الطعن رقم 2062 سنة 3 ق – جلسة 19 /03 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 293
جلسة 19 مارس سنة 1934
برياسة حضرة مصطفى محمد بك وحضور حضرات زكي برزي بك ومحمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.
القضية رقم 2062 سنة 3 القضائية
اختصاص. ولاية المحاكم الأهلية ولاية عامة أصيلة. الاستثناء من
هذه القاعدة يجب أن لا يتعدّى حدوده الضيقة. جرائم التفالس في أحوال الإفلاس المختلط
من اختصاص المحاكم المختلطة. ارتكاب المفلس جريمتي نصب واختلاس. اختصاص المحاكم الأهلية
بهما.
(المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية والمادة 6 من الكتاب الثاني من لائحة ترتيب
المحاكم المختلطة)
إن ولاية المحاكم الأهلية للحكم في الجرائم التي تقع من المصريين والأجانب غير المتمتعين
بالامتيازات الأجنبية هي ولاية عامة أصيلة، وكل ما يحدّ من سلطتها في هذا الشأن جاء
على سبيل الاستثناء، والاستثناء يجب أن يبقى في حدوده الضيقة ولا يصح التوسع فيه أو
القياس عليه. فمتى رفعت للمحاكم الأهلية قضية بوصف جنائي يدخل في اختصاصها العام، وجب
عليها النظر فيها وعدم التخلي عن ولايتها. ولا يغير من ذلك ما قد يكون من الارتباط
بين الجريمة المرفوعة إليها وبين جريمة أخرى مرفوعة أمام قضاء آخر، لأن النظر في ذلك
الارتباط والحكم على نتائجه لا يكون إلا إذا كانت الجرائم المرتبطة ببعضها معروضة أو
يمكن عرضها على قضاء واحد.
وعلى ذلك فلا يجوز للمحاكم الأهلية أن تحكم بعدم اختصاصها إلا إذا كان الوصف الجنائي
الذي رفع إليها يخرج عن ولايتها بموجب نص صريح خاص. والمحاكم الأهلية ممنوعة طبقاً
للمادة 15 من لائحة ترتيبها والمادة 6 من الكتاب الثاني من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة
من نظر جرائم التفالس بالتدليس والتفالس بالتقصير في أحوال الإفلاس المختلط، فإذا تقدّمت
لها جريمة بهذا الوصف فيجب عليها أن تقرّر بعدم اختصاصها بنظرها. أما ما يرتكبه المفلس
من الجرائم الأخرى فالنظر فيه من اختصاصها ويجب عليها الفصل فيه. وإذن فإذا قدّمت النيابة
متهماً بوصف أنه اختلس مال الشركة التي هو وكيلها، وبوصف أنه ارتكب جريمة النصب على
بعض البنوك، وكان لهذا المتهم تهمة منظورة أمام المحاكم المختلطة وهي التفالس بالتدليس
وبالتقصير، فإن ما يكون من الارتباط بين هذه التهمة الأخيرة وبين تهمتي الاختلاس والنصب
لا يبرر أن تتخلى المحاكم الأهلية عن الفصل في هاتين التهمتين لقضاء آخر ليست له ولاية
الحكم فيهما.
الوقائع
اتهمت النيابة العمومية هذا الطاعن بأنه في المدّة بين أوّل يوليه سنة 1929 و8 أكتوبر سنة 1931 بدائرة بندر طنطا: (أولاً) بصفته وكيلاً عن الشركة التجارية الصناعية المختلطة اختلس مبلغ 8367 جنيهاً و717 مليماً من أموال الشركة المذكورة المسلمة إليه بصفته المذكورة لإدارتها. (ثانياً) توصل إلى الاستيلاء على مبلغ 29257 جنيهاً و627 مليماً من البنك الأهلي والبنك الإيطالي وبنك مصر وبنك درسدينر باستعماله طرقاً احتيالية من شأنها إيهام البنوك المذكورة بوجود واقعة مزوّرة في صورة واقعة صحيحة بأن أرسل إليها شهادات بوجود كميات من الأقطان والغلال بمخازن الشركة حالة أنها لا وجود لها وتوصل بذلك إلى الاستيلاء على المبلغ المذكور. وطلبت من محكمة جنح بندر طنطا الجزئية عقابه بالمادتين 293 و296 من قانون العقوبات. ولدى نظر الدعوى أمام محكمة الجنح المذكورة دفع الحاضر مع الطاعن بعدم اختصاص المحكمة الأهلية بنظر الدعوى لأن المتهم حكم بإشهار إفلاسه من المحكمة المختلطة وحكم أيضاً بإشهار إفلاس الشركة التجارية الصناعية المختلطة. وطلبت النيابة رفض هذا الدفع. وبعد أن سمعت المحكمة أقوال المحامي عن الطاعن وطلبات النيابة العامة في هذا الدفع حكمت حضورياً في 29 مارس سنة 1933 برفضه وباختصاص المحكمة بنظر الدعوى وحدّدت لنظر الموضوع جلسة أخرى. فاستأنف المتهم هذا الحكم في 30 مارس سنة 1933 ومحكمة طنطا الابتدائية الأهلية بهيئة استئنافية نظرت هذا الاستئناف وقضت حضورياً بتاريخ 15 مايو سنة 1933 بقبوله شكلاً وبرفضه موضوعاً وتأييد الحكم المستأنف. