الطعن رقم 1449 سنة 3 ق – جلسة 30 /04 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 313
جلسة 30 إبريل سنة 1934
برياسة سعادة عبد العزيز فهمي باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات زكي برزي بك ومحمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.
القضية رقم 1449 سنة 3 القضائية
( أ ) إعانة على الفرار من وجه القضاء. الإعفاء المنصوص عليه بالمادة
126 ع المكررة. الصور التي ينصب عليها.
(ب) مخدّرات. القصد الجنائي في إحرازها. مناط توفره.
(القانون رقم 21 لسنة 1928 والشطر الثاني من الفقرة السادسة من المادة 35 منه)
1 – إن المادة 126 المكررة من قانون العقوبات قد وضعت للعقاب على حالات الإعفاء التي
لم يكن معاقباً عليها، فتطبيقها إذاً لا محل له فيما يكون العقاب مقرّراً له بنص صريح
خاص. والإعفاء الوارد بآخر هذه المادة لا ينصب إلا على إخفاء أدلة الجريمة، ما دامت
وسيلة الإخفاء ليست في ذاتها جريمة معاقباً عليها. فالزوجة التي تحرز مخدّراً مملوكاً
لزوجها لتخفيه كدليل عليه لا ينفعها التمسك بهذا الإعفاء، لأن إحراز المخدّر في حدّ
ذاته جريمة معاقب عليها بنص خاص وارد في قانون المخدّرات (المادة 35 فقرة 6) بصرف النظر
عن الباعث عليه وأياً كان الغرض منه، ما دام هو حاصلاً في غير الحالات الاستثنائية
الواردة في القانون ذاته. [(1)]
2 – إن كل ما يتطلبه القانون رقم 21 لسنة 1928 في إحراز المخدّر، من جهة القصد الجنائي،
هو علم المحرز بأن المادة مخدّرة دون نظر إلى الباعث له على هذا الإحراز. وهذا هو المعنى
المستفاد من عبارة الشطر الثاني من الفقرة السادسة من المادة 35 من هذا القانون، وهي
التي تكلمت في حالات الاستيلاء على المخدّر بلا أي قيد، وذكرت من هذه الحالات مجرّد
الإحراز (Détention)، أي الاستيلاء المادّي، أياً كان الغرض منه أو الدافع إليه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن مقبول شكلاً لتقديمه هو وأسبابه في الميعاد القانوني.
وحيث إن وقائع هذه المادة تتلخص في أن البوليس استصدر أمراً من النيابة بتفتيش منزل
زوج المتهمة لشهرته بالاتجار في المخدّرات، وفي أثناء التفتيش لاحظ الضابط على المتهمة
ارتباكاً فأراد تفتيشها فأخرجت له من جيبها ورقة بها قطع حشيش وسيجارة مطفأة بداخلها
حشيش أيضاً قالت إنها وجدتها على السلم فالتقطتها. وقد قدّمت النيابة المتهمة مع زوجها
إلى محكمة كرموز الجزئية بتهمة إحراز مواد مخدّرة فحكمت ببراءة الزوج وحبس المتهمة
ستة شهور. ولكن المحكمة الاستئنافية قضت بإلغاء هذا الحكم وبحبس الزوج سنة وبراءة المتهمة
مستندة في ذلك إلى أن وجود المخدّر معها لم يكن إحرازاً بالمعنى المقصود قانوناً، وإنما
كان مجرّد إخفاء له أرادت به إعانة زوجها على الفرار من وجه القضاء وهو فعل لا عقاب
عليه في حالة وقوعه من الزوجة كما تقضي بذلك المادة 126 من قانون العقوبات المكررة.
وحيث إن النيابة طعنت في هذا الحكم على أساس أن محكمة الجنح أخطأت في تطبيق القانون
بأن خلطت بين الباعث والقصد الجنائي مع أن الباعث لا تأثير له في جريمة إحراز المخدّرات،
وأن القصد الجنائي لا يقتضي سوى علم المحرز بأن المادة مخدّرة بصرف النظر عما يبتغيه
من وراء هذا الإحراز.
وحيث إن هذه المحكمة لا تقرّ محكمة الموضوع فيما ذهبت إليه من تطبيق المادة 126 من
قانون العقوبات المتكررة على ما وقع من المتهمة من إحرازها مخدّراً مملوكاً لزوجها
لتخفيه كدليل عليه. ذلك لأن هذا الإحراز في حدّ ذاته جريمة معاقب عليها بنص خاص وارد
في قانون المخدّرات (مادة 35 فقرة 6) بصرف النظر عن الباعث عليه وأياً كان الغرض منه
ما دام هو حاصلاً في غير الحالات الاستثنائية الواردة في القانون ذاته. أما المادة
126 آنفة الذكر فقد جاءت للعقاب على حالات الإخفاء التي لم تكن معاقباً عليها، فتطبيقها
إذاً لا محل له فيما العقاب مقرر له بنص صريح خاص، وهو ما قد سبق لهذه المحكمة أن بحثته
بما ترى فيه الكفاية في حكمها الصادر بتاريخ 26 ديسمبر سنة 1932 في الطعن رقم 549 سنة
3 قضائية. ولذا فهي تكتفي بالإحالة إليه فيما اشتمل عليه من بيان وتدليل.
وحيث إن محامي المتهمة تمسك بأنه يجب في جريمة إحراز المواد المخدّرة أن يكون الباعث
على الإحراز سوء النية ومخالفة ما قصد إليه الشارع من محاربة الاتجار في المواد المخدّرة
أو تعاطيها. فإذا لم يتوفر لدى المحرز أحد هذين الغرضين بأن كان الدافع له إلى الاستيلاء
على المخدّر الحيلولة دون ضبطه لدى صاحبه أو محرزه الحقيقي فلا إثم عليه فيما فعل.
