة أصبحت من الشيوع والفائدة بما لا يستطيع أحد أن ينكره.
ومن حيث إنه لا نزاع في أن لمحكمة النقض سلطة مراقبة قاضي الموضوع في تفسيره للعقود
وفي تكييفه لها حتى إذا رأت في الحكم الصادر منه انحرافاً أو زيغاً عن نصوص العقد موضوع
الدعوى كان لها أن تصحح ما وقع من الخطأ وأن ترد الأمر إلى التفسير أو التكييف القانوني
الصحيح.
ومن حيث إن الدعوى الحالية قوامها التكييف القانوني للعقد الذي تم بين المتهم والشركة
المجني عليها، وهل كان في مبدئه عقد إيجار ولا ينقلب بيعاً إلا إذا وفى المتهم بالشروط
المنصوص عليها في العقد، بحيث يصح أن يعتبر تصرفه في الأشياء المسلمة إليه قبل توفية
الشروط تبديداً معاقباً عليه بالمادة 296 من قانون العقوبات، أم كان العقد من أوّل
الأمر بيعاً مستتراً تحت ستار عقد إيجار.
ومن حيث إن التكييف القانوني للعقود التي هي من قبيل العقد موضوع البحث وهي المصطلح
على تسميتها في فرنسا باسم (Locations – ventes) لا يزال موضع خلاف بين المحاكم والفقهاء.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه إنما أخذ بأحد هذه الآراء مستهدياً في ذلك بنصوص العقد
موضوع الدعوى ومستظهراً منها حقيقة قصد المتعاقدين وقت التعاقد. وانتهى بعد ذلك إلى
القول بعدم إمكان تطبيق المادة 296 من قانون العقوبات ما دام قصد المتعاقدين كان متجهاً
من أوّل الأمر – بحسب ما رآه – إلى البيع لا إلى الإيجار.
ومن حيث إن هذه المحكمة لا ترى فيما ذهب إليه الحكم المطعون فيه تحيفاً لنص من نصوص
العقد ولا مسخاً لحكم من أحكامه وإنما هو تغليب لمعنى من المعاني الواردة به على معنى
آخر وعملية ترجيح اقتضتها ضرورة الوصول إلى تعرّف حقيقة قصد المتعاقدين وقت التعاقد
كيما يستطاع في النهاية إعطاء العقد الوصف القانوني الذي تراه محكمة الموضوع أكثر انطباقاً.
وقد استرشد الحكم المطعون فيه فيما فعل بآراء الفقهاء وأحكام المحاكم التي ذكرها في
الحكم.
ومن حيث إن هذه المحكمة لا تستطيع تلقاء ما تقدّم سوى إقرار ما ذهب إليه الحكم المطعون
فيه ورفض الطعن الموجه إليه من النيابة.