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض في 18 مايو سنة 1933 وقدّم حضرة الأستاذ مرقس فهمي أفندي المحامي عنه تقريراً بالأسباب في 31 مايو سنة 1933.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد القانوني فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن محصل الطعن أن الطاعن أشهر إفلاسه من المحكمة المختلطة بحكم مؤرخ 2 نوفمبر
سنة 1931 واتهمته النيابة المختلطة بالتفالس بالتدليس والتقصير. وقبل أن يتم التحقيق
القائم معه بشأن ذلك رفعت النيابة العامة الأهلية عليه الدعوى الحالية أمام محكمة بندر
طنطا الأهلية في 22 ديسمبر سنة 1931 تتهمه بأنه بصفته وكيلاً عن الشركة التجارية الصناعية
المختلطة اختلس مبلغ 8367 جنيهاً و771 مليماً من أموال الشركة المذكورة المسلمة إليه
بصفته المذكورة لإدارتها وبأنه توصل إلى الاستيلاء على مبلغ 29257 جنيهاً و627 مليماً
من البنك الأهلي والبنك الإيطالي وبنك مصر وبنك درسدينر باستعماله طرقاً احتيالية من
شأنها إيهام البنوك المذكورة بوجود واقعة مزوّرة في صورة واقعة صحيحة بأن أرسل إليها
شهادات بوجود كميات من الأقطان والغلال بمخازن الشركة حالة أنها لا وجود لها. فدفع
الطاعن بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر هاتين التهمتين لأنهما تدخلان في التهمة المنظورة
أمام المحاكم المختلطة وهي التفالس بالتدليس وبالتقصير، ولأن المحاكم الأهلية ممنوعة
من نظر كل جناية أو جنحة صدرت من مفلس وتكون من اختصاص المحاكم المختلطة. فحكمت محكمة
بندر طنطا برفض الدفع وباختصاص المحكمة بنظر الدعوى، وتأيد حكمها استئنافياً. فطعن
فيه المتهم بطريق النقض للأسباب المتقدّمة ولأنه لا يجوز أن يحاكم مرتين عن فعل واحد.
ومن حيث إن ولاية المحاكم الأهلية للحكم في الجرائم التي تقع من المصريين والأجانب
غير المتمتعين بالامتيازات الأجنبية هي ولاية عامة أصيلة. وكل ما يحدّ من سلطتها في
هذا الشأن جاء على سبيل الاستثناء، والاستثناء يجب أن يبقى في حدوده الضيقة، ولا يصح
التوسع فيه أو القياس عليه. فمتى رفعت للمحاكم الأهلية قضية بوصف جنائي يدخل في اختصاصها
العام وجب عليها النظر فيها وعدم التخلي عن ولايتها. ولا يغير من ذلك ما قد يكون من
الارتباط بين الجريمة المرفوعة إليها وبين جريمة أخرى مرفوعة أمام قضاء آخر لأن النظر
في ذلك الارتباط والحكم على نتائجه لا يكون إلا إذا كانت الجرائم المرتبطة ببعضها معروضة
أو يمكن عرضها على قضاء واحد. وعلى ذلك فلا يجوز للمحاكم الأهلية أن تحكم بعدم اختصاصها
إلا إذا كان الوصف الجنائي الذي رفع إليها يخرج عن ولايتها بموجب نص صريح خاص.
ومن حيث إن المحاكم الأهلية ممنوعة طبقاً للمادة 15 من لائحة ترتيبها والمادة 6 من
الكتاب الثاني من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة من نظر جرائم التفالس بالتدليس والتفالس
بالتقصير في أحوال الإفلاس المختلط فيجب على المحاكم الأهلية أن تقرر بعدم اختصاصها
كلما تقدّمت لها جريمة بهذا الوصف فقط، أما ما يرتكبه المفلس من الجرائم الأخرى فيبقى
النظر فيه من اختصاصها ويجب عليها الفصل فيه.
ومن حيث إن النيابة قدّمت الطاعن للمحكمة الأهلية بوصف أنه اختلس مال الشركة التي هو
وكيلها وبوصف أنه ارتكب جريمة النصب على بعض البنوك، وهاتان الجريمتان تدخلان في اختصاص
المحاكم الأهلية وتختلفان كل الاختلاف مع جرائم التفالس في الأركان التي ينبني عليها
كل منها وفي الأشخاص الذين تقع عليهم. ولا عبرة بما يكون من الارتباط بين هذه الجرائم
لأن هذا الارتباط لا يبرر أن تتخلى المحاكم الأهلية عن الفصل فيما هو داخل في ولايتها
لقضاء آخر ليس له ولاية الحكم في جريمتي الاختلاس والنصب المذكورتين.