وقد دلل على وجهة نظره هذه بأمرين: (أولاً) حالة الموظفين الذين تصل إلى أيديهم بحكم
وظائفهم مواد مخدّرة إذ هم لا حرج عليهم في هذا الإحراز بسبب الباعث لهم عليه. (ثانياً)
ما استخلصه من التفاوت الجسيم بين العقوبتين المنصوص عليهما في المادتين 35 و36 من
قانون المخدّرات قائلاً إن الشارع لم يقصد بما أورده في المادة 35 سوى حالات الاتجار
والترويج وجعل عقوبتها أقسى من عقوبة التعاطي التي أفرد لها المادة 36 ذلك لما رآه
بحق من أن الاتجار أشدّ ضرراً وأعظم خطراً من مجرّد التعاطي. وأضاف إلى هذا القول أن
معاقبة الإحراز إطلاقاً أي بصرف النظر عن غرض المحرز يؤدّي إلى نتيجة غير مقبولة، وهي
اعتبار الزوجة التي لا تبغي من وراء الإحراز سوى إخفاء الدليل المادي المثبت لما اقترف
زوجها من جرم – اعتبار هذه الزوجة محرزة بمقتضى الفقرة السادسة من المادة 35 ويكون
أقل ما تعاقب به الحبس مدّة سنة مع مائتي جنيه غرامة في حين أن في إمكان المحكمة الحكم
على زوجها إذا كان المخدّر لاستعماله الشخصي بالحبس ستة شهور مع أنه هو المحرز الحقيقي
لهذا المخدّر.
وحيث إن هذا الدفاع واهي الأساس. فأما عن الشطر الأول منه فإن الموظفين المنوط بهم
تنفيذ القانون إنما يقومون بأعمال مفروضة عليهم فلا جريمة إذاً فيما يأتون من إحراز
مشروع اقتضته ضرورات العمل (مفهوم الفقرة الثانية من المادة 58 من قانون العقوبات).
ولا محل لاتخاذ هذه الحالة الاستثنائية قياساً لغيرها ودليلاً على وجوب توفر غرض معين
في الإحراز. ومما لا شك فيه أن هؤلاء الموظفين أنفسهم لو أحرزوا مواد مخدّرة في ظروف
لا علاقة لها بأعمالهم ففعلهم هذا يكون جنائياً ويكون عقابهم عليه أمراً لا مرية فيه.
وأما عن الشطر الثاني من الدفاع فإن هذه المحكمة تكرر عين ما قررته في قضائها السابق
من أن كل ما يتطلبه القانون رقم 21 لسنة 1928 في إحراز المخدّر من جهة القصد الجنائي
هو علم المحرز بأن المادة مخدّرة دون نظر إلى الباعث له على هذا الإحراز. وتقول مرة
أخرى بأن هذا المعنى هو المستفاد من عبارة الشطر الثاني من الفقرة السادسة من المادة
35 من هذا القانون وهي التي تكلمت في حالات الاستيلاء على المخدّر بلا أي قيد وذكرت
من هذه الحالات مجرّد الإحراز (détention) أي الاستيلاء المادي أياً كان الغرض منه
أو الدافع إليه. ولا ترى المحكمة حاجة إلى تكرار ما سبق أن قالته بياناً لهذا الرأي
الذي استقرت عليه (انظر بالأخص حكمي 5 فبراير سنة 1931 و24 أكتوبر سنة 1932) أما كون
الذوق السليم لا يستسيغ النتيجة التي قد يؤدي إليها عدم تقييد الإحراز بالاتجار أو
التعاطي فهو اعتراض متعلق بأحكام النصوص ولا تأثير له على أي حال في تفسيرها على وجهها
الصحيح المقصود من وضعها. ومهمة القضاء، كما هو معلوم، ليست إلا التطبيق بصرف النظر
عن مثل هذه النتائج التي من شأن الشارع تلافيها بإصلاح ما في النصوص من علة أو نقص
إذا صح أن فيها شيئاً من هذا. على أن النتيجة التي يستنكرها الدفاع وهي أن تعاقب الزوجة
بسنة بينما زوجها قد يحكم عليه بستة أشهر فقط لكونه متعاطياً لا محرزاً إحرازاً مطلقاً
– هذه النتيجة ليس فيها ما يوجب الاستنكار. ذلك بأن علة تخفيف عقوبة المتعاطي أنه إنما
يؤذي نفسه لا غيره، أما المحرز سواء أكانت الزوجة أو غيرها فما دام إحرازها ليس لتعاطيها
الشخصي فإنه إحراز لمادة سامة معدّة لتسميم الغير – كما هي القرينة المستفادة من نص
القانون على مجرّد الإحراز المادي (détention) – وكل إحراز من هذا القبيل فهو أبلغ
في الإجرام من إحراز التعاطي. فلا جرم إذاً أن كانت العقوبة عليه أشدّ من العقوبة على
إحراز التعاطي.
وحيث إنه من كل ما تقدّم تكون المحكمة الاستئنافية قد أخطأت في تفسير القانون وتطبيقه
ويكون لهذه المحكمة أن تطبق القانون تطبيقاً صحيحاً على الواقعة الثابتة بالحكم وهي
إحراز المتهمة للمخدّر المضبوط معها، وعقابها على ذلك ينطبق على المادة 35 فقرة 6 من
القانون رقم 21 لسنة 1928.
[(1)] يراجع أيضاً الحكم الصادر بجلسة 26 ديسمبر سنة 1932 في القضية رقم 549 سنة 3 القضائية فإنه قد أفاض في البيان والتدليل على سداد هذا النظر.
